دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 106)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

الأديان هي فلسفات أفرزتهاالحاجة إليها
في البيئة والزمن اللذين ولدت فيهما.
ولأنها – خلافا لكل الفلسفات الأخرى – أحاطت تعاليمها بقدسية إلهية تحجرت وتغطرست مع الزمن.
البشرية وصلت اليوم إلى مرحلة دحضت فيها
الكثير من الخرافات الدينية،
وفضحت قصورها الأخلاقي والإنساني.
ليس هذا وحسب، بل أجابت على الكثير من الأسئلة
التي أقلقت الإنسان منذ بداية وجوده.
أجابت عليها بطريقة احترمت كيانه النفسي والعاطفي والعقلي.
على كل حال، بقي الكون بمجمله شيفرا لا نستطيع
أن نستوعبها بحواسنا الخمس،
ولا ـ ولن ـ نستطيع أن نفك كل رموزها.
يضاف إلى ذلك أنه تولدت لدي قناعة من أن بعض الناس يولدون مسلكين عصبيا وبيولوجيا
للإيمان بقوة كبيرة تستطيع أن تساعدهم
على استيعاب اللغز الكوني، وتستطيع أيضا
أن تساعدهم لسد الثغرات التي يخلقها
ضعفهم أمام بعض التحديات.
هذا حقهم، وهو حق مشروع يجب أن نقدره ونحترمه،
بشرط أن لا يتعارض مع حقوق الآخرين.
المرحلة التي وصلت إليها البشرية اليوم من العلوم والتكنولوجيا وضعت الكثير من البشر،
وخصوصا هؤلاء الذين لا يقبلون بشيء إلا (وبرهانه) معه،
وضعتهم في حالة صراع مع الأديان وأتباعها.
هذا الصراع يزداد سعيرا يوما بعد يوم، ويضعنا أمام سؤال:
هل الأديان تحتضر اليوم؟ ومتى ستلفظ أنفاسها الأخيرة؟
أعود وأقول، (ومن خلال تجارب شخصية قد لا تلتقي مع تجارب الآخرين)،
ورغم موقفي الرافض لكل الأديان


أعود وأقول: الأديان لن تلفظ أنفاسها الأخيرة،
ولكن سيجد أتباعها أنفسهم
مجبرين أن يعيدوا صياغتها من جديد،
وبشكل أكثر قبولا وتماشيا مع الزمن الذي نعيش فيه.
قد يحتج أحدكم على فكرة إعادة صياغتها، بحجة أنه لا مكان في هذا الزمن إلاّ لمن يأتي وبرهانه معه.
جوابي: أننا وطالما لا نعرف عن أسرار الكون إلا القليل، واحتراما لحاجة بعض الناس أن يتعلقوا بقوة
عليا تساعدهم على فهم ضعفهم أمام ظروفهم،
يجب أن لا نحاول عقلنه كل ما يؤمن به الإنسان،
ويجب أن لا نطالب برؤية كل شيء تحت عدسة المجهر.
لكن يجب أن نتشبث بضرورة وضع تلك القوة العليا
التي يؤمنون بها تحت عدسة المجهر الأخلاقي،
وليس بالضرورة المجهر العلمي،
وكل شيء يتنافى مع الشيفرا الأخلاقية
يجب أن ينتهي في سلة القمامة.
العالم اليوم في حرب شرسة ضد الأديان، والأديان مسؤولة عن تلك الحرب، لأنها وضعت نفسها
في مواجهة علمية ـ وأيضا أخلاقية ـ مع العقل العلماني الجمعي.
وأراها حربا طويلة الأمد وحامية الوطيس على كل الأصعدة، ومن خلال استمرارها سيتم تقليم مخالب
الأديان، وحشرها في زاوية ضيقة جدا.
مهما استفحل إدمان المتدين، لا شك أنه
ـ وعلى الأقل في ساحة اللاوعي عنده ـ يدرك
بأن هناك ثغرات أخلاقية كثيرة في دينه، ولذلك يحاول
في وعيه أن يسد تلك الثغرات معتمدا على تفاسير
لا يقبلها إلى مدمن آخر.
ويبقى السؤال: من فسرها؟ وما الذي يميز هؤلاء المفسرين لنعطيهم المصداقية المطلقة؟
فلقد عجز الههم نفسه على أن يصيغها بطريقة
لا تحتاج إلى تأويل أو تفسير!!
اللغة طيعة وبإمكانك أن تصيغ أية عبارة
لتخدم الهدف الذي تنشده،
أليس كذلك؟
فما بالك بإله كلي القدرة؟!!
فبدلا من أن يقول “الله” في الكتاب المقدس لابراهيم:
(لا يقبح في عينيك من أجل الغلام
ومن أجل جاريتك، في كل ما تقوله ساره اسمع لقولها)
ألم يكن حريا به أن يقول: يا ابراهيم خذ هاجر وابنها وضعهم في مكان آمن بعيدا عن بيت ساره؟!!
في تلك الحالة، سيكون قد ترفع عن النظر إليها كجارية
وعن ابنها كمجرد غلام،
فنادها باسمها ونادى اسماعيل بابنها!!
علما بأنني استهجن حتى العبارة التي اقترحتها،
فالله الحقيقي لا يسمح بأن تطرد امرأة،
ولكنها على الأقل هي عبارة أقل قبحا!!!
يردّ عليّ مدمن مهووس محاولا أن يبرر تلك اللغة الوضيعة:
(لقد كانت الجواري سائدة في ذلك العصر،
والله استخدم لغة سائدة)!!
تماما كما يرد مسلم على جريمة نكاح محمد للطفلة عائشة: لقد كانت عادة مقبولة في زمانه!!
وهل جاء الدين ليعزز ماكان مقبولا، أم ليغير قبيحه؟!!
الحوار مع المدمن دينيا ضرب من الجنون، فأنا كمفكرة لا أحاوره، وإنما أقصد من هم خارج
كلاليب ذلك الإدمان، بغية حمايتهم منه!
كنا حتى عهد قريب نطلق على الأطفال المصابين بإعاقة عقلية أو جسدية “الأطفال المعاقون أو المتخلفون عقليا”،
حتى خرج علينا علماء النفس والسلوك في أمريكا
وضربوا ماكان سائدا بعرض الحائط،
وغيروا التسمية إلى “أصحاب الحاجات الخاصة”
(اعتقد حدث ذلك في أواخر السبيعينيات)
ومن أمريكا خرجت التسمية الجديدة
وصارت تستخدم في معظم بلدان العالم.
هؤلاء هم الأنبياء الحقيقيون، وما دونهم فكذبة ومنافقون….
النبي يأتي لينقض، لا ليتمم السائد حتى ولو كان قبيحا!!
لذلك، جئت في كتابي “دليلك إلى حياة مقدسة”
لأنقض ماكان سائدا وقبيحا، لا لأكمله،
فما بني على قبح سيظل قبيحا مهما حاولت أن تجمله!!!
لا لأنقضه وحسب، بل لأستبدله بما هو مقبول إنسانيا!
وسأبارك من قبري كل إنسان يأتي من بعدي
وينقض قبيحا في هذا الكتاب، ثم يستبدله بجميل❤️
كل فكرة تخدم الإنسان ولا تسيء لغيره
هي فكرة ملهمة من الله،
الله كما أراه وأتخيله واؤمن به، وليس الله
الذي دفشوه في حلوقنا غصبا عنا حتى خنقونا.
ولأنني تقيأت هذا الإله، بدأت أشعر أنني أتنفس
محبة الله الحقيقي لأحيا، كما يريدني أن أحيا…..
يسربلني السلام على مركب آمن في قلب الدفق الكوني!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.