دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٨١)

يجب أن يدرك كل إنسان، أنه عندما يتعلق الأمر بقراراته الشخصية وخصوصياته،
كلمة (لا) هي جملة كاملة ومفيدة،
ليس هذا وحسب، بل وتقال مرة واحدة.
الشخص الواثق من نفسه يقولها بحزم، ولا يحتاج أن يكررها!
المثل العربي يقول: رحم الله رجلا عرف حدّه فوقف عنده.
وأنا أقول:
رحم الله رجلا عرف حده فمنع أحدا من أن يتجاوزه!
الحدود المباحة هي الحدود التي تفتقر إلى حراسها، وليست الحدود
التي تُحاط بغزاة!
أيا كانت تلك الحدود وطنية أو شخصية، وأيا كان هؤلاء الغزاة
أعداء يحيطون بوطن أو أشخاصا جلفين يحيطون بك!
كل تجاوز لشخص داخل حدودك سيجردك من حق لك،
وفي نهاية الأمر سترى نفسك مباحا بالكامل ومجردا من كل حقوقك!
الحقوق لا تُنتهك دفعة واحدة، بل إنشا إنشا حتى يجد
الإنسان نفسه كالممسحة أمام عتبة الدار، تدوسها أحذية الداخل والخارج!!!
وما ينطبق على الأشخاص بهذا الخصوص ينطبق على الشعوب،
فأرض سوريا اليوم مرتعا لكل طواغيت الأرض!!!
لم تُباح دولة في تاريخ البشرية كما اُبيحت سوريا،
لأن الطغيان الذي مورس بحق شعبها كان قد طال واستفحل بشكل قل نظيره.
لقد اُستنزف هذا الشعب من طاقاته، وجُرد من حقوقه، وبالتالي من إحساسه
بوطنيته!!
تمّ ذلك على مدى عقود طويلة، ولم يحدث بين ليلة وضحاها….
تذكر: أنك تُباح لأنك ضعيف ومستنزف وخنوع،
وليس لأن عدوك قويٌّ وجبار!
الحدود ـ شخصية كانت أم وطنية ـ تُباح عندما تفقد حراسها،
وليس عندما يحيط بها أشخاص شرسون أو غزاة طامعون!!!
……..


يولد الطغاة من رحم اللامبالاة…
عندما لا تبالي بخطوة واحدة خرقت حدودك، لن تستطيع لاحقا أن
ترد جيشا من الغزاة اقتحم تلك الحدود.
عليك أن ترسم حدودا حولك وتدافع بكل قوتك عن تلك الحدود،
وهذا ـ بالتأكيد ـ لا يعني أنك أناني،
فأنت في تلك الحالة لا تحدد أين تبدأ وتنتهي
حدودك وحسب، بل تحدد أيضا أين تبدأ وتنتهي حدود الآخرين.
وبالتالي بقدر ما تمنع غيرك من أن يتجاوز حدودك،
تمنع نفسك من أن تتجاوز حدود ذلك الغير.

فرسم الحدود بقدر ماهو حريّة هو أيضا مسؤولية!
ضع في الحسبان أن الشخص الذي يعيبك لأنك رسمت حدودا حولك
وفرضت عليه احترامها، هو نفسه الشخص الذي سيخترق خصوصياتك
لو لم ترسم تلك الحدود.
ليس هذا وحسب، لكنني ومن خلال تجاربي في الحياة لاحظت أن أكثر
الناس احتراما لحدود الآخرين، هم أكثر الناس دفاعا عن حدودهم،
والعكس صحيح.
فالإنسان الذي يعرف حده ويدافع عنه، لا شك أنه يحترم حد الآخر،
ويرفض أن يتجاوزه!
……..
أكبر دليل على أنك تحترم نفسك هو أن تجبر الآخرين على الإلتزام بحدودك!
فبدلا من أن تستاء، وتبدأ بالنق كالضفادع، لأن البعض يستمرون في استباحتك،
عليك أن تستاء وتبدأ بتوبيخ نفسك
لأنك أعطيتهم الضوء الأخضر وسمحت لهم أن يتمادوا.
ففي تلك الحالة تكون المشكلة مشكلتك، وليست فقط مشكلتهم!!
……
أحد وأهم الأسباب التي تمنعك من أن تدافع عن حدودك الشخصية، هو خوفك
من الناس ومما سيقولون عنك.
أنت تسمح لهم بأن يستبيحوا حدودك أملا في أن تنال رضاهم.
الإنسان الذي يهمّه تقييم الناس له، ويرى نفسه من خلال ذلك التقييم،
هو إنسان يعيش في قبضتهم، ومن يعيش في قبضة الآخرين
هو ملك لهم، وليس له حدود!
جميل، بل وجميل جدا أن تأخذ بعين الإعتبار مشاعر الناس، وتحاول
جاهدا أن لا تؤذيها، ولكن ليس على حسابك!
فإرضاء الناس غاية تستنزف صاحبها، ومتى بدأ الإستنزاف سيستمر
حتى يمص آخر قطرة في دمك!
…………
مفهوم الإحترام في ثقافتنا الإسلامية القمعية هو مفهوم مشوّه،
وأبعد ما يكون عن الإحترام الحقيقي.
الإحترام في الثقافة العربية، وعموما الإسلامية،
يعني الطاعة العمياء والسيطرة والرضوخ…
الإحترام يعني أن لا تقل لهما أفٍّ، حتى ولو أجرما بحقك…
أن لا تصرخ في وجه من هو أكبر سنا منك، حتى
ولو داعس على قدمك وهرس أصابعك عن سابق قصد وتصميم…
هناك مثل عربي طالما كرهته واحتقرته، يقول:
(من داس على عتبتك داس على رقبتك)
يتبجحون به على أساس أنهم كرماء ومضيافون.
أما أنا فأقول:
من داس على عتبتي ولم يحترم تلك العتبة سأدوس على رقبته!
لا شكّ أن احترام الضيف واجب مقدس، ففي تقديس ذلك الواجب
تقديس للحياة نفسها، بشرط أن يكون الإحترام متبادلا بين الضيف
والمضيف!
لم يكن كل ضيوفي محترمين، فالأمر لا يخلو من ضيوف ثقيلين.
لكن لم يتجاوز ضيف حدا من حدودي، عن سابق قصد وتصميم،
ولو مقدار شعرة واحدة، إلا ورميته
على الفور سنينا ضوئية بعيداعن تلك الحدود.
بالمقابل لم أدخل بيتا إلا واحترمت عتبته وجدرانه وسقفه وكل صحن وملعقة فيه،
ناهيك عن أهله!!
كونفوشيوس يقول:
Every house guest brings you happiness. Some when they arrive, and some when they’re Leaving
(كل الضيوف يجلبون لك سعادة.
بعضهم عندما يصل، والبعض الآخر عندما يغادر!)
أما أنا أقول:
من سيسعدك عندما يغادر لا تسمح له أن يصل!!!
لأنه سيكرر مجيئه إلى بيتك حتى يطغى على حياتك…
……….
الطغيان لا يجلب إلاّ التعاسة،
وأنت ـ دون غيرك ـ مسؤول عن أية حالة طغيان تعيشها،
سواء على الصعيد الشخصي أو الجمعي.
بدءا من علاقتك بوالديك وكل فرد من أهل بيتك،
مرورا بأصدقائك ورجال دينك، وانتهاءا بالطاغية
الذي يتربع على كرسي رئاستك!!
إذ لا يوجد حالة طغيان جمعي في تاريخ البشرية إلا ومرّت بثلاث محطات.
البيت أولها والمعبد ثانيها وكرسي الحكم آخرها!!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.