دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٧)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

لا تعطِ من منطلق هو بحاجة وأنت قادر،
بل أعطِ من منطلق كلاكما بحاجة، وكلاكما قادران لأن تتبادلا حاجاتكما.
إن لم تكن بحاجة لشيء فأنت حتما بحاجة لأن تشعر بالبهجة والسرور،
ولا يمكن أن يكون هناك سلوك يعطيك بهجة وسرورا أكثر من العطاء نفسه!
لا تعطِ هدية من مخزونك المادي إلا وتغلفها بوشاح من روحك.
العطاء المادي مالم يكن مقرونا بعطاء روحاني وعاطفي لا يكفي،
بل قد يؤذي.

الذي يتلقى العطاء هو حساس جدا لمشاعرك التي ترافق عطائك.
يتحسس في وعيه وفي ساحة اللاوعي عنده مدى فرحك بتقديم المساعدة،
ومن أي عمق في قلبك قد خرجت!
يمتص طاقتك التي ترافق هديتك.
عندما تعطي مكرها أنت تؤذي أكثر مما تساعد، وخصوصا عندما تتوهم
أن الذي يتلقى العطاء لا يعرف حقيقة مشاعرك.
والعطاء لا يعني بالضرورة العطاء المادي،
فمهما شحت حياتك لا شك أنك تملك شيئا وغيرك بحاجة له، ولو
قررت أن تمنحه لذلك الغير سيسارع الكون إلى تعويضك.
هذا الشيء قد يكون لطفك، عطفك، حنانك، تحيتك، لمستك، قدرتك على المواساة،
ابتسامتك، عضلاتك، موهبة تملكها، وقس على ذلك!
……………………
Wal-Mart
أكبر سلسلة للمحالات التجارية، ليس في أمريكا وحسب، بل في العالم كله.
تقوم بتوظيف المتقاعدين، والذين يشعرون بأنهم ملّوا وتجمدوا في الحياة بعد عقود طويلة من العمل،
تقوم بتوظيفهم لساعات قليلة في اليوم، ويطلق عليهم
Greeters
أي الذين يلقون التحية.
يقفون على مداخل الشركة ويحيون كل زبون داخل، ويشكرون كل زبون خارج.
فكروا بهذا العمل قليلا….
فكروا بمردوده الكوني….


هذه الشركات أنقذت أشخاصا خدموا الوطن ومازال لديهم بعض ما يستطيعون فعله،
أنقذتهم من براثن الإحساس بأن الحياة توقفت لديهم، وأعانتهم في دخل إضافي
قد يكونوا بحاجة له.
عندما يلقون التحية عليّ أسمح لطاقتها الإيجابية بأن تسربلني من قمة رأسي حتى أخمص قدمي،
وأرد تحيتهم بأجمل منها.
الإنسان، أي إنسان، محاط بحقل طاقوي.
تبادل التحيات، وخصوصا تلك التي تخرج من القلب، وعن وعي وليس بشكل اتوماتيكي،
يضخ مزيدا من الطاقات الإيجابية في حقول من يتبادلها.
ولاحقا تساهم هذه السلوكيات التي تكاد تكون غير مرئية،
تساهم في تحسين الحقل الطاقوي الجمعي!
عندما تلقي التحية على أحد، تذكر أنك تحي الكون كله، والكون يرحب بك بمقدار ما تحمله
تحيتك من نبل القصد.
انتبه إلى نبرة صوتك، فالنبرة وليست الكلمة، هي الأقدر على أن تعكس ذلك القصد.
في كثير من الأحيان أرد على شخص يبعث لي بتحية أو يترك تعليقا جميلا على صفحتي، بقولي:
هلااااااااا…
تسلااااااااام….
هذه الكلمات بشكلها المكتوب غير موجودة في القاموس اللغوي،
لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن الذي تلقاها قد سمع صوتي وارتاح إلى نبرته؟!!
نحن نصنع اللغة، التي تساهم لاحقا في صناعتنا،
فلغتنا تصيغ الواقع، الذي يرتد لاحقا بخيره وشرّه ليعيد صياغتنا…..
يقول المفكر الأمريكي
Dan Baker
في كتابه
What Happy People Know
(نحن لا نصف الواقع كما نراه، بل نراه كما نصفه).
ذلك القول يعكس أهمية اللغة، واللغة ليست بالضرورة ما نقوله،
فقد تكون لغة مشاعر وعواطف وجسد.
مشاعرك تجاه شخص ما، تعكس أكثر بكثير مما تستطيع أن تقوله.
…………………
أرسيلا سيدة مكسيكية…
تأتي إلى بيتي كل يوم جمعة كي تساعدني في عمليات التنظيف والتحضير للاسبوع القادم.
أعترف لولاها لكانت ضغوط الحياة بالنسبة لي لا تطاق،
هي تخفف عني الكثير،
لكنك لا تستطيع أن تميّز يدها من يدي في ذلك اليوم، فنحن نعمل يدا واحدة!
عندما تنهي مهمتها وتشرف على مغادرة البيت،
أدفع لها اجرتها بيدٍ واجرتي باليد الأخرى!
نعم اجرتي!
ما أعطيه إياها باليد الأولى هو حقها الذي اتفقنا عليه،
وما أمنحه باليد الأخرى يزيد عن اجرتها، وتلك الزيادة هي اجرتي
التي تمنحني شعورا بالبهجة أنا بحاجة إليه….
عندما أدفع لها اجرتها اؤدي واجبا،
وعندما أدفع لها مايزيد عن أجرتها أرتقي فوق مستوى الواجب…
وفور أن أمنحها العلاوة ترتسم على وجهها ابتسامة عريضة،
تنتقل بالعدوى إلى وجهي!
دائما، عندما تصنع قالبا من الحلوى ضع فوقه حبة كرز،
فهي ـ لسبب ما ـ الألذ مذاقا!!!
وعندما تدفع اجرة مستحقة ضف عليها درهما، هذا القليل هو الذي
ينتقل بالعلاقة من علاقة مستأجر بأجير إلى علاقة إنسان بإنسان،
فذاك القليل كثيرا ما يكون جسرا لهذا الإنتقال،
إنه تعبير عن تقدير أكثر مما هو نفع مادي!
….
أربع سنوات مضى على وجود أرسيلا في حياتي،
لم تتأخر خلالها مرة واحدة عن التواجد في الوقت المتفق عليه.
أربع سنوات لم نتبادل خلالها أربع كلمات…
فأرسيلا لا تجيد الإنكليزية وأنا لا أجيد الإسبانية،
لكننا نتحدث معا بلغة المشاعر….
أعرف عنها وتعرف عني كل ما يحتاج الإنسان أن يعرفه عن انسان آخر يمرّ في حياته.
أعرف أنها مخلصة لعملها وصادقة وأمينة،
وتعرف عني أنني لطيفة ومعطاءة.
وهل نحتاج أن نعرف أكثر؟؟؟
هذا القليل الذي يزيد عن اجرتها هو الكثير الذي يبارك علاقتنا.
في سوريا كثيرا ما كنت أسمع شخصا يقول لشخص آخر: سأعطيك حقك وفوقه حبة مسك!
لو التزموا بهذا الوعد، لما ضاعت الحقوق ناهيك عن حبات المسك…
يقول الفيلسوف الأمريكي
Ralph Waldo Emerson: “Your actions speak so loudly, I can not hear what you are saying.”
(أفعالك تتحدث بصوت عال جدا، لذلك لا أستطيع أن أسمع أقوالك)
فأنا أعرف أرسيلا من خلال عملها ولا أحتاج أن أسمع ما تقول، وهي تعرفني
من خلال علاقتي بها ولا تحتاج أن تسمع ما أقول!
لقد تعلمت من صمتنا الكثير،
بينما لم أتعلم شيئا من كل الثرثارين الذين يجعجعون ولا يطحنون.
تعلمت منها أن أعامل كل الناس على أساس أنهم ملوك،
وأن أعامل كل الملوك على أساس أنهم من الرعية.
وبناءا على ما تعلمته لا يمكن أن أميز بين أحد وأحد عندما أعطي محبتي
وأنثر ورودي،
وعندما أضع حبات الكرز فوق قوالب الحلوى المستحقة الدفع،
أو التي أطيب بها خاطرا….
***************************

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.