دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 103)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

من غشنا ليس منا….
ومن غش غيرنا هل يبقى منا؟!!!
من نحن ومن غيرنا؟
عندما يمنعك انتماؤك من أن تغش من تنتمي إليهم، لن يمنعك
ولاؤك لنفسك من أن تغش أخيك!
أما عندما تمنعك فضيلتك من أن تغش أيا كان، ستلزمك
تلك الفضيلة أن تقف مع الحق ولو كان على حسابك!
الذي يتحلى بالفضائل لا يأخذ بعين الإعتبار أي انتماء لكي
يمارس فضيلته!
تصور لو لدينا مقياس حرارة يقيس درجة حرارة الجسم،
وكان هذا الميزان يعطينا درجة حرارة تختلف باختلاف عرق الشخص،
أليس من حقك أن تشك بمصداقيته؟
…….
هل تستطيع أن تتصور ماذا فعلت ثقافة “من غشنا ليس منا”
بأتباعها على مدى ١٤٠٠ عام؟
في وسط هذه الثقافة صار بياض العين يقاتل سوادها…
إذ لم يعد بياض العين يعتبر سوادها جزءا منه، فلماذا لا يقاتله!!
هيمنت الأحقاد وصار الخراب طريقة حياة، فالحقد لا يبني!!
ناهيك عن “أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي عالغريب”
فكر في هذا القول مليا، وتساءل: ألم يمد غريب يده لك في
وقت دفشك فيه أخوك لتقع؟!!!!
لا تكذب فالمحيطات التي رميتم أنفسكم فيها شاهدة حيّة
على أن قمصانكم قد لفظتكم…..
الفضيلة لا تختبئ وراء الإعتبارات، فالثقافة التي تعلم فرز البشر
بناءا على اعتبارات هي ثقافة عنصرية تجرّد أتباعها
من كل أثر لفضيلة!
عندما تمارس فضيلتك بناءا على أي اعتبار، قد يكون أتفه اعتبار مبررا
لأن تتخلى عن تلك الفضيلة.
عندما تغش من لا يؤمن بدينك، ما الذي يردعك أن تغش من لا ينتمي
إلى عائلتك حتى ولو كان من دينك؟
وما الذي يردعك أن تغش أخاك عندما يكون الأمر لصالحك؟
إذا كنت قادرا على أن تغش واحدا، كان من كان، ستكون قادرا على
أن تغش مع الوقت نفسك!


مهما كبرت الدائرة التي تحشر نفسك فيها، عندما تستطيع أن تغش بناءا
على أي اعتبار ستضيق تلك الدائرة يوما
بعد يوم حتى يتخندق سواد عينك ضد بياضها.
وهذا مانراه في الواقع المعاش!
انظر إلى أي بلد يتبنى تلك الثقافة القاحلة التي فتكت بأتباعها،
انظر وقل لي ماذا ترى!!!
بقايا مخلوقات تعتاش على بقاياها الأخرى…..
نعم “مخلوقات” وليسوا بشرا، لأن الحد الأدنى من الأخلاق الذي يتطلبه
الأمر لتُصنيفك كبشري، هو أن لا تأكل لحم بشري آخر بغض النظر عن أي اعتبار!
بين البيت والبيت انتصب متراس،
وبين الأخ والأخ انحفر خندق….
عندما تنصب متراسا بينك وبين غيرك بناءا على أي اعتبار،
ستكثر المتاريس في حياتك حتى يصبح المتراس الأكبر مرابطا بينك وبين ضميرك،
وبالتالي بينك وبين انسانيتك.
طالما زعمتم بأن عدوا يتربص بكم ويحرمكم من أبسط مقومات الحياة،
ثقوا تماما لا يستطيع عدو مهما تفاقم شره أن يمنعكم من الحياة،
مالم تقوموا أنتم وتنصبوا بأنفسكم متاريسا بينكم وبينها.
وأي متراس تنصبه بينك وبين أخيك الإنسان، هو متراس تنصبه بينك
وبين الحياة.
لذلك، عندما قالوا لك “اعرف عدوك” كي تستطيع أن تواجهه،
ورغم كل ما في تلك الاستراتجية من أهمية،
هي ليست أكثر أهمية من أن تعرف نفسك،
كي تتمكن من أن تسقط عداوتك بدلا من أن تواجهها.
لا فرق بين أن تعرف عدوك وبين أن تعرف ذاتك، فكل من الطريقين
سيقودك إلى الآخر.
عندما تتعرف على ذاتك الحقيقية ستدرك أنك موصول بعدوك،
وعندما تتعرف على عدوك ستدرك أنه موصول بك….
وستدرك عندها أنك وبموقفك المعادي له لا تختلف عن سواد العين عندما
يعادي بياضها.
……….
منذ أن توصلت إلى تلك الحقيقة دائما أشعر بأنني أملك العالم، العالم كله…
لا لشيء، فقط لأنني أفتح قلبي لكل شخص ألتقيه في الحياة
بغض النظر عن أي اعتبار….
لو سمعت أنينا لمتوجع في أقصى أقاصي الأرض أتوجع،
وعندما أسمع بفرح يبتهج قلبي…
مع الزمن صار العالم كله داخل قلبي، وصار قلبي بحجم العالم….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.