دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٣)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

لم أشعر يوما بالإمتنان إلى نعمة صغيرة كانت أم كبيرة، إلا واجتاحتني عقب
هذا الشعور موجة من سعادة عارمة!
مع الوقت تملكني هذا الشعور حتى أدمنته وأدمنني،
فصار بالنسبة لي طريقة حياة وصرت بالنسبة له موطنا…
…..
الأمور الكبيرة تحجب عن الإنسان عموما صغائرها، وهنا تكمن المشكلة.
في علم الحدائق ولكي تكبر ساحة الجمال أمام ناظريك، ينصح خبراؤها بأن
تزرع النباتات التي تنمو لتصبح كبيرة الحجم في الخلف وأمامها النباتات التي تحافظ
على أحجام صغيرة، كي لا تحجب الكبيرة جمال الصغيرة!
لقد تبنيّت هذه النصيحة كفلسفة حياة أقتدي بها….
قبل أن أمر على كبائر النعم في حياتي، تعلمت أولا أن أركز على صغائرها،
حتى لا تفوتني نعمة تستوجب الشكر والإمتنان.
لذلك، كبرت جدا ساحة الجمال أمام ناظريّ حتى تجاوزت حدود المدى….
….
اشرفتُ على علاج شابة ايزيدية من الإضطرابات النفسية التي
سببتها تجربة مرعبة في حياتها،
ذُبح خلالها والداها وأمام ناظريها على يد صلعمي، دعدشته تعاليمه
وكتابه الكريم بطريقة شيطانية.
واستمرت علاقتي بها أربع سنوات بين مد وجزر، حتى كادت أن تُرهقني!
بدلا من أن أفرّغها من آلامها وطاقاتها السلبية أوشكت أن تستنزفني من
سعادتي وطاقاتي الإيجابية.
ذات يوم، راحت كالعادة تئن تحت وطأة ماضيها، وهي تقول:
لم تعطني الحياة نعمة واحدة كي أمتن لها.
فصحت بها: ألست أنا تلك النعمة؟ فلماذا تجحدين بها؟
وتابعتُ:
(ما الذي يلزمني أن أبقى معك أربع سنوات، وأعطيك
من وقتي وجهدي سوى أن الحياة جرفتني في دربك كي أساعدك؟
لم يمضِ اسبوع إلا وتواصلتُ معك، لم يمضِ اسبوع إلاّ
وحاولتُ خلاله أن أحقنك بجرعة أمل، فلماذا تنكرين؟!)
مداخلتي هذه كانت النقاط التي وضعتها فوق حروف حاولتُ ولأربع
سنوات أن أصيغها….
هي اليوم في ألمانيا، متزوجة ولها طفلان، تنظر في عينيهما كل ثانية،
فترى ما يستحق أن تمتن له، ولا تنسى بين الحين والآخر أن ترسل
لي بطاقة امتنان!
هكذا أنتَ…..
يجب أن تجد شيئا تمتن من أجله، ولو كان جارا يلقي عليك
تحية الصباح…..
لو فعلت ستحملك الحياة لاحقا لترميك في حيّ كل جيرانه يلقون عليك التحية،
ويرحبون بوجودك بينهم،
كما كان كل الذين صادفتهم في حياتي ومن خلال عملي.


……..
اكتسبت روح الإمتنان في مرحلة مبكرة من حياتي، اكتسبتها من زوجي…
هو حتى تاريخ هذه اللحظة كأنه طفل صغير كان محروما من كل شيء،
وإذ بالحياة ـ على حين غرة ـ تدخله متجرا من الساكر وتطلق يديه فيه.
كما هو ذلك الطفل كذلك زوجي، كل شيء يبهره إلى حد الدهشة!
ندخل مطعما، فيستمر السيناريو نفسه، حتى ولو كنا ندخله للمرة المائة:
ـ انظري ما أجمل هذه الصورة المعلقة على الحائط…
ـ كم هي لطيفة هذه النادلة…
ـ هذا الرجل بجوارنا لم يتوقف عن الضحك منذ أن دخلنا…
ـ تعجبني تلك الأواني الملونة والتي تعكس التراث المكسيكي….
ـ هذا المطعم مميّز بكراسيه المريحة…
ـ ياااااه كم أحب هذه الأغنية، (حطوها لأنهم عرفوني جاي)
أما عندما تضع النادلة الصحن أمامه، فيصبح امتنانه صلاة ولا أجمل….
وتطربني طريقة أكله، فكل لقمة يعقبها بموال: إمممممم….مه!
وبغض النظر عن كمية ـ البخشيش ـ الذي أضيفه على المبلغ المستحق،
يمد يده ويضع مبلغا آخر من جيبه فوق ورقة الفاتوة،
ثم يمشي باتجاه الباب كنسر طفق بجناحيه في قمة السماء،
موزعا بسماته وتلويحاته على الزبائن يمينا ويسارا….
هكذا هي حياتي معه:
طفل يركض في حديقة، وينط من ارجوحة إلى أخرى.
لا يسمع ضجيجا من حوله، وعندما يسمعه يتعامل معه
على أنه سيمفونية لبيتهوفن، وقد عزفها خصيصا له!
في أقسى لحظات حياته يبحث في عمق اللحظة عمّا يُسعده،
متجاهلا ما يقلقه، ولم يزل!
فهو يتعامل مع كل لحظة على أنها دهر وعليه أن يعيشه بعمق ولا يستهتر به.
والدهر بالنسبة له خير نافع وسم ناقع،
أمّا من يطغى فيهما على الآخر فهو خياره وقراره!
لقد تعلّم أولاده منه ذلك السلوك حتى أتقنوه،
فكلما كتبت لمازن أسأله عن أحواله، لا بدّ أن يبدأ رده بعبارة:
Mom, life is good!
(ماما، الحياة جميلة)
حتى لو كان في طريقه ليشرح لي أزمة يعيشها!
…………….
كل نعمة لاحقة هي ثمرة امتنان لنعمة سابقة.
الإمتنان الذي يعقب نعمة يمغنط النعمة التي تليها….
تشير الإحصائيات إلى أن الأمريكي يقول على الأقل خمس مرات
في اليوم كلمة “شكرا لك”،
والإنسان عادة لا يشكر إلاّ عندما يمتن…
لذلك، كلما نظرت على امتداد هذا البلد لا أرى إلا النعم…
وهي بالتأكيد انعاكس للعقل الجمعي الذي يحكمه الامتنان،
وانعكاس أيضا لعقلي الذي ينشد دوما مكامن الجمال…
****************************

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٣)

  1. س . السندي says:

    من ألأخر …؟

    سيدتي كل إنسان يرى ألأخرين كما يرى نفسه ، فالطيبون يَرَوْن الجميع مثلهم طيبين ، والاشرار يَرَوْن ألجميع مثلهم مجرمين ، ولكن على اللبيب والفطن أن يكون حكيماً في التقيم والاختيار ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.