دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٤)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

إذا سألتني: كيف سأحلّق في عالم من الخير والوفرة؟
سأردّ بلا تردد، وبكثير من الثقة:
على جناحي الإمتنان والعطاء!
يجب أن تكون ممتنا لما بين يديك من خير، حتى ولو كان باقة بصل في ثلاجتك،
وكلما امتننت كلما ازددتَ خيرا وازددتَ رغبة في العطاء.
…..
حادثتان أذكرهما كما لو أنهما حدثتا البارحة، أذكرهما كلما واجهني موقف
عليّ أن أمتن من خلاله، أو أن أعطي.
في بداية حياتي الأمريكية دعتني صديقة ايرانية إلى حفلة عيد الشكر التي
يتصدرها عادة الديك الرومي.
بعد الغداء، وددت أن أجامل زوج صديقتي بعد أن أعلن أنه من طبخ الديك،
وأشكره من خلال بضع كلمات:
(لقد سبق وتناولت الديك الرومي مرات لا تحصى، ولكن لم أذق طعما أطيب
من هذا الديك. ماهي الطريقة التي تطبخه بها؟)
رد بعنجهية:
سألني قبلك الكثيرون ورفضت أن أعطي طريقتي لأحد!
ظننته يمزح، فعاودت السؤال.
أصر على موقفه: لا أعطيها لأحد!
بعد أكثر من خمس وعشرين عاما، ومنذ فترة ليست طويلة كنت في مجمع عزّاء،
أعزي صديقة لي بوفاة والدها، وإذ بي وجها لوجه مع سعيد!
لم أعرفه في البداية، إذ لم يبق منه إلا الخبث الذي يشع من عينيه.

حاربته السنين حتى أنهكته وسلبته محاسن نفسه، قبل أن ينهكه التقدم في العمر.
خسر زوجته وأولاده بعد الطلاق، وانتهى وحيدا يعد الملايين في حسابه البنكي،
بينما يحترق قهرا من شدة الطمع والبخل!
هل تستطيع أن تتخيل مخلوقا يضنّ عليك بطريقة تحضيره لوجبة طعام،
بينما تغص بها الآلاف من كتب الطبخ في أمريكا؟
لم يكن طلبي إلا نوعا من الإمتنان والشكر، وكان أقل ما يعنيني أن أعرفها.
…………


عام ٢٠٠٧ وقعت الحادثة الثانية.
كانت يومها أسعار البيوت في أمريكا قد تضاعفت ثلاثة مرات في غضون سنوات قليلة.
اشترت زميلة لي بيتا بسعر خيالي، ودعتنا إلى حفل الانتقال إليه.
الحديقة الخلفية كبيرة جدا، وجزء كبير منها يغص بنباتات “قرن الغزال”.
عشرات القرون تشرأب بلونيها الجميلين الأخضر الغامق والفاتح.

لقد رأيت أشكالا كثيرة لهذه النبة لكنني لم أر أجمل من هذا الشكل.
تستطيع أن تدرك من خلال نظرة بسيطة أن الحديقة كانت مهملة، ولم يتم
تشذيبها بطريقة دورية، ولذلك نمت القرون بشكل اعتباطي وكثيف.
في نهاية الزيارة التفت إلى زميلتي وطلبت بأدب أن آخذ قرنا منها لأكاثره.
ردت هي الأخرى بطريقة عنجهية:
ليس الوقت مناسبا لقلع أي منها، سأعطيك واحدا في الخريف!!
مرّ أكثر من عشرة خريفا ولم أرها….
لكن في الخريف الذي تلا لقائنا هذا سقط سوق البناء في أمريكا وضرب القاع،
فهبط سعر البيت إلى أقل من ثلث قيمته.
خسرت ليلى بيتها، فاستولى عليه البنك وطارت معه القرون!!!
القضية هنا ليست قضية بخل وحسب، إنها قضية لؤم وخبث…
إنها قضية أرواح خبيثة وشحيحة، تريد أن تحتكر الكون لها،
فراحت تنشد المزيد ولا تعطي….
……………………
تحضرني هنا قصيدة “التينة الحمقاء” للشاعر إيليا أبو ماضي،
التي وصف فيها شجرة تين توقفت عن الإخضرار والإثمار،
كي لا يستمتع أحد بجمالها وثمارها،
فقال على لسان الشجرة:
بئس القضاء الذي في الأرض أوجدني….عندي الجمال وغيري عنده النظر
لأحبسن على نفسي عوارفها….فلا يبين لها في غيرها أثر
ولست مثمرة إلا على ثقة….إذ ليس يطرقني طير ولا بشر
ولأنها يبست من شدة اللؤم، انهال الفلاح عليها بفأسه،
وحولها إلى حزم من الحطب.
ثم يختم شاعرنا المبدع قصيدته ببيت القصيد:
من ليس يسخو كما تسخو الحياة به……فإنه أحمق بالحرص ينتحر
لقد انتحر سعيد انسانيّا، وانتحرت معه ليلى!!!
كلما حرصتَ على ماتملك شحّ وتلاشى، وشحّت معه روحك.
بينما كلما قبلت أن تكون معبرا له، ومن ثم مصبّا كلما ازداد نبعك غزارة ودفقا!
عندما يفتح الكون يده عليك أن تفتح يدك، وإلاّ سيشحّ ضخه،
وكلما ازدادت يدك رحابة ازداد هو دفقا!
…………
كما تعلمت من أخطاء غيري، تعلمت أيضا من أخطائي، إذ لم أكن منزّهة عنها.
كان لنا صديق سوري “بخيل” جدا جدا، وكنا نحن أصدقاؤه نروي طرائف عن بخله،
ونجعله موضوع ثرثراتنا في أكثر اللقاءات…
عندما اشتريت بيتي الأول عام ١٩٩٩، دعيت
شلة من أصدقائي إلى حفلة الإنتقال إليه، كالعادة في امريكا.
جاؤوا محملين بالهدايا….
دخل سليم وفي يده قدر صغير بحجم فنجان الشاي، وفيه شجيرة صغيرة،
طولها عدة سنتميترات.
ناولني اياها وهو يقول: أعرفك تحبين النباتات، فاخترتها لك كهدية!
كانت حديقة البيت مهندسة بطريقة فنية للغاية، إذا كان البيت
نموذجا مصمما ليكون دعاية لشركة البناء، ومما يطلقون عليه
The model
لم يكن في الحديقة شبر من الفراغ كي أزرع فيه الشجيرة،
فرحت استهزأ أمام الأصدقاء وأتمسخر معهم على هدية سليم،
حتى نسيت مع الأيام مافعلته بها.
بعد حوالي عامين حشرت نفسي داخل حرش من أحراش الحديقة،
ورحت أقلم بعض الأغصان،
وأتخلص من كثافتها التي حجبت الكثير من الأزهار والورود.
وإذ بي ألمح بين تلك الأحراش شجيرة صغيرة طولها أكثر من قدم،
تبدو أوراقها جميلة جدا تلمع تحت أشعة الشمس، وكأنها مدهونة بالزيت.
أمعنت النظر فيها حتى تأكدت أنها شجيرة سليم…
بعد حوالي خمسة عشر عاما، اشرأبت تلك الشجرة حتى تجاوزت سقف الطابق الثاني،
وغطت بغصونها الجميلة وظلالها الوافرة الحديقة الخلفية بكاملها.
عندما عرضنا البيت للبيع،
دخل المشتري الجديد على الحديقة ووقف مذهولا أمام تلك الشجرة، ثم قال:
هنا سأقضي معظم أيامي بعد أن أتقاعد. ستكون هذه الشجرة صديقتي!
بالمناسبة، بعنا البيت بمبلغ ثلاثين ألف دولارا زيادة عن السعر المطلوب،
لأن الشاري تنافس مع ثلاثة عروض اخرى…
وربّما كانت شجرة سليم “حبة البركة” التي كسبناها فوق الكعكة….
اليوم وكلما تذكرت سليم، أرسل له بطاقات حب وتيارات من طاقات ايجابية،
وأتمنى له طول العمر وسعادته…..
ثم أغطي وجهي خجلا منه ومن نفسي!!!
لقد تعلمت من تجربتي معه أن زيارة أي انسان هي أعظم هدية يقدمها لي،
وخطوته داخل عتبتي هي جلّ ما يسعدني.
باختصار كل إنسان يزورني يباركني…
لا لأنني مكتفية ماديا، بل لأنني مشبعة روحانيا ومنتشية إنسانيا.
وتعلمت أيضا أن أمتن لباقة بصل في ثلاجتي،
فأنحني إجلالا وتقديرا لجهود الفلاح الذي زرعها وقطفها!
بناءا على ذلك، غصّت ثلاجتي وعبقت حياتي بكل طيوبها…

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.