دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٨٨)

هذا العالم محكوم بنواياه، وليس فقط بأعماله،
وكذلك أنت!
لقد كانت حياتي، كحياة أي إنسان في عمري، كانت محطات…
لم أصل يوما إلى محطة ونظرت إلى الوراء،
إلا ورأيت أعمالي و نواياي قد عبدّت الطريق إلى حيث وصلت!
تبلورت لدّي قناعة مطلقة بأن حياة الإنسان هي محصلة نواياه، وليست فقط محصلة أعماله!
فالنية أشمل وأعمّ من العمل.
كل عمل لا بد وأن تسبقه نية، ولكن ليست كل نية تؤدي إلى عمل.
قد تنوي شيئا، خيرا كان أم شرا، ولا تسمح لك ظروفك بأن تنجز ما نويت عليه.
ولأنك نويت ولم تنجز، قد يخطر ببالك أنك لست مسؤولا عن شيء لم تنجزه،
متجاهلا النية التي تحكّمت بك، وتركت آثارها سواء نفذتها أم لم تنفذ!
………
النية هي كل فكرة يفرزها دماغك، وتدور حول علاقتك بتفاصيل العالم المحيط بك!
أنت أكثر شخص تتحدث مع أنت، فعلى مدار الساعة يضج صوت في أعماقك،
وهذا الصوت هو نواياك!
(سأتصل اليوم بأختي لاطمئن عليها…
جارتي مها الحقيرة ليتني أستطيع أن أحرقها حية….
كم بودي أن أفسد على أحمد حياته، ليته يطلق زوجته لأشمت به وبها…
سأقطف بعض العنب من هذه الدالية وأحمل صحنا منه إلى جارتي…
لن أعزم حماتي على الغداء إلا على جثتي….
عندما يرسل ابني معونته الشهرية لي ولوالده سأرسل جزءا منها إلى أخي، فهو بحاجة ماسة.
سأعيد ترتيب خزانتي وسأعطي الفائض من الملابس إلى السيدة التي تنظف البيت.
لو رسب ابن ابراهيم في المدرسة سأنتشي فرحا…
لو ربحت في الصفقة الفلانية سأدفع للعائلة الفلانية اجرة منزلهم لعام…
سأنظف مدخل البناية ولن أكترث إذا ساعدني أحد من سكانها أم لا…
أعتقد أن فلانة تنام مع فلان ولذلك حصلت على الوظيفة….
فلان يتودد لفلان كي تستفيد منه…


يافرحي لم تتمّ الصفقة ولم يحصل فلان على المبلغ الذي كان يحلم به…
هذه الشرموطة وضعت صور عرس ابنتها على الفيس بوك، انشالله ما بتشوف الفرح بحياتها….
لقد قدمت لابنة فلانة في عرسها هدية بقيمة كذا وكذا، أما هديتها لابني بمناسبة زواجه فلا تصلح
إلا لبرميل الزبالة….
عندما تتصل بي مريم لتتطلب حاجة سأمسح الأرض بها…)
هذه الأفكار ومئات على شاكلتها تدور كل يوم في أذهاننا…
قد نتبعها بأفعال، وقد تبقى مجرد أفكار ونوايا…
لكنها لا تمر دون أن تترك أثرا، فلكل فكرة طاقة، سلبية كانت أم إيجابية،
وحياتك حصيلة تلك الطاقات!
لا أستطيع أن أنكر أنها تراودني أيضا، بخيرها وشرها.
لكنني درّبت نفسي لأكبس على الفرامل عند كل فكرة
تعبر رأسي وتحمل طاقة سلبية.
أتوقف لحظة لأفكر في الأمر، ثم أعيد صياغتها بطريقة أكثر إيجابية عن وعي وتصميم!
كأن أغلي غضبا، فيضج ذلك الصوت في داخلي:
“سأبصق في وجهها وسألقنها درسا لن تنساه”
على الفور تشدني كلمة (سأبصق)، فأراجع موقفي:
“ربما لها ظروفها، فلماذا علي أن أعطي الأمر أهمية أكبر من حجمه،
لماذا لا أتجاهلها وأنهي القضية، ما الذي سأستفيد لو بصقت في وجهها؟”
عندها يهدأ روعي، وبعد لحظات اشعر بسعادة غامرة، فأعيد صياغة عبارتي:
“سأتجاهل الأمر وأعانقها، ثمّ أسألها عن حالها وحال عائلتها”
…………….
أباحت لي سيدة عربيّة مؤخرا بعمل مشين قامت به.
طبعا مشين بناءا على أي عرف من أعراف الأرض، لكنه لا يبدو كذلك في عرفها.
وإذا أردت أن تبحث عن تلك السيدة ستجدها معظم الأوقات تزور معابد حيها،
كي تتبارك بجدرانها!
غادرتْ البيت في الثانية ليلا، بعد أن تركت رسالة لزوجها انها ذاهبة إلى الصيدلية،
فلقد أصابها صداع شديد وتحتاج إلى بعض الأدوية.
لكنها كانت تنوي شيئا آخر، شيئا مغايرا تماما…
توجهت إلى بيت تسكنه سيدة من معارفها في حي مجاور.
أوقفت سيارتها بعيدا عن البيت، ثم ترجّلت منها وفي بيدها مفك براغي.
مشت موازية لسيارة السيدة، والتي تقف أمام البيت، محدثة بالمفك حزا عميقا
امتدّ من مؤخرة السيارة حتى مقدمتها.
حسبما وصفت السيارة لا أعتقد أن ثمنها يقل عن مائة ألف دولار…
تروي القصة وهي تقهقه، وكأن شيئا لم يكن…..
ظنتْ أنه لم يرها أحد فاطمأنت وانتشت فرحا.
لم تكن تدري أن للكون بليون عين تبصّ على كل شبر منه،
وفي مليون اتجاه….
وبأن ذاكرة الكون حاسوبية، وهي أدق من أدق آلة حاسبة!
نحن ننسى الحوادث، لكن الكون لا ينساها وتظل مسجلة في ذاكرته تنتظر
يوما كي ترتد إلى مرسلها….
لنفرض أن تلك السيدة نوت أن تقوم بفعلها المشين، لكنها ـ لسبب ما ـ لم تستطع!
هل هذا يعني أنها فلتت من العقاب؟
أبدا لا!
فالفكرة بحد ذاتها تفرز طاقتها….
رصيدك في البنك الطاقوي، وليس في البنك المالي، هو الذي يحدد طبيعة حياتك،
وسر سعادتك أو شقائك، حتى ولو كنت أفقر أو أغنى عباد الله!
………….
منذ حوالي عشرين عاما أو ربما أكثر، وأنا في حالة بحث دائم عن تلك الحالة التي
يطلقون عليها Consciousness or Enlightment، والتي يصل إليها بعض الناس.
أستطيع من خلال معرفتي وفهمي لها أن أترجمها إلى كلمة “يقظة” أو ربّما “استنارة”.
لكن مفهومها أعمق بكثير من أن أترجمها بكلمة…
حضرت مئات المحاضرات حولها، ومارست الكثير من الطقوس في سبيل الوصول إليها،
وزرت عدة منتجعات معنية بمساعدة زوارها للوصول إليها…
وخرجت من المعممة بفهوم يخصني، وطريقة تخصني وحدي،
وتساعدني على أن أمارس ما فهمته!
هذه الحالة لا تصل إليها بين ليلة وضحاها، وعندما تصل تصبح طريقة حياة…
قد تجيدها في لحظة لتنساها تماما في اللحظة التي تليها…
تحتاج إلى تدريب حواسك ورفع مستوى الوعي عندك ليلتقط كل ما يدور في ذهنك وحولك،
فتعي كيف تضبط صوتك الداخلي، وتتعامل مع كلّ ما يحدث بطريقة
تُحسن ولا تُسيء إلى الكون!
لو فعلت ستكون يقظا كما يكون جرّاح ماهر وهو يسبر بمشرطه منطقة حساسة
في الدماغ، ليستأصل ورما خبيثا استقر فيها، مستعينا بمجهره كي لا يخرب خلية سليمة!
نعم إلى هذا الحد تستطيع أن تعيش حياتك يقظا، فلا تدوس على نملة
قصدا، ولا تجرح شعورا عن عمد!
وتمشي في الحياة كرياضي ماهر يمشي على حبل بين جبلين،
لو اختل توازنه جزءا من الثانية سيقع في لج الوادي.
لو فعلت لن يدوس عليك الكون، ولن يجرح لك شعورا، وعندما تقع سيتلقفك بيديه!
ليس الأمر سهلا في بداياته، لكنك تصبح مع الزمن هدّارا وايجابيا كشلالات نياغرا،
فتنساب مع الدفق الكوني، ولا يمكن أن تشحّ يوما!
………………..
هذه هي حياتي أو هكذا أشعر، وبثقة لا يتخللها أي شك!
من الطبيعي أن تتسلل بعض الأفكار السلبية إلى رأسي بعد أن تخدع جهاز المراقبة هناك،
لكن في نهاية المطاف تبقى المحصلة هي الأهم…
هذا الشعور يساعدني على أن أعيش السكينة التي يعيشها رضيع
يغفو على صدر أمه.
أعيشها حتى وأنا أتشقلب في قلب عاصفة هوجاء،
وفي ليل حالك السواد!
…….
لا تستطيع أن تصبح يقظا ومستنيرا عندما تتجنب الظلام،
بل عندما تكون قادرا على أن تنير ذلك الظلام…… ****************************************************
أعزائي القرّاء:
لم يبق طير إلا وأوى إلى مملكتي….
انتزعنا أحد مصابيح البيت الخارجية لنستبدله بواحد جديد، ولما
عدنا وجدنا عصفورة وحبيبها قد بدأا ببناء عش داخل قاعدة المصباح، فلم نزعجهما.
البارحة كانا قد وضعا فيها البيض. سننتظر حتى يفقس البيض فنعيد المصباح
إلى مكانه، وريثما نعيده ستظل طاقتهما الجميلة تحرس البيت وسكانه!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.