دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 108)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

أقبح الرذائل على الإطلاق هي الكره،
وأجمل الفضائل على الإطلاق هي القدرة على ضبط النفس.
القدرة على ضبط النفس في بداياتها تسمح لك أن تتريث قبل أن تصدر أحكامك،
وخلال مسيرتها تعلمك كيف تتخلى عن مشاعرك السلبية،
وفي مراحلها المتقدمة تصبح قادرا على أن تتفاعل مع متناقضات الحياة،
بدون تشنج وبلا تأزم،
فتجد نفسك لاحقا واقفا على رجليك وشامخا بثبات،
حتى وأنت في لجّ دوامتها، والرياح تعصف بك من كل جوانبها.
باختصار، القدرة على ضبط النفس، هي أن لا تؤذي مهما كان الظرف ضاغطا.
هي أن (تفعل شيئا أو لا تفعل شيئا) بغية تجنب الأذية، في اللحظة التي
يبدو فيها كل شيء مبررا لأن تؤذي!
عندها، وعندها فقط، تتحرر من كل الضغائن ويصبح الحب طريقة حياة…..
………
سأتحدث في هذا الفصل وفصول لاحقة عن تجربتي الشخصية خلال تلك الرحلة،
وأريد أن اذكر قارئي بأن الاستنتاجات والقناعات التي يخرج بها الإنسان،
أي إنسان، من تجربة يخوضها هي حقه ولا أحد ملزم بها…
ما يشجّعني للتطرق إليها هو إمكانية أن يستفيد البعض من استنتاجاتي عندما
يخوضون تجاربا مشابهة،
كما استفدت أنا من استنتاجات الآخرين الذين خاضوها قبلي.
لم تكن رحلة العذاب الذي خضته في سبيل اكتساب القدرة على ضبط النفس قصيرة،
ولم أحاول أن أختصر أية مرحلة منها، بل سمحت لنفسي أن
أعيشها بحذافيرها كي أخرج منها متفهمة لكل تفاصيلها،
إذ لا تستطيع إطلاقا أن تختصر طريقا يقودك إلى غاية نبيلة….
قد تملك كل الصفات الجميلة، لكن عندما تفقد القدرة على ضبط النفس تفقد
تلك الصفات أهميتها، وتصبح بلا قيمة!
ارتكبت خلال كل مرحلة منها أخطاءا،
لم تكن تلك الأخطاء صغيرة إلى الحد الذي سمح لي بتجاهلها،
ولم تكن كبيرة إلى حد أفقدني صفاتي الجميلة، وأهمها بصيرتي الثاقبة
وقدرتي على رؤية الطريق بوضوح….
اعترفت لنفسي بأخطائي، ومضيت قدما في تصحيحها، ودفعت الضريبة المستحقة عنها.
والأهم حاولت، ولم أزل أحاول، أن لا أكررها.
عند كل محاولة ليس مضمونا أن تصل إلى غايتك، لكن مجرد المحاولة للوصول
إلى غاية نبيلة هو عمل نبيل تحرّكه رغبة نبيلة.
الطريق إلى الغاية، أية غاية، هو الغاية….


……………
فاتني أن أقول، أنه خلال الرحلة أنت ملزم بتقييم خطواتك بصدق وأمانة،
ولست ملزما أن تستمع إلى الضجيج من حولك،
فأغلبه زعيق يُراد به أن يثنيك عن هدفك، ويقتل عزيمتك.
كيف تعرف أنك على الطريق الصحيح؟
شخصيا لم يكن الأمر سهلا، لكن مع الزمن اكتسبت الخبرة الكافية
وذلك عن طريق التدريب والمثابرة.
تخيل نفسك تمشي مع الريح أو عكسها، وتحسس بعمق مشاعرك خلالها.
هكذا تكون رحلتك الكونية، إما وفقا لقوانين الكون التي تحمي الحياة، أو عكسها…
عندما تمشي باتجاه الريح تنتابك مشاعر أن هناك قوة تدفعك نحو الأمام،
وتسهّل عليك السير.
عندما تمشي عكس الريح تنتابك مشاعر أن هناك قوة تدفعك إلى الخلف،
وتعرقل سيرك إلى الأمام لكي تغيّر مسارك.
لكي تتحسس مسار القوى الكونية وإذ كانت تساندك أو تعرقلك
يجب أن تكون حساسا كالزئبق.
وستكون حساسا عندما تتجرد من أحقادك، وتمنع الاعتبارات التي تفرضها “أناك”
من أن تقف حائلا بين بصيرتك وبين ما تعيشه خلال التجربة.
كما يرتفع أو يهبط مؤشر الزئبق شحطة واحدة في مواجهة تغييرات الحرارة،
هكذا كنت أرتفع وأهبط خلال مسيرتي، لكي استمر في طريقي أو أتراجع
حسب قوة الريح واتجاهها.
وكلما استخدمت زئبقي الحساس كلما تمرّست أكثر في قراءة مؤشره!
مازلت أرتكب أخطاءا، لكنها أخطاء أتعلم منها دون أن تقتلني،
لأنها لم تصل يوما إلى حد الجريمة، والجريمة في رأي هي رغبتك في أن تؤذي
عن كراهية وعن سابق قصد وتصميم، سواء نفّذت الأذية أم لم تنفذها.
لم أقصد يوما أن اؤذي، وبهذا الخصوص أمشي وكأنني
أمشي على بيض، كل بيضة فيه تنبض بالحياة، وغايتي أن أحترم كل حياة…
عموما كانت القوى الكونيّة تسهّل طريقي وتدفعني قدما في مسيرتي،
ولطالما أشعلت شغفي وأججّت رغبتي في الإستمرار،
والأهم كانت تبعث لديّ مشاعر الرضى عن النفس، وتسربلني بسلام داخلي هائل.
فالإحساس بالرضى هو سرّ استمراريتي، وسرّ جلدي وصبري وثباتي
أبان رحلة كانت ممتعة، ولم تكن سهلة!
هذه العوامل مجتمعة برهنت لي أنني قد أخذت طريق الصواب،
إذ لم أشعر يوما بأية قوة تعترض طريقي.
أحاول بكل جهدي أن لا اؤذي…
هذا لا يعني أنني لم أسبب ألما، إذ من المستحيل لإنسان مثلي
أن يتفادى إحداث الآلام للآخرين،
طالما غايتي هي تصحيح وتغيير مسارات.
هناك فرق بين الألم والأذية،
كل أذية تسبب ألما، ولكن ليس كل ألم ينجم عن أذية.
عندما يقطع الطبيب رجل مريض مصابة بالغانغرين ـ التموّت النسيجي ـ
أو يستأصل عينه المتسرطنة،
هو يسبب له ألما، لكنه لا يقصد أن يؤذيه.
عندما يفقأ دمّلا بغية تطهيره من القيح والجراثيم هو يسبب ألما،
لكنه لا يقصد الأذية،
بل على العكس يحاول أن يجنب مريضه مزيدا من الأذيّات.
شابة أمريكية علقت يدها في فم سمكة قرش وهي تسبح، فاضطرت أن تقطع يدها
بكل قوتها كي تنجو بنفسها.
لم أقطع يوما يدا، لكنني دحضت أفكارا…
كنت قد خضت تجاربا كثيرة، واطلعت على علوم غزيرة،
وتصارعت مع قناعات سابقة،
وتوصلت إلى حقيقة فشل تلك الأفكار في خلق إنسان جدير بالحياة، وصناعة
حياة جديرة بإنسانها.
عندما أدحض فكرة قبيحة تبرمج عقل على أن يعتبرها عصب حياته،
سيتألم صاحبها بكل تأكيد.
لا يهمني الأمر،
وسيظل إحساسي بالرضى عن نفسي في ذروته.
فلقد كانت غايتي نبيلة تدعمها حقيقة كونية أن “الأنا”،
هي التي تختار معظم آلامها، إن لم يكن كلها، وهي التي تسمح لذلك الألم أن يحطمها.
عندما تدرك أن الإنسان، متمثلا في ذاته الكونية العليا،
هوأكبر بكثير من أية فكرة يؤمن بها،
لن تخاف من أن تضع تلك الفكرة تحت عدسة مجهرك وتفضحها،
ولن تتأذى لو وضع أحدهم أفكارك تحت عدسة مجهره وفضحها.
كما أحاول أن أهدم أفكارا يحاول البعض أن يهدم أفكاري،
ولا أرى في الأمر خللا طالما نميّز جميعنا بين الفكرة وحاملها،
ونملك القدرة على الحكم على الفكرة لا على كيل التهم ضد معتنقها!
لا أتألم إطلاقا عندما يحاول إنسان أن يهدم فكرتي،
لأنني أثق بفكرتي وفي الوقت نفسه لا أقدسها،
وثانيا لأنه لم تكن نيتي من طرحها أن اؤذي أحدا عن سابق قصد وتصميم.
الحروب الفكريّة هي الحروب الوحيدة المقدسة والمشرّعة أخلاقيا وإنسانيا،
وهي التي تساهم لاحقا في خلق السلام الحقيقي،
مهما تأججت ومهما بدت حامية الوطيس.
القدرة على ضبط النفس هي المفتاح لخوضها بثبات وشجاعة،
وهي أيضا الطريق إلى ذاتك العليا، ولأن تبقى ساكنا وراضيا،
حتى وأنت في لج إعصار يحاول أن يقلعك من جذورك….
…..
…..
ولقد اكتسبتها بجدارة!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.