دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 105)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

لا بد أنكم سمعتم بما يطلقون عليه في الطب “الأمراض المناعية الذاتية”
وهي من أخطر الأمراض وأصعبها علاجا، هذا إذا كان لها علاج.
في كل مرض منها يقوم الجهاز المناعي للجسم بمحاربة جزء ما من الجسم نفسه،
لأنه ـ ولخلل فيه ـ يظن أن هذا الجزء جزء غريب ودخيل.
أذكر مثالا لتقريب الفكرة:
مرض “البهاق” الذي يعني ابيضاض الجلد وغياب اللون عنه.
في تلك الحالة الجهاز المناعي للمريض يتعامل مع خلايا الجلد
المنتجة للمادة الملونة له على أنها أجسام غريبة ويقوم بمحاربتها حتى ينهكها،
فتتوقف عن العمل.
باختصار، عندما يحارب الجهاز المناعي تلك الخلايا هو يحارب نفسه، لأنه
وإياها ينتميان إلى نفس الجسد!
تماما تنطبق الفكرة على من ينصب عدوا له ويقرر أن يحاربه.
أنت وهو تنتميان إلى نفس الجسد،
والخلل يكمن في عدم قدرتك على معرفة ذاتك، أو معرفة عدوك،
فلو حدث وتعرفت على حقيقة أي منكما،
لتوصلت إلى يقين من أنك وإياه تنتميان إلى نفس الجسد.
…………………..
هذا الأمر، كان ولم يزل وسيبقى، العامل الأهم الذي حدد موقفي من الأديان.
الأديان من أسوأها إلى أفضلها تخندق البشر، وتزرع متراسا بين
الإنسان وأخيه الإنسان.
طالما تسمح لدينك أن يحدد هويتك، ستفصل نفسك عمن يقف خارج حدود هذا الدين،
وبالتالي لن يكون هناك فرق بينك وبين الجهاز المناعي عندما
يتوهم أن له هوية تختلف عن هوية الجزء الذي يحاربه في الجسد الواحد.
هذا الخراب الذي نراه على امتداد العالم من مشرقه إلى مغربه، يمكن رده
وبسهولة إلى صراع هوية،
صراع يفقد خلاله طرف أو الطرفان معا
قدرتهما الإدراكية التي تستطيع أن ترى حقيقة الآخر،
وبأنهما ـ وبعداوتهما ـ يقضيان على جسد واحد، كلاهما ينتميان إليه.
ولما كان الدين أقوى وأشرس العوامل التي تحدد هوية الإنسان، يبقى هو
المسؤول الأول والأكبر عن تشرذم البشرية وصراعاتها.
لا شيء يفصلك عن إنسان آخر إلا حواجز وهمية أنت من خلقتها،
وهي ضد الطبيعة وضد الكون الذي أنت وذلك الشخص جزءان منه.
كل شيء يعاكس الدفق الطبيعي للكون تدمره القوة الجارفة لهذا الدفق.
الدفق الكوني لا يحطمك إلا إذا عاكست سيره، وأي حاجز تضعه بينك وبين إنسان آخر،
سيعاكس سيره وسيجعلك عرضة للدمار!
كيف تميز شخصا عنك بغض النظر عن الاعتبار الذي اعتمدته لتمييزه عنك،
كيف تميز بينكما بينما الكون لا يميز!


الدفق الكوني في متناول يدك ويده بالتساوي تماما….
كما هي أشعة الشمس وكما لو أنكما تمشيان تحت زخ المطر…..
كيف تفضل نفسك عنه، وأنت وهما جئتما إلى هذه الحياة عاريين بنفس الطريقة،
وستذهبان عارين بنفس الطريقة؟
الخالق، أيا كان ذلك الخالق، لم يخلق حواجزا بينكما، وكل ما توهمت أنه حواجز،
كان خلقا مفتعلا فرزته ثقافتك وأعرافك وطرق تربيتك، ليس إلاّ!
لا يمكن لا يمكن أن تعاني من أزمة نفسية كانت أو عاطفية أو عقلية، أو أيا كانت،
إلا وتنشأ ـ بشكل أو بآخر ـ من معاكستك للدفق الكوني.
أنت تعاكسه عندما تزرع متراسا أو تحفر خندقا أو تبني حاجزا….
عدوك هو جزء من ذلك الدفق ـ شئت أم أبيت ـ إنها حقيقة كونية.
لذلك بمعاداتك له أنت تعادي الدفق ذاته.
وعندما تعاديه سيجرفك ويصحرك ويحرمك من خيره….
هذا الكلب الأجرب الذي تضربه بحجر لمجرد أنه اعترض طريقك، قد يكون
همزة الوصل بينك وبين ما تنشده،
وكذلك هو جارك وزميل العمل وشخص داس على قدمك وأنت
تقف في طابور طويل….
الأشخاص الذين مروا في حياتي واستطعت أن أتجاوز فيهم ما توهمته قبحا،
كانوا أقوى الجسور التي حملتني إلى الجهة الثانية، ولا أريد
أن أخوض في قصص شخصية لو سردتها ستتهمني ـ على الأقل ـ بخيال خصب!!!
عندما ترى نفسك من خلال بقعة الأرض التي سموها وهما وطنا،
أو ترى نفسك من خلال عائلتك، أو من خلال شهاداتك،
أو من خلال أموالك، أو من خلال دينك، أو من خلال أي اعتبار آخر،
أنت تفصل نفسك عن الدفق الكوني كله، وليس فقط عمن تحاول أن تميز نفسك عنه.
لا تستوي حياتك مالم تقبل أن تكون امتدادا لكل جزء من هذا الكون،
وكل جزء منه هو امتداد لك.
لذلك، هناك فرق بين أن ترفض فكرة وبين أن ترفض معتنقها.
الدين فكرة من حقك أن تؤمن بها، لكن ليس من حقك أن ترى نفسك فيها،
وترى من هو خارجها خارج نفسك!
ومن حقك أن ترفضها، لكن ليس من حقك أن تميّز نفسك عن معتنقها.
الفكرة ليست جزءا من الدفق الكوني لأنها ليست جزءا من الخلق.
هي لم تأت كجزء من الخلق، ولم تكن منذ بدايته….
هي مصطنعة وليست كونية.
من حقك أن ترفض هذا الكتاب، لكن ليس من حقك أن تبني حاجزا بيني وبينك،
وإلا تكون قد بنيته بينك وبين الكون، وسيشحك!
لكي تقبل شخصا وتتعايش معه باحترام ليس شرطا أن تقص من أطرافه مالا يناسبك،
بل عليك أن تقبله عضوا في نفس الجسد الذي أنت تنتمي إليه،
ولكل عضو خصوصيته وغايته.
……………………………………
دعني أقولها لك بالخط الأحمر والعريض: أنا موصولة بك شئت أم أبيت،
رغم كل خلافاتك معي، واعتباراتك التي بنيت عليها موقفك مني.
ولأنني أقدّس هذا التواصل، وأسقط من حساباتي كل ما يعرقله،
أشعر بكونيتي وأنعم بالدفق الكوني!
أتمنى من كل قلبي أن تشعر أنت بهذا التواصل أيضا، وتعترف به وتباركه،
بغية أن تتلقى الدفق الكوني كما أتلقاه، وتكون معبرا له كما أنا!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.