دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 107)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

لو ألقينا نظرة بسيطة على مسيرة العلم ومسيرة الدين
عبر التاريخ البشري،
لوجدنا فرقا يعطي كل طرف منهما حقه ومستحقه.
هذا الفرق هو البرهان القاطع على حقيقة العلم
وخلبية الدين.
العلم جمع شمل البشر على اختلاف مشاربهم ومنابتهم،
ولن تجد اختلافا في الرأي حوله، إلا وفي بعض الأحيان النادرة هناك مدرستان ترجح هذا الرأي على ذاك،
والفرق بين الرأيين يكاد لا يذكر.
بينما لا يوجد دين واحد يتفق عليه اثنان من أنصاره،
وإذا اتفق اثنان عليه فليس إلا لمعارضة رأي ثالث!
هذا الإجماع الذي أتى به العلم في مقابل ذلك التشرذم
الذي خلقته الأديان قاطبة، يعود في مجمله
إلى وضوح العلم وغموض الدين،
وبالتالي إلى الآثار الإيجابية لذلك الوضوح
والآثار السلبية لذلك الغموض.
العلم لا يحاول أن يخفي حقيقة، ولا يعترف إلا بما يراه، ويتخلى عن أية نظرية عندما تدحضها حقيقة جديدة.
بينما الدين يستهتر بالبراهين ويجبر أتباعه
على أن لا يعترفوا إلا بما قاله،
حتى ولو طارت البطة التي قال عنها عنزة!
التشرذم الذي نراه واضحا وجليا في كل الأديان والطوائف، يثبت أن ما جاء به الدين هو ضد الفضول
كنزعة بشرية للوصول إلى المعرفة.
بينما ليس من دافع لاكتشاف الحقائق العلمية
إلا ذلك الفضول،
وفي الحفاظ على تلك النزعة احترام للطبيعة البشرية
التي تنشد المعرفة.
الصراع الذي يعيشه المسلمون اليوم بين متطرف ومعتدل وعلماني، لا يختلف إطلاقا عن الصراع الذي يعيشه المسيحيون حول طبيعة المسيح
ومكانة أمه مريم، لا يختلف عنه إلا أنه أشد سعيرا وحرقا!
فشيوخهم يحاولون أن ينكروا قباحة الأحاديث المحمدية، متغاضين عن قباحة القرآن نفسه!
صديق بروتستانتي يؤكد لي أن شهود
يهوه والمورمن من أتباع الشياطين،
لأنهم رفضوا الطبيعة اللاهوتية للمسيح.
صديقة من شهود يهوه تؤكد أن الآخرين قد تشيطنوا
عندما اعتبروا المسيح إلها، وقدسوا أمه العذراء.
سيدة قبطية تحتج على مقابلة لي كان موضوعها
“التحرش الجنسي في الكنيسة القبطية”
وتترك تعليقا “وفاء سلطان كاثوليكية متعصبة”
(فتصور يا رعاك الله!!!!)


صديقة مسيحية تنشر صورة العذراء على صفحتها،
فترد عليها سيدة أخرى:
هذه هرطقة!!
وتنشب حرب بين أنصار الصفحتين…
قس قبطي يخطب في الكنيسة ضد الانجليين:
لهم مسيحهم ولنا مسيحنا.
السؤال الذي طالما طرح نفسه عليّ:
لو كانت تعاليم الكتب الدينية واضحة وجلية،
كما هو جدول الضرب، هل يعقل أن يصلوا
إلى هذا التشرذم والصراع؟!!
فكل طرف من أطراف النزاع يجد في تلك الكتب المتناقضة ما يخدم وجهة نظره!
إذا كتبت الآن جملة أقول فيها:
(نمتُ البارحة في التاسعة مساءا واستيقظتُ
في الثامنة صباحا، ثم تناولت فنجانا من القهوة،
وكنت بصحبة صديقتي منى)!
هل سيختلف اثنان على الوقت الذي نمت فيه أو استيقظت؟
هل سيقول أحد شربت وفاء الشاي عندما فاقت؟
هل سيقول أحد شربتها برفقة أخيها أحمد؟
طبعا لا…
لأن عباراتي واضحة وسهلة وتضع النقاط على كل الحروف،
ولا تخفي بين سطورها معنى يضيع القارئ ويشتت فكره،
ويسمح للطحالب أن تعتاش على التفسير والتأويل!
لو جاءت الكتب الدينية بهذا الوضوح لما
خلقت شرخا ولما حفرت خندقا،
ولوفرنا على أنفسنا الصراع المقيت بين السنة والشيعة، ولما شيطنت طائفة مسيحية طائفة أخرى،،
ولكان العالم أكثر سلاما وهدوءا….
لو جاءت بهذا الوضوح لما تشتت المسملون
بين قرآنهم وأحاديثم،
ولما اختلف المسيحيون على طبيعة المسيح
ومكانة السيدة والدته!
أحيانا تتعلم من النقيض نقيضه، فلقد تعلمت من التناقض والغموض الذي يطغى على كل الكتب الدينية،
تعلمت أن أكون في هذا الكتاب واضحة التعبير
وثابتة المنحى قدر الإمكان.
تعلمت أن الوضوح في التعبير والثبات على المبدأ
قيم أخلاقية، وأحاول بكل جهودي البشرية
ـ التي قد تخطئ وتصيب – أن لا أسقط يوما بتلك القيم!
كل حصان تركبه وتصبح غايتك الوحيدة
الوصول إلى مكان ما، سيصبح الوصول إلى المكان أهم بكثير من العناية بالحصان الذي سيخر ميتا قبل وصوله.
فبقدر ما تكون الغاية نبيلة يجب أن تكون الوسيلة نبيلة، ويجب أن تعتني بالوسيلة لكي تصل بها إلى غايتك.
لذلك، انفضحت تعاليم الأديان كلها عندما
تكالب رجال الدين على مصالحهم،
وفشلوا في مهمة ترقيعها وتجميلها كي تبقى مقبولة ومواكبة للزمن الذي وصلت إليه.
عندما يتعلق الأمر بالإسلام “فحدث بلا حرج”!
خنادقه هي الأكبر والأعمق والأكثر احتواءا
للأحقاد والضغينة.
لم يحقق خلال مسيرته التاريخية إلاّ نجاحا واحدا
ألا وهو حفر تلك الخنادق والحفاظ عليها.
لذلك، ترى الخراب أفظع في بلدانه وفي عقر دياره!!
ثقافة “ستنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة”
قسمت أمته إلى مليار ونصف المليار فرقة.
كل ينهش في غيره، والكل استنزفته الخلافات وأنهكته!
وليس من منقذ إلا عملية إعادة تأهيل، تعيد للفرد
هويته الإنسانية، وترمي تلك التعاليم
في مزابل التاريخ!
يقول (أعتقد) الرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان:
(لكي تهزمهم عليك أن تشوشهم)
ولذلك انهزم كل المتدينين أمام علوم اليوم،
لأن العلوم قدمت حقائق واضحة
في مواجهة تعاليم متناقضة تحتمل مليون تفسير وتفسير!
قبل أن يهزمهم العلم، هزمتهم تعاليمهم
عندما شوشت أذهانهم وخلقت بلبة بينهم،
ولولا القوانين العلمانية الوضعية والبشرية التي حمتهم
من كوارث تلك البلبة، لطحنوا بعضهم البعض!
…….
Benjamin Jowett
كان في القرن التاسع عشر مدرسا معروفا في جامعة اوكسفورد، ومختصا في علم اللاهوت،
وواحدا من أهم المجددين، قال يوما:
My dear child, you must believe in God despite what the clergy tells you.
(يابني العزيز، عليك أن تؤمن بالله بغض النظر عما
يقوله لك رجل الدين)
وهو يقصد أن كل ما يقوله لك رجل الدين
يشجعك على أن لا تؤمن بالله.
بنجامين جويت، يعتقد أن الخلل في رجال الدين،
أما أنا فاؤمن بأنهم لو لم يجدوا مادة
خصبة ـ وقادرة على أن تشوش وتشوه ـ في كتبهم الدينية،
لما استطاعوا أن يلعبوا في عقول أتباعهم
ويشوشوها إلى هذا الحد.
شخصيا، أعرف أنه إذا كان هناك أمر واحد قد يضعف ايمانك بوجود قوة عليا مطلقة الكمال،
فهو تلك الكتب الدينية التي زعم مؤلفوها
أنها كتب من عند الله.
هي وحدها تدعوك لأن تكفر بكل قوة مطلقة
كتلك التي زعمت أنها نزلت من عندها.
نعم الكتب الدينية هي أهم أسباب الإلحاد!
لكن رغم أن كل مافيها من قبائح، تدفع البشر على أن تسقط من حساباتها كل احتمال لوجود تلك القوة،
شخصيّا يجبرني الجمال الكوني وخلاصة التجارب
التي عشتها عن طيبة خاطر ونية صافية،
يجبرني على أن أرى تلك القوة حقيقة تتجسد أمام ناظري
في كل دقيقة عشتها وأعيشها،
ومن حق كل إنسان أن يؤمن باستنتاجاته وخلاصة تجاربه،
وخصوصا عندما تسفر عن كمال بالمطلق….
كل شيء مبهم ويحتاج إلى تفسير وتأويل لا يمت
إلى تلك القوة بصلة،
لأنها واضحة وجلية ككرة من الكريستال.
لا تتطلب رؤيتها إلا بصيرة نقية من شوائب الأديان،
وضميرا لم تشوشه تفسيرات وتأويلات
خدمت مصالح أشباه رجال.
بصيرتك وضميرك هما الكتابان الوحيدان
اللذان جئت إلى الحياة مزودا بهما،
وهما كل ما تحتاج إليه لتؤمن بتلك القوة، وتصبح جزءا منها.
باختصار:
رغم القبح الكامن في كل الأديان، تستطيع أن تنشد
التواصل مع تلك القوة،
وستكون سعيدا لو ولفت شراعك ليتناغم مع دفقها…..
عندها وعندها فقط تسقط كل عداواتك، وتصبح حياتك
بكل تفاصيلها انعكاسا لتصوراتك عن طبيعة تلك القوة❤️

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 107)

  1. س . السندي says:

    من ألأخر ، بداية تحياتي لك عزيزتي د. وفاء وتعقيبي ؟

    ١: تقولين{… سيصبح الوصول إلى المكان أهم بكثير من العناية بالحصان الذي سيخر ميتا قبل وصوله ، فبقدر ما تكون الغاية نبيلة يجب أن تكون الوسيلة نبيلة ، ويجب أن تعتني بالوسيلة لكي تصل بها إلى غايتك ؟

    ألا ترين في هذا تناقضا يا سيدتي ، صحيح أن الغاية أهم من الوسيلة ، ولكن من دون وسيلة قوية وسليمة وامنة قد لانصل بها لمبتغان ابدا ، إن تهلكنا ونحن لم نزل في الطريق ، ووسيلة الاديان هنا كتبها ؟

    ٢:.. تقولين رغم القبح الكامن في تلك الاديان ؟
    أكون شاكرا لو وضحت ما القبح الذي في المسيحية والمسيح ، فهل من العدل والانصاف مساوات الثرى بالثرية ، وانت يا سيدتي سيدة المنطق والعقل والعلم ؟

    فأي قبح في قول المسيح {أحبو أعدائكم ومبغضيكم ولاعنيكم وسامحو من يسئ إليكم لابل وغفرة له سبعين مرة سبعة ؟

    أنا هنا لست في موضع الدفاع عن المسيحية والمسيح لان المسيح قالها بوضوح أنا أدافع عنكم وانتم صامتون وليس كما يفعل الاخرون ؟

    فمن الشجاعة قول الحقيقة بما فيها وعليها ، وتبقى الحقيقة مهما فعلنا نسبية لان الكمال لصاحب الكمال في النهاية ، ولكن السعي اليها يبقى قمة الحكمة والفطنة ؟

    وما يعوز الاخوة المسلمين ليس شلالات المعرفة بل الشحاعة في قول الحقيقة ، والحمد لله نجد اليوم منهم كثيرين لابل وكثيرين جدا ، سلام؟

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.