دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٢)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

الشفقة تفتح بصيرتك وتساعدك على أن تفهم “عدوك” على حقيقته،
وعندما تفهمه ستستهزأ بتلك العداوة وستسقطها من كل حساباتك!
(عبارة وردت في الفصل السابق)
………..
وصلني فيديو من “صديق”، يحمل خطابا لصحفي اسرائيلي يدافع
بشراسة عن القضية الفلسطينية.
ولأنني أجيد قراءة سلوكيات البشر، وأجيد أيضا قراءة مابين سطورهم بطلاقة.
أدركت على الفور أنه يحاول أن يعكّر ـ كعادته ـ مياهي ومن ثم يصطاد فيها،
وكأنه يقول:
هو صهيوني ويدافع عن حق الفلسطينين، أما أنت فأين دفاعك؟
لأنهم دائما يخلطون بين موقفي من الإسلام وموقفي من أية قضية وطنية
أملا في أن يتطاولوا عليّ ويعكروا (عبثا) مياهي!!!
لذلك، أرسلت له على الفور فيديو آخر بدون أي تعليق.
الفيديو الآخر الذي أرسلته كان لابن أحد قادة حماس الذي تمرّد على
إسلامه وثقافته وسلوكيات حماس،
فاعتنق المسيحية وراح يخطب في الشعوب الغربية منددا بالإرهاب الإسلامي،
ومركزا على حماس كمنظمة ارهابية، من خلال كتاب نشره بالانكليزية عنوانه:
“ابن حماس”
The Son of Hamas
في الفيديو يخطب ذلك الشاب اليافع والقوي في أحد المؤتمرات عن
تجربته التي عاشها في ظل “القيادة” الفلسطينية.
لكن “الصديق” لم يسمح لنفسه أن يفهم ماجاء في الفيديو، ناهيك
عن غايتي من ارساله له،
وردّ ـ محكوما باللاوعي ـ بطريقة دفاعية استفزازية تفضح مآربه.
…..
شجعتني تلك التجربة على أن أتطرق إلى الأمر بالتفصيل من خلال فصل
يتضمنه هذا الكتاب، كي يبقى شاهدا حيّا على موقفي من هذه النقطة بالذات.
القضية صارت شائكة جدا، ومفرطة في حساسيتها وخصوصا لمفكر من أمثالي
احمرت صوفته حتى صارت كطيز السعدان.
علما بأنه لا يهمني “احمرارها” إلا بقدر ما يهم السعدان طيزه الحمرا!
وعلما بأن صوفة (ابن حماس) بقيت خضراء كعلمها، من منطلق أنه
مسلم سني وأنا “نصيرية” علوية، والسنيون لا يخونون بغض النظر عن مواقفهم(!!!)
وأيضا من منطلق هو رجل وأنا امرأة، والمرأة لقمة ـ يسهل بلعها ـ
ولم يعلموا أنني سأبقى في حلوقهم كقطعة الزجاج….
كالصبار…..


أفرض كلمتي وأعبر عن رأي بحريّة شاؤوا أم أبوا!!
وسيبقى كتابي هذا شاهدا حيا على نقاوتي في ضمير أمة،
بعد أن تسقط كل اتهاماتهم ومحاولاتهم الخسيسة في مزابل التاريخ!
اتهمونني بالتأمرك والصهينة، كعادة المفلس عندما يواجه حقيقة افلاسه،
أما ابن حماس فظل محميّا من هذه التهمة، وبقي في الظل،
إذ لم يسبق لي أن قرأت تعليقا واحدا لمسلم، أو حتى لغير مسلم،
يتهمه بالخيانة أو يسيء إلى عائلته،
كما حاولوا أن يسيؤوا إلي.
لا يهم……
من يركب البحر لا يخشى من الغرق،
فما بالك وقد ركبتُ تنينا…..!
………………….
على كل حال، عندما يتعلق الأمر بالصحفي الاسرائيلي الذي يدافع عن القضية
الفلسطينية وابن حماس الذي يدافع عن حق اسرائيل بالوجود
اراهما وجهان لقضية انسانية واحدة!
واحترم كلاهما، واؤمن ايمانا لا يزعزعه شك أن قضية الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني
لا تحل إلا بوجود أمثال هذا الصحفي في الجانب الاسرائيلي،
ووجود أمثال ابن حماس في الجانب الفلسطيني…
وحدهم القادرون على أن يتحلوا بالشفقة، وبالتالي أن يمتلكوا البصيرة التي تسمح
لهم بالنظر إلى الجانب المغاير وفهم قضيته،

وحدهم يستطيعون إنصاف القضية!
……………..
يقولون “اعرف عدوك” كي تنتصر عليه، وأنا أقول:
اعرف عدوك حتى تستطيع أن تتعايش معه، وتسقط لاحقا عدواتك له.
عندما تستطيع أن تفهم “عدوك” وتستوعبه ستكون قادرا على أن تتعايش معه.
أما أن تظل متشبثا بنظرية “ سنرميهم بالبحر”، فعليك أن تبلط البحر قبل أن ترميهم فيه.
تلك النظرية التي أثبتت فشلها، ولم ينجم عن اعتناقها إلا بحار من الدماء
ومحيطات من الخراب!
لا يوجد قضية مهما كانت مقدسة، أقدس من الحياة نفسها.
أما ثقافة “أن يَقتلوا أو يُقتلوا” فلم ـ ولن ـ تجلب إلا الموت والدمار…
لا يوجد وطن على سطح الأرض أغلى من حياتي،
وعند الضرورة أقبل أن يحكمني الشيطان مقابل أن يحمي حياتي ويحسن نوعيها!
لو كان في كفي قياد القدر لأعدت الزمن إلى الوراء حتى أصل
إلى مرحلة الانتداب الفرنسي لسوريا،
وسأكرس نفسي لأقبل أطياز الفرنسيين وأقنعهم أننا جديرون بالحياة التي يعيشها
الفرنسي، ونقبل بهم حكاما وأسيادا، بعد أن فشل حكامنا الوطنيون على كل صعيد!
نعم سأقبّل أطيازهم ليحكموننا، لأن الذل الذي يعيشه السوري اليوم أفظع
بكثير من تقبيل أية طيز لرجل خلوق بنى أعظم دول العالم، وأقصد هنا الرجل الفرنسي!
لا يهمني إطلاقا من يحكم سوريا بقدر ما يهمني أن يعيش المواطن في مدينة حمص السورية،
بنفس المستوى والكرامة التي يعيش بها السوري في الجولان المحتل.
ولنرمِ كل مفاهيمنا عن الكرامة والوطنية في براميل القمامة!!!
كان لبنان في ظل علاقات وثيقة مع فرنسا، كان سويسرا المنطقة حتى
حكمه خفافيش الظلام ورعاع السياسة فتحول إلى ساحات صراع!
…..
حسين أبو حنين صديق فلسطيني مسلم، أعتز بصداقته.
ذكرته بالاسم كي يبقى خالدا في هذا الكتاب، ولأنه كالأحجار الكريمة يستحق الخلود.
هو وطنيّ بامتياز ومقهور على شعبه بامتياز، ويعبر عن وطنيته وقهره
باسلوب فكاهي يضحكك حتى يبكيك!
كتب على صفحته بوستا ذكر فيه أنه في بداية تسعينيات القرن المنصرم
كان طالبا في روسيا، وكان يصادف أخين أو ثلاثة أخوة من غزّة يدرسون
معا على حساب والدهم، وكانت غزّة يومها في ظل “الإحتلال”،
أما اليوم وفي ظل السلطة الوطنية فهذا الأب غير قادر على إشباع أطفاله!!!
لو أشبع أطفاله كيف ستعيش سهى عرفات وابنتها؟!!
وكيف سيملك ابن محمود عباس ما يملك اليوم؟!!
أما اسماعيل هنية وخالد مشعل فهم “عفارة السحارة”!!!
متوسط عمر إنسان المنطقة ، لنقل، خمسة وسبعون عاما…
الحياة جدا قصيرة، وأية حياة تلك التي يعيشها السوري
أو الفلسطيني أو اللبناني أو اليمني أو العراقي أو حتى المصري اليوم؟!!
أكثر من نصف عمري عشته في أمريكا، وكل ما أخشاه أن يرجع الزمن إلى الوراء،
ويفرض علي أن أعيشه في وطني الأم، وفي ظل حكومة وطنية!
الطاغية السوري يخطب في حشد من المغفلين، قائلا:
الغرب لا يريدكم أن تعيشوا بكرامة!!
عندما فرّ عمه ـ الطاغية الآخر ـ من سوريا محملا بأكثر من نصف خزينتها،
فرّ من شدة حرصه على الكرامة السورية، أليس كذلك؟
وعندما اشترى ابنه لوحة لفنان روسي بمبلغ ٣٥ مليون دولار، اشتراها حفاظا
على الكرامة السورية، أليس كذلك؟
ولا أظن أن حاكما وطنيا في أي بلد عربي آخر أفضل منه بكثير!!!
دعونا نفهم الكرامة من وجهة نظر رجل ينبش من برميل القمامة قوت يومه،
ومن وجهة نساء يفترشن الشوارع،
لا من وجهة نظر طغاة سفلة ينهبون شعوبهم ويدوسون على رقابهم!
ألم يحن الوقت لإعادة النظر في مفاهيمنا عن الكرامة والوطنية،
ناهيك عن مفاهيمنا حول الحياة وقدسيتها؟
ألم يحن الوقت لندرك أن ثقافة “أن تَقتلوا أو تُقتلوا” تقود إلى خراب؟؟؟
ألم يحن الوقت لندرك أن الوطن هو المواطن، بغض النظر عمن يقوده؟!!
والمواطن هو من يتمتع بكل حقوق المواطنة بغض النظر عن البقعة الجغرافية
التي يعيش فيها، ومن يدير تلك البقعة؟.
أنا مواطنة أمريكية أتمتع بكل الحقوق التي يتمتع بها أي أمريكي
جدّه العاشر ولد في أمريكا.
بينما السوري، الذي ولد جده الأول في سوريا قبل بدء التاريخ، لا يحق له أن يضرط بحرية!!
هل يحق للسوري أن يتبجح بكرامته في ظل حكومة وطنية؟
أو يحق له أن يعيب عليّ كرامتي في ظل حكومة أمريكية؟

الحكام الوطنيون يتعاملون معك كقصة الحمار والجزرة،
فتدافع خلال النصف الأول من حياتك عن الوطنية والكرامة، بعد
أن أقنعوك أنها “الجزرة”، وأنت قاب قوسين أو أدنى من نهشها،
لتجد نفسك في النصف الثاني “حمارا” منهكا ومستنزفا، وتكتشف
بعد فوات الآوان أنهم سرقوا كل شيء وتركوك تصارع الحياة
من أجل لقمة…
الحياة قصيرة جدا، وتعيشها مرّة واحدة
عندما لا تعيشها على الأقل بالحد الأدنى من الكرامة
تكون قد تخوزقت وراحت عليك……
والكرامة في أبسط تعريف لها هي: سقف آمن ولقمة نظيفة،
وعيش بحرية!
……
للصحفي الاسرائيلي الذي يدافع عن حق الفلسطينين بالحياة،
ولابن حماس الذي يدافع عن حق الاسرائيلين بالحياة،
ولصديقي حسين أبو حنين الذي يذكر الحقيقة مجردة وبلا خوف
أنحني إجلالا وإكبارا، وأقول لهم:
أنتم المستقبل،
وليسقط كل المنافقين والطغاة،
وكل من يحاول أن يعكر ماءا صافية ليصطاد فيها….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٢)

  1. س . السندي says:

    من ألأخر …؟

    ١: أولا شكرا لك يا إبنة مدرسة الحياة المجاهدة ليس فقط بكل قوة وشجاعة بل وبكل صدق وامانة ؟

    ٢: أنا معك تماما سيدتي ، فمن لا يدافع عن الحق والحقيقة وهذا شعاري فهم إما غير صادق أو جبان ، والاثنان خطران جدا على الحياة وألإنسان ، لان حياة الكل غالية وثمينة في عيني الرب بدليل قولهاحبب الرب من كل قلبك وقريبك كنفسك وهذه خلاصة الشريعة والانبياء ؟

    ٣: حق الفلسطينيين في فلسطين سقط عندما تحول نظالهم من وطني إلى إسلامي إرهابي ، فمن كان دينه يدعو للسلب والنهب والقتل والغزو لا يحق له إدانة الغزاة الاخرين ، أوليست عقيدته من تقول (العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم) فاليحصدو ثمار دينهم وعقيدتم ؟

    ٤: واخيرا …؟
    صدقيني سبب معظم مأسي البشر هو ليس فقط نفاقهم بل وايضا سكوتهم عن الباطل الذي يتفاقم كالسرطان ، سلام. ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.