دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٨٣)

جمعتني جلسة مع بعض الأصدقاء.
تناول الحديث فلانا من الناس،
ولم يكن في الحديث مايسيء إليه.
فلقد تطرقنا إلى صفقة أبرمها مؤخرا مع احدى الشركات.
قال أحدنا: نزل فيها شريكا مع فلان، وأعتقد أنها صفقة جيدة.
احتج آخر:لا ليس شريكا مع أحد، وتابع:
هو صديق لي وأن أعرف عنه كل شاردة وواردة، ولو شارك فلانا
لأطلعني!
فكرت مليا فيما قاله!
لماذا يتوهم العربي أنه يعرف كل شيء عن أصدقائه، ولكي تكون
صديقا يجب أن تخبر الآخر بكل شاردة وواردة في حياتك.
لماذا تضمحل الحدود في الصداقة العربية، ويفترض الإنسان
أن عليه أن يعرف لون السروال الذي يرتديه صديقه، وكم زوج
جرابات في خزانته؟
لماذا يقيّم عمق الصداقة وصدقها من كمية ما يعرفه عن خصوصيات
الآخر؟!
لا أريد أن أعرف عن صديقي الحميم إلا ما أحتاج أن أعرفه كي
أحافظ على جمال تلك العلاقة وديمومتها.
لا تعنيني مشاريعه وحساباته وعلاقاته الأخرى وسراويله، ولا دقائق الأمور
في حياته.
مايعني دماثة أخلاقه، وطيبته ومقدار ما أتعلم منه، وما يضيف
كل منا من متعة إلى حياة الآخر!
أحترم خصوصياته وأحتفظ بما يبوح لي من أسراره إلى حد التقديس.
لأنني بتقديس تلك الأسرار أقدس حياته، وأقدس ثقته بي، وأقدس
الأمانة التي حملني إياها!
نعم من حق كل منا أن يرسم حوله حدودا ويدافع عنها.


لكن، أحيانا يطمئن الإنسان إلى صديقه إلى حد يبوح عندها بأسرار
تلك الحدود، وهذا حقه!
أمام هذا الحق، يترتب عليك واجب مقدس ألا وهو أن تكون أهلا
للإحتفاظ بأسراره!
بالمقابل، أنت لا تخدم صديقك ولا تخدم نفسك عندما تبالغ في كشف
النقاب عن خصوصياتك.
لا أحد معني بأن يعرف لون سروالك وكم زوج من الجرابات في خزانتك،
وقس على ذلك!
الإفراط في كشف الأسرار والخصوصيات ماهو إلا
دليل على ضعف ثقة الإنسان بنفسه،
واستماتته لكسب ود الآخرين، بغية أن يرضوا عنك!!
…………..
في كتابه
Think and Grow Rich
(فكر واصبح غنيا)
ينصح المفكر ورجل الأعمال الأمريكي نابليون هيل، بأن
لا تكشف أسرار أي خطة أو مشروع تنوي القيام به قبل أن يكتمل
هذا المشروع ويخرج إلى حيز الوجود.
ويعتبر هذه النصيحة أحد أهم أسباب نجاح رجال الأعمال الكبيرين
والمشهورين!
عندما أفكر بالحدود والخصوصيات أتمنى لو يستطيع كل منكم
أن يدرك طبيعة التواصل البيولوجي بين الخلية
والخلية التي تجاورها في الجسد البشري،
ذلك الجسد يتألف من عشرة ترليون خلية.
لكل خلية حدود تحددها وتضمن سلامتها.
هذه الحدود ليست جدرانا اسمنتية، وإنما نفوذية تسمح بتبادل ماهو ضروري وحتمي لسلامة
كل خلية على حدة، وبالتالي لسلامة الجسم ككل.
كل ما يخرج من خلية ويدخلها
يخرج ويدخل مراعيا قوانين ونظم غاية في الدقة.
أي خلل في مراعاة تلك القوانين والنظم يؤدي إلى موت الخلية،
وبالتالي إلى اضطراب العضوية!
هكذا نحن في الحياة.
يجب أن ننصب حدودا بيننا وبين الآخرين، تقرر ما لنا ومالهم.
يُفترض أن لا تكون هذه الحدود جدرانا اسمنتية، وإنما بوابات تُغلق وتُفتح وفقا
لنظام يراعي مصلحة الطرفين، وبالتالي مصلحة المجتمع
ككل…
لا يمكن أن تضطرب علاقة بين اثنين، إلا ويرجع
السبب إلى ضبابية الحدود بينهما، وبالتالي تجاوز كل طرف حدود الآخر.
تذكر لا تستطيع أن تحب غيرك مالم تحب نفسك أولا…
ولا تستطيع أن تحب نفسك مالم تحدد مالها وماعليها…
ولا تستطيع أن تحدد مالها وما عليها إلا برسم حدود، والإلتزام بها..
ولا تستطيع أن ترسم حدودا مالم تتعلم أولا أن تقول كلمة (لا) بوضوح وبلا خوف،
وأن تدرك أن تلك الكلمة هي جملة بحد ذاتها، جملة مفيدة ولا تحتاج إلى
مزيد من الشرح، ناهيك عن تفسير أو تأويل!
عندما ينتهك أحد حدا من حدودك، قل لا!
لا تحاول إطلاقا أن تشرح أو تفسر كلمة (لا) عندما تقولها،
فالآخر يفهمها منذ اللحظة الأولى،
لكنّه قد يريدك أن تشرحها، كي يميّع الأمر ويربح مزيدا من الوقت في الجدل!
عندما تقولها قلها بأدب، ولكن باصرار دون أن تأخذ بعين الإعتبار مشاعر أحد،
لا كبير ولا صغير، ولا حتى أقرب الناس إليك بما فيهم والديك!
وما ينطبق عليك ينطبق على الآخر، لذلك عليك أن تقبلها منه،
عندما تنتهك حدا من حدوده.
الحدود تضمن حقك وحقوق الآخرين،
والطغيان، أي شكل من أشكال الطغيان، كان قد بدأ بخطوة واحدة
انتهكت حدا من تلك الحدود، واستمرت لتصبح مع الزمن حالة عامة
من الفوضى والتسيب والفلتان،
يختلط عندها الحابل بالنابل، والظالم بالمظلوم….
هذا ما آلت إليه تلك المجتمعات المحكومة بثقافة: (انشالله)، والتي
موهت الحدود بين النعم واللا، فاختلط كل شيء وضاعت الطاسة.
ليس هذه وحسب، بل محكومة أيضا بثقافة: لا تقولوا لهما أفٍ، وأطيعوا
أولي الأمر منكم….
حتى لو اغتصبوا كرامتكم،
وسرقوا رغيفكم ونوم عيونكم…
حتى لو داسوكم وسحقوكم….
ولقد فعلوا!!!
******************************
أعزائي القرّاء:
كان عيد الفصح لهذا العام بداية الخروج من نفق الحجر بعد أن أخذ أصدقائي اللقاح،
وقبل آن آخذ الجرعة الثانية منه.
كل عيد فصح والعالم كله بالف خير!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.