دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٨٤)

يقول المفكر الأمريكي ادوارد آبي:
”A patriot must always be ready to defend his country against his government”
(الإنسان الوطني يجب أن يكون دائما جاهزا ليدافع عن وطنه ضدّ حكومته)
في مجتمعاتنا ”العربية” رسّخ الطغاة عبر تاريخ المنطقة مفهوما آخر للوطنية.
أوهموا شعوبهم أن عدوا شرسا يتربص بهم، وبأن الوطنية تعني التفاني
في سبيل حماية الوطن من ذلك العدو.
بذلك، استطاعوا أن يلهوا الشعب، ويصرفوا أنظاره عن مصدر الخطر الحقيقي،
والذي يكمن في تحويلهم الأوطان إلى اسطبلات، والشعوب إلى قطعان!
قرأت مؤخرا عبارة جميلة جدا، مفادها:
أن أشرس المحيطات لا تستطيع أن تُغرق سفينة،
ولكن الماء الذي يتسلل داخلها كفيل باغراقها، مهما تسلل ببطئ.
القارئ الجيد للتاريخ البشري يرى أن أسوأ الأعداء الذين ساهموا في تدمير وطن،
كانوا حكامه.
والشعب القادر على أن يحمي وطنه من طغاته، هو وحده الشعب القادر على أن يحميه
من الأعداء خارج حدوده!
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، شهدت في أمريكا الكثير من الحملات
الإنتخابية.
خلالها كان جلّ اهتمام الشعب الأمريكي ينصب على ما تقدمه له حكومته.
يضخم أخطائها ويقلل من أهمية انجازاتها باعتبار أن تلك الإنجازات حقه،
وليست صدقة تتمنن بها عليه.
بين الحين والآخر يحاول المرشحون لمناصب حكومية أن يطبلوا للحروب،
ويضخموا الأخطار الخارجية.
ولربما استطاعوا لبعض الوقت أن يحققوا مأربهم، لكن سرعان ماترى
الشعب يعود إلى المطالبة بتحسين وضعه، وتحقيق المزيد من وسائل رفاهيته.
إلى درجة يُعتبر العامل الإقتصادي الأكثر أهمية عندما يتعلق الأمر
بجدول أولويات أي مرشح!


…..
من يمتلك اليد العليا والأقوى لن يعترف لك تلقائيا بحقوقك،
حتى ولو كان إلها، ناهيك على أن يمنحك تلك الحقوق.
وإن فعل سيتصرف وكأنه يتصدق عليك بها منة وشفقة.
لا يوجد حكومة على سطح الأرض تمنح شعبها حقوقه
عن يد سخيّة، ومن فرط كرمها وسموّ أخلاقها،
أبدا لا يوجد…!!
لكنها تفعل ذلك عندما يكون الشعب قويا، واثقا ومؤمنا بحقوقه،
ومصرّا على انتزاعها ولو بالقوة!
………………
الطغيان لا يعني حصرا الإفراط في استخدام القوة حيث لا يجب،
بل يعني أيضا الإستخفاف بها حيث يجب!
فترى المجتمعات التي يحكمها طغاة تعاني من الإفراط في استخدام
القوة حيث لا يتطلب الأمر قوة، وأيضا الإفراط في التسيب والفلتان
حيث يتطلب الأمر قوة !
بعكس المجتمعات الحضارية والتي تستخدم القوة حيث يتطلب الأمر
فرضها، وتمنح الحريات وتحميها حيث يتطلب الأمر أن تُمنح وأن تُحمى!
المجتمعات القمعية تتأرجح بين حالة من التصلب إلى حد الإفراط، وحالة
من التسيب والفلتان أيضا إلى حد الإفراط، وهي في كلا الحالتين تهدف
إلى استنزاف الإنسان وتركيعه.
أما المجتمعات الحرة فتعيش حالة توازن بين استخدام القوة بعقلانية،
وحيث يجب أن تُستخدم، وبين حماية الحريات بعقلانية، وحيث يجب أن تُحمى،
وهي في كلا الحالتين تهدف لأن تحترم الإنسان وتصون حرياته!
……..
أتابع اليوم ما يجري من مناوشات لا تخرج عن كونها ثرثرة طغاة، بين مصر واثيوبيا.
وكيف استطاعت العصابة الحاكمة أن تجرّ الشعب المصري
بأغلبيته الساحقة ـ ٨٥٪ حسب الإحصائيات ـ
إلى المزاودات الوطنية التي تحاول من خلالها أن تصرف نظر الشعب
عن مآسيه.
فراح يقرع معها طبول الحرب، غير مدرك أن أغلبيته تعيش تحت خط الفقر المدقع،
ومغفلا إلى حد لا يستطيع عنده أن يتساءل:
أين كانت هذه العصابة عندما بدأت اثيوبيا ببناء السد؟
أما رئيس العصابة في سوريا فخطب في قطيع مكون في غالبيته من مشوهي الحرب،
وأفقر فقراء سوريا،
عندما اجتمعوا معه أملا في أن يسمعوا منه وعودا، ترتقي بهم من مستوى
البحث في حاويات الزبالة عن لقمة عيش إلى مستوى
ربطة خبز معفن ومعجون بالصراصير،
خطب قائلا: أجساد الجرحى ودماء الشهداء ليست بالمجان…..!!!
والشاطر يحزر ما ثمنها!!!!
يتابع متأتأ: لها ثمن….ثمنها الصمود ومن ثم الإنتصار!!!!!!
أما طغاة الحرمين “الشريفين”، فلم يجدوا عدوا يهدد معاقلهم إلا فقراء اليمن!
…..
هل يعقل أن تصل عمليات التجحيش العقلي والتهميش النفسي حدا أسقط من هذا الحد؟
هل هناك صمود أجلّ وأشرف من الصمود في وجه هكذا عصابات؟!!
هل هناك انتصار في العالم أكثر أهمية من أن يحرقهم الوطنيون الشرفاء،
ويرموا رمادهم في براميل القمامة؟
لكن الكارثة أنه لا يوجد وطنيون شرفاء، فالثقافة السائدة لم تساهم في إنجابهم.
منذ أن سادت ثقافة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوكم وعدوا الله)،
لم تنجب تلك الأمة وطنيّا واحدا!!!
ولأن جلّ اهتمامها تمحور حول أعداء وهميين، اُستنزفت تلك الأمة، بمختلف شعوبها،
من أية قوة كافية لتحررها من طغاتها،
ناهيك على أن تحارب بها “أعداء” الله!!!
الوطنية ليس مجرد شعارات جوفاء ونوبة زعيق وحماس، الوطنية عملية خلق تبدأ مع
المضغة، لتخرج إلى الحياة إنسانا جديرا بوطنه،
وبالتالي وطنا جديرا بانسانه!
…..
تعلمت في الطب، أنه لا يسقط الجسد فريسة للجراثيم والفيروسات،
مادام جهازه المناعي قويا وفعالا.
إنه قانون كوني….
وبهذا الخصوص تحضرني قصيدة للشاعر ميخائيل نعيمة، يقول فيها:
سقف بيتي حديد….ركن بيتي حجر
فاعصفي يارياح….وانتحب يا شجر
واقصفي يارعود…لست أخشى خطر
أي خطر خارجي تخشاه عندما يكون بيتك مبنيّا من حديد وحجر؟!!
أما عندما يكون مبنيّا من القش وقد نخره العث من الداخل،
أية قوة ستحميه من عواصف الخارج؟!!
……
أعدوا لطغاتكم ما استطعتم من محاكم ومشانق، فهم وحدهم دون غيرهم،
أعداؤكم وأعداء الله!
في هذه الحالة، وليس في سواها، ستتجلى الوطنية في أبهى صورها،
وأنقى مواقفها….
وإلا ستحلّ عليكم لعنة الأوطان حتى قيام الساعة!!!
******************************
أعزائي القرّاء: لا يوجد في حياتي “طاغية” إلا وليام الصغير….
ورغم أن “الشياطين” الثلاثة لا يقبلون أن يصطحبوه في أية رحلة،
عندما عرف أنني سأغادر بيتهم ركض ولبس حذاء أمه ومسك بيدي،
ولسان حاله يقول: لن تذهبي إلا وأنا معك!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.