دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٨٥)

أكبر كذبة عاشها العرب في العصر الحديث هي أن الحدود بين دولهم وُضعت بغية
تمزيقهم، وبأن الشرط الأساسي لوحدتهم هو إزالتها….
كانت الغاية من الحدود تنظيمية وليست تقسيمية، وعليهم أن يكونوا مديونين
لمن وضع تلك الحدود، فلولاها لأكلوا بعضهم البعض!
……
كانوا بدوا يرحلون من بقعة خضراء إلى أخرى مخلفين وراءهم يباسا وقحطا،
لا يحترمون حدودا، وينحرون بعضهم البعض على الكلأ والملأ،
وفرضوا تلك العقلية على كل الدول التي اجتاحوها…
عندما يفتقر الإنسان إلى الإنتماء الجغرافي يفقد الرغبة في تحسين
البقعة التي يمرّ عليها، طالما سيغادرها…
السلام لروح سيّدة الحكمة ستي أم علي:
(ياعين ستك: الحجر اللي بيتدحرج ما بينبت عليه)!
الأمر الذي أبقاهم شراذما عاجزة عن بناء مجتمع بشري، ببنيته التحتية والفوقية.
حتى فرض عليهم العالم هذه الحدود، فساعدهم على بلورة كياناتهم،
والإرتقاء بأنفسهم ولو درجة واحدة فوق مستوى البدو!
لم يرتقوا أكثر، لأن العقلية بقيت تقريبا نفسها، والثقافة لم تتغير قيد أنملة!
……..
يبهرك التقدم العمراني في دول الخليج العربي، ولكن بدويته
تتجسد في كل علاقة بشرية يحالفك الحظ لو راقبتها من بعيد،
وكنت مؤهلا لتقييمها.
رأيتهم في قطر يمشون أرتالا تشبه أرتال القطيع…
الرجل يسبق بعلته أو بعلاته عدة خطوات، والبعلة تسبق أطفالها بعدة خطوات،
والخادمة تهرول محاولة اللحاق بهم.


كل في فلكه يسبح، غير آبه بغيره، باستثناء تلك الخادمة التي قادها قدرها
الغاشم، أن تكون ضحية لثقافة، لا ترى فيها سوى آلة بلا مشاعر وبلا حقوق.
هي ملزمة قسرا أن تكون أكثر دينامكية وانضباطا من عقرب الساعة!
لا يمكن أن يبتسم أحد في وجه أحد، ناهيك على أن يحييه.
في نفس المطعم تشعر بجدران اسمنتية تفصل بين القطريين والوافدين،
وكأن شخصا يحمي نفسه من كلب مسعور على وشك أن يعضّه!
في عطلة نهاية الاسبوع يفترش مئات العمال الآسيويين الشوارع
حول السوق الرئيسية وكأنهم أوكار من النمل،
والشرطة تراقبهم إذ لا يسمح لهم بدخول السوق!
أعتقد أن التمييز بينهم كأدنى طبقة في المجتمع وبين الطبقات الأخرى،
يتم عن طريق سحناتهم، وهو أبشع وأقسى أنواع التمييز!
تجمعات بشرية لا تختلف في قحطها عن قحط الصحراء التي يعيشون فيها،
ولم تستطع التكنولوجيا التي زحفت عليهم بين ليلة وضحاها،
أن تخلق ترفا إنسانيا،
يتماشى مع مظاهر الترف العمراني والتكنولوجي الذي تراه في كل مكان.
…………..
التحضر ليس بندا من بنود دفتر التعليمات الموجود في كل علبة تشتريها،
تقرأه وتتبعه بحذافيره.
التحضر سلوك وتربية وطاقة تتدفق بعفوية من داخلك،
كما تتدفق قطرات العسل من قرص الشهد!
لا تستطيع أن تتصنّعه، لأنك عندها قد تصبح متحضرا في لحظة،
وستنقلب إلى حقيقتك بريّا ومتوحشا في اللحظة التي تليها!
…..
ورغم كون التحضّر سلوكا عفويا وطريقة حياة،
لا يعني أنه يأتي ـ أو لا يأتي ـ داخل بقجتك الوراثية،
التي تكون محزوما داخلها لحظة الولادة.
فهو ليس صفة موروثة، بل ميّزة مكتسبة.
ميزة تكتسبها أولا وأخيرا من المحيطين بك في السنوات العشر الأولى،
على أبعد تقدير.
وهؤلاء المحيطين بك هم عصارة ثقافتهم وتعاليمهم وبيئتهم، ولم يأتوا من المريخ!
لكن لا أستطيع أن أنكر أو أتجاهل حقيقة أخرى، ألا وهي أن كل ما تكتسبه من
قبح في تلك السنوات، تستطيع أن تتخلى عنه لاحقا، وتقلبه خلقا وجمالا،
لو قدّر لك أن ترتقي بوعيك إلى مستوى تصبح عنده قادرا أن
تشحذ بصيرتك، فتعي الحكمة من خلال التجارب والخبرات التي تعيشها.
ففي أغلب الأحيان يرفض الإنسان أن يخرج من تجربة إلا بقناعة تتماشى
مع ما تبرمج عليه في تلك السنوات.
فلو تبرمج أن لا يرى إلاّ العنزة، سيرى البطة عنزة ولو طارت!
لكن لو قُدر له أن يرتقي بمستوى وعيه، سيدرك أن العنزة لا تطير،
وما رآه يطير كان بطة.
ليس الأمر سهلا، لكنه ليس مستحيلا،
إذ يتطلب جهدا شخصيا جبارا، والمزيد من التمرين والإصرار!
تماما كما لو أنك تفرّغ وعاءا من الخل لتملأه عسلا.
ستدرك أن الخل قد تغلغل في جدرانه، وليس سهلا إزالة حموضته وآثاره،
لكن الزمن كفيل بتطهيره لو استمر العسل بالتدفق داخله!
………
أمّا لو سألتني كيف تحكمين على شخص بالتحضّر، سأقول:
المتحضر عندما يتعامل مع إنسان، أي إنسان،
يتعامل معه وكأنه كبده يمشي على الأرض…..
ويتعامل مع دينامكية الكون لصالح الكون، وكأنه سيعيش فيه مدى الدهر!!!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.