دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٠)

عزيزي القارئ:
لا تجعل طول الفصل يمنعك من قراءته…
دعنا نغيّر معا مفهوما خاطئا في ثقافتنا الصحراوية…
……….
دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٩٠)
*************************************
الشفقة لا تنتهي عند حدود الإحساس بآلام الآخرين،
بل تتعداها إلى فعل كل ما بوسعك للتخفيف من حدة تلك الآلام….
(مقطع من الفصل السابق)
…….
تبادلت أطراف الحديث مع شخص يعيش داخل سوريا.
شكى وبكى ولم يترك وترا في قلبي إلا وقطّعه…
في الحالات العادية تعتبر مشكلته كارثة بكل المقاييس، ولكن
في الحالة التي تعيشها سوريا اليوم تعتبر هي المألوف بعد أن أصبحت
الكوارث طريقة حياة.

قررت أن أساعده بكل ما أستطيع، فكتبت أقول بالحرف الواحد:
بعد سماعي قصتك تفاقم ألمي على سوريا….
أشعر بإحباط شديد أمام عشرات بل مئات القصص التي أسمعها،
ولكن أن أساعد شخصا أفضل من أن أشكو من كثرة المحتاجين،
ولذلك قررت أن أساعدك.
فرد على الفور بدون أية كلمة شكر(التي لا أنتظرها عادة ولا تعنيني):
سأقبل مساعدتك بشرط أن لا تكون من باب الشفقة!
……..
بقدر ما صدمتني كارثته صدمني غباؤه وقتلت عبارته
رغبتي في أن أتعاطف معه!!!
لا تريدها من باب الشفقة؟؟!!!!
إذن من أي باب تريدها؟
من باب إني “خلفتك ونسيتك”؟
وأنا لا أعرف عنك شيئا سوى أنك إنسان تعيش كارثة، وتحتاج إلى مساعدة!!!!
دائما أقول: الأخذ كالعطاء فن وأدب وأخلاق!
………
أنا أساعد كل إنسان أشفق عليه، وأريد من كل إنسان أن يشفق علي
عندما يراني في مأزق لا أحسد عليه.
دائما أصلي أن يصادف أولادي في طريقهم أناسا شفوقين يمدّون لهم
يد المساعدة عندما يحتاجون….
وعندما استعرض نجاحاتهم، أراها كلها قد قامت في أغلب مفاصلها على تلك الآيادي!
لولا الشفقة لانتهى العالم منذ أن بدأ…..
هي الصفة التي لعبت الدور الأكبر في استمرار الجنس البشري….
لكن تلك الثقافة البدوية الصحراوية القاحلة قد شوهت معناها،
وزرعت في نفوس أتباعها
ما يشعرهم بالذل والهوان لو امتدت إليهم يد من باب الشفقة.
كل يد تمتد إليك لتساعدك تمتد بعد إحساس صاحبها بالشفقة.
اعتبارا من يد أمك التي مسحت مؤخرتك يوم كنت رضيعا،
وانتهاءا بيد ابنك التي ستمتد لتكون عكازك يوم تصبح عجوزا،
ومرورا بيد المعلم والطبيب والصديق والأخ،
وكل شخص صادفك في الحياة وكان عونا لك….
كل هذه الأيادي امتدت من منطلق الإحساس بالشفقة، وإلاّ لما امتدت!!!
…………


أذكر حادثة ولا أنساها مدى الدهر، كنت حاملا بابنتي الصغرى وفي الأشهر الأخيرة،
وأقف في طابور طويل أمام أحد مكاتب الهجرة في أمريكا،
لتغيير نوع الفيزا من طالب إلى مهاجر.
كنت أحتاج على الأقل لساعتين من الإنتظار قبل أن يأتي دوري.
أمام الطابور ثلاثة نوافذ تعالج قضايا الواقفين في الدور.
وإذ بأحد الموظفين يفتح باب المكتب ويشير لي بيده كي آتي إليه.
التفت حولي ظنا مني أنه اومأ لغيري، فاقترب مني وقادني بيدي، وأدخلني المكتب
ثم أشار لي أن أجلس على كرسي بجانبه.

بعد عشرة دقائق كنت في طريقي إلى السيارة…
مازالت ابتسامته وأسئلته التي أدفأت قلبي يومها تدفئ قلبي كلما تذكرتها.
لماذا اختارني؟؟؟
لأنه عشق جمالي؟؟!!!
أم لأنه اُعجب بأناقتي؟؟!!
طبعا لا هذه ولا تلك…
بل لأنه أشفق على وضعي كحامل في أشهرها الأخيرة!!!
شفقته في ذلك اليوم ساهمت في صناعة انسانة شفوقة.
فأنت عصارة كل الأحداث التي تمرّ في حياتك….
…….
منذ حوالي عامين وداخل باص مدرسة هنا في أمريكا، قام ولدان شقيان بمعاكسة
السيدة التي تجلس مع الطلاب في الباص وتضبطهم.
كانت سيدة مسنة، وحاولت بهدوء وأدب أن تردعهما دون جدوى.
أثناء المعاكسة والتنمر عليها قام طالب آخر بتصوير الحدث،
ثم نشره على موقعه في النت،
فقامت أمريكا ولم تقعد…
خلال الاسبوع الأول بعد نشر الفيديو تبرع لها الناس بربع مليون دولار، واستمرت
التبرعات بالتدفق شهورا…
والدا الشابين عقدا مؤتمرا صحفيا اعتذرا فيه من الضحية، وتبرعا لها أيضا بمبلغ
كبير ودعاها كل منهما لتناول طعام الغداء مع العائلة…
ماذا تسمي ردة الفعل على هذا الحدث؟
هل هناك تسمية أخرى تناسبها أكثر من أن نقول إنها (الشفقة)؟!

…….

نافستني سيدة أمريكية على محبتي لابنتي أنجيلا…
إيلين تبنت أنجيلا منذ حوالي ستة سنوات، وأغدقت عليها حبّا وعطاءا.
هي أمريكية غنية ولها ولد واحد، انتهى صريع مخدارت في الشوارع
والمصحات المعنية بعلاج حالات الإدمان.
لا يمضي اسبوع إلا ويصل انجيلا بالبريد على الأقل طردان منها،
يحملان مختلف أنواع الهدايا، وكل عدة اشهر ترسل لها بطاقة طائرة كي تزورها
من لويزيانا حيث تتابع أنجيلا دراستها إلى نيويورك حيث تعيش إيلين.
امتلأت شقة أنجيلا بالصناديق وعلب الهدايا من الأرض حتى السقف،
وغص برادها بكل أنواع المأكولات والحلويات، حتى الشوربا تصلها ساخنة!
أغلب الملابس المرسلة لا تناسب ذوق أنجيلا،
وأغلب الأكل ـ إن لم يكن كله ـ لا تتناوله لأنها ملتزمة
بحمية غريبة عجيبة، وأدق من جدول الضرب!
لذلك، ينتهي معظمها أو كلها في شقق الجيران وعند الأصدقاء.
لم تستطع أنجيلا أن تعرف سرّ هذا التعلق الذي وصل حد الهوس والجنون،
إلى أن حدث ذلك منذ شهرين أو ثلاثة…
كانت أنجيلا في بيت إيلين تتبادل وإياها بعض الأحاديث، ولما وصل
الأمر إلى علاقتهما وعمر هذه العلاقة زرفت إيلين دموعا غزيرة، وقالت:
(لن أنسى أول يوم التقينا في بيت رئيس الجامعة الفلانية على حفلة غداء عيد الشكر،
وكنتُ يومها مرهقة ومستنزفة بسبب مشاكل ابني)
وتابعت:
(حدثتك عن ظروفه وعن وضعه، وعندما بكيتُ وضعتِ يدك على ركبتي وقلتِ لي
بكل براءة: لا تقلقي، منذ اليوم وصاعدا سأكون ابنتك، هل تقبلينني؟!
كانت عبارتك تلك الجسر الذي نقلني من حالة انهيار تام إلى حالة حلم وأمل….)
طبعا أنجيلا لا تتذكر الحادثة إطلاقا….
وهنا بيت القصيد!!!!
كثير من المواقف نقول كلمة قد تدمر وقد تبني، ويمر الوقت ولا ندري الأثر
الذي تركته كلماتنا ـ ناهيك عن أفعالنا ـ في حياة الآخرين….
لكن،
مادامت الشفقة هي صاحبة اليد العليا التي تتحكم بعواطفنا سيظل البناء مستمرا،
وسيظل هذا الكون الجميل، رغم كل آلامه وكوارثه، سيظل جميلا وعامرا….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.