دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 25)

لو قلت لي أن فلانا من الناس يملك مائة مليون دولارا في حسابه البنكي، لما منحتني أية معلومة لأعرف من هو! لو قلت لي أن فلانا تخرج من جامعة هارفارد، ويملك ثلاثة شهادات دكتوراه، في ثلاثة حقول مختلفة، لما أضفت الكثير إلى معلوماتي عنه! بينما لو جلست بمفردي مع هذا الفلان ساعة واحدة، لقيمته أدق مما يقيم ميزان زئبقي درجة حرارة الجسم! ولنبشت على الفور نقاط قوته ونقاط ضعفه، ووصلت إلى المحصلة النهائية التي ستحدد طبيعة علاقتي به، ولا أذكر أن قدرتي على التقييم خانتني مرة واحدة!
.
لا أدري إن كانت تلك القدرة صفة موروثة أم ميزة مكتسبة، وقد تكون الاثنتين معا. من حق أي إنسان أن يقيم الآخرين عندما يتعلق الامر ببناء علاقة معهم، شرط أن يحتفظ لنفسه بنتائج ذلك التقييم، إذ يبقى تقييمك مجرد رأي شخصي قابل للصح والخطأ
ومن جهة أخرى، لا أحد ملزم بإقامة علاقة مع شخص لا يرتاح له.
……………..
عندما ألتقي بالناس لا أبحث عن كمالهم، فأنا لست كاملة، ولا أتوقع من الناس أكثر مما أتوقع من نفسي. أغض النظر عن الكثير من سلبياتهم، فلي سلبياتي…. لكنني أبحث عن حد معقول من الصفات الإنسانية التي تستطيع أن تغني علاقتي بهم،
وتضيف إلى حياتي مسحة من سعادة!
نعم أبغي من أية علاقة أن تعزز سعادتي، وهذا هو حقي، فمن يستطيع أن يزعم أن هناك علاقة لا تقوم على واجب وحق؟
……
كل علاقة يهدف من خلالها الآخر أن يستفزني، وينقر على عصب من أعصابي، لأنه توهم بانه حساس،
كل علاقة من هذا النوع أسقطها من حساباتي وعلى الفور.

لم أمسك في حياتي شخصا من يده المكسورة، وأتجنب دوما أن أنقر على عصب حساس!
علما بأنني خبيرة في علم الأعصاب ومدى حساسيتها.

لا شيء في حياتي يهمني أكثر من السكينة التي أعيشها، ففيها تكمن سعادتي،
إذ أنني – وبطبعي- من النادر أن أتأزم ومن الأندر أن أشكو،
وإذا شكوت أشكو من شدة ألمي على الآخر، وليس على نفسي،
فأنا أتقبل الحياة بكل تحدياتها…
لأن قبولها هو الخطوة الاولى في طريق مواجهتها.

أجمل علاقاتي هي تلك التي أقيمها مع أناس راضين ممنونين لكل أثر للنعمة في حياتهم،
غير متأزمين وليسوا بالضرورة غير متألمين….

كلنا نتألم، لكنني لا أستطيع أن أقيم علاقة مع شخص يسمح لألمه أن يؤزمه،
ويكهرب كل شيء في محيطه.
وبالمقابل لا أسمح لألمي أن يكهرب محيطي….
……………
العلاقات البشرية تتطلب الكثيرة من الليونة
المثل يقول:
(لا تكن لينا فتعصر ولا صلبا فتكسر)

أما أنا فأفضل مليون مرة أن اُعصر على ان اُكسر….
قد يكون في عصيري ترياقا للآخرين، ولكن ليس في كسري منفعة لي أو لغيري!

لقد عُصرت مئات المرات، وفي كل مرة خرجت منها أنضح رحيقا وأنتح عسلا…
لكنني لم أسمح لأحد أن يكسرني!
….
وحدهم النقاقون المتأزمون الذين لا يقدرون الجمال، ولا يقمون وزنا لنعمة يستطيعون كسري،
لو شاء لهم وتماديت في علاقتي معهم،
لكنني لا افعلها!

هؤلاء المتأزمين يشعرونك دوما بأنهم لا يستحقون قرف الحياة،
دون أن يدركوا أنهم مغرورون إلى حد القرف!

رسالتهم “أنا أستحق أفضل مما نلت، لأن الحياة بنت كلب، وكل من ألتقي به يريد نهشي”!
لا يرون في كؤوسهم نصفها الملآن، ولا حتى نصفها الفارغ،
بل يرونها مملوءة سمّا زعافا!

يظنون أنهم أرفع شأنا من أن يعيشوا ظرفا ما،
لذلك يعلقون على شماعة الحظ، او شماعات الآخرين كل أسباب تعاستهم،
مجردين أنفسهم من أية مسؤولية حيال وضعهم!
ولأنهم متأزمون رافضون،
هم ليسوا في وضع يسمح لهم أن يكونوا معطائين ومساهمين في تخفيف حدة الغليان في هذا العالم….

وحدهم أبناء السكينة يستطيعون فعل ذلك!
……
لقد أهدتني الحياة زهورا، لأنني قبلتها وأحببتها وامتننتها في مرحلة الشوك من عمري،
عشت تلك المرحلة كما تعيش طفلة أقنعتها ستها أم علي بأن الخبز مقدس،
فراحت تلتقط فتافيت سندويشة الزعتر من على الأرض،
ثم تقبلها وتضعها على رفراف الشباك،
كي تلتهمها عصافير الصباح…

لقد قبلت بامتنان حتى الفتات الذي ألقته الحياة في جعبتي،
وأهديت العصافير كل الفتات الذي وقع من تلك الجعبة….!
لذلك أغرقتني الحياة بعطائها، وأغرقتُ العصافير بعطائي…
………
لم أنل يوما مكسبا واعتبرته استحقاقا،
رغم أنني اؤمن ايمانا قطعيا بأنني لم اكسب في حياتي إلا ما كنت أستحقه،
وتعبت من أجله!

بل أعتبره منحة تفضل بها الكون عليّ، ولذلك أمتن لهذا الكون بكل تفاصيله المدهشة.

برعم صغير يشرأب في حديقتي ينسيني حجم فاتورة الماء التي تلتهم قسما كبيرا من دخلي،
وينسيني ضغوط دفعها!

فكل جميل مهما كان ضئيلا يطغى على كل القبائح في ساحة بصري،
وحياة الإنسان هي خلاصة ما يركز عليه…
لذلك، لم أعد أرى في حياتي إلا البراعم التي طغت
على كل شيء في عالمي….
إذ ليس مهما ما تملك في حسابك، بل الأهم ماتملكه وسيبقى لك لو أفلس ذلك الحساب!
….
ولأنني لا أتأزم، ومن النادر أن يستفزني احد،
أشعر أنني دوما في وضع نفسي يشجّع على العطاء….
للعطاء مليون شكل،
تترواح تلك الأشكال بين ابتسامة في وجه عابر سبيل، وبين أن تعطي بسخاء حتى تستنزف كل مصادرك!
ولن تُستنزف مادام العطاء دفاقا، بل على العكس تماما كلما ازداد العطاء كلما ازاددت مصادرك دفقا.
المتأزم مفلس،
والدفق الكوني لا يعبرك إلا إذا كنت وديعا كرضيع نائم…
فعندما تتشنج تعرقل ذلك الدفق!
….
لم أعط يوما أحدا شيئا واعتبرته صدقة، بل أمانة استودعها الكون إلى حينِ
ِ عندي.

نعم، اؤمن بأن ما أعطيه يمرره الكون إلى الآخر عبري وليس مني!
كل مايزيد عن حاجتي لأعيش حياة كريمة، هو دين سقط في ذمتي،
وعلي أن أفي ذلك الدين، وإلا سيكون وبالا علي.
لذلك أشكر الكون على كل فرصة أستطيع من خلالها أن أعطي،
ولا أتوقع من الآخر أن يشكرني…
…………..
سعيدة أنا…..
وكل الودعاء الذين مروا في حياتي
حفرتهم على شغاف قلبي…
وصاروا على قائمة أصدقائي…
بل صاروا عاملا من عوامل سعادتي!
…..
…..
…..
…..
بمن فيهم بعض من أصدقائي في هذا العالم الافتراضي، المسمى فيسبوك
فقدرتي على قياس سكينة الآخر ورضاه، وأيضا استشعاره للجمال وامتنانه للنعم،
تجاوزت حدود عالمي الملموس، لتمتد إلى عوالمنا الافتراضية هذه!

وهي، أي تلك القدرة، – سواء كانت صفة موروثة أم ميزة مكتسبة –
دليلي إلى صداقاتي الحقيقة،
وبالتالي إلى مايعزز سعادتي….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.