دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٨٠)

waألقيت مرّة محاضرة في مؤتمر حول حقوق الإنسان في العاصمة واشنطن،
وكان موضوعي “ وضع المرأة في البلدان الإسلامية”.
بعد أن انتهيت بدأت فترة الأسئلة والأجوبة.
تهرقل رجل أمريكي من أصول افريقية متوهما أنه سيخبطني بالضربة القاضية.
طرح علي سؤالا، قال في مقدمته:
When it comes to Quran you seem to be a cherry picker.
ثم أكمل سؤاله وكان طويلا…
Cherry picker
تعبير بالانكليزي يقصد به أنك (كمن ينتقي الكرز).
وهو في هذه الحالة يقصد أنني أنتقي الكرز المعفن (الآيات البشعة) من صندوق القرآن
لأخدم وجهة نظري،
وأتغاضى عن بقية الكرز الحلو واللذيذ (الآيات الجميلة)!
معترفا ـ بغباء ومن حيث لا يدري ـ أن هناك كرزا معفنا في صندوق القرآن
استطيع أن أنتقيه لأخدم وجهة نظري!
تركته بكل هدوء يكمل سؤاله محاولا أن يطعن بمصداقيتي.
تمعنت في وجهه مليّا وأنا أبتسم، ثم قلت بهدوء:
Sir, if your cherry box descends from God I won’t be able to pick up rotten cherries
that can prove my points of view. God’s box must have no rotten cherry.
(لو كان صندوقك من الكرز نازلا من عند الله لما كنتُ قادرة على أن أنتقي منه مايخدم وجهات نظري.
صندوق الله ـ يا سيدي ـ يفترض أن لا يحوي كرزا معفنا)
من لم تلتهب كفاه من التصفيق خرّ في مقعده مغشيا عليه من الضحك.
…….


تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ ردود المتدينين على آخر ثلاثة فصول،
لدرجة اقتنعت أن كارثة الأديان كلها تكمن في صندوق الكرز!
المتدينون مبرمجون على أن يزعقوا في وجه كل من يقترب من حدود دينهم،
رافضين أن يهضموا ما يقوله قبل أن يرفضوه.
والسبب الجوهري خوفهم من أن يجد الناقد حبة كرز معفنة في صندوق الدين.
فاكتشاف حبة واحدة أصابها العفن كفيل بأن ينفي ألوهيته وينسفه من أساسه.

فكيف وقد امتلأت كتبهم بالكرز المعفن، والباحث عن حبة سليمة في تلك الكتب
كالباحث عن لؤلؤة جميلة سقطت صدفة في مستنقع نتن!
………………
السبب الرئيسي الذي جرني إلى ماجاء في آخر ثلاثة فصول هو موضوع الطغيان،
والذي اعتبرت فيه الطغيان الديني أبشع وأقسى أشكال الطغيان،
لأنه يضرب بسوط الله!
في اللحظة التي تُقنع فيها شخصا أن كل حبات الكرز في الصندوق سليمة وحمراء ولذيذة،
بغض النظر عن عمرها، وبغض النظر عن درجة سُميّة العفن والجراثيم المخزّنة فيها
تكون في لحظتها قد طغيت على عقله!
وستكون في لحظتها قادرا على أن تمارس كل أشكال الطغيان الأخرى وبسهولة!
……
لا تستطيع أن تشكو من طغيان والديك،
لا تستطيع أن تشكو من طغيان الحاكم،
لا تستطيع أن تشكو من طغيان رجال الدين،
لا تستطيع أن تشكو من طغيان سيدك في العمل،
قبل أن تتحرر من الطغيان الديني الذي مورس على عقلك، والذي جعلك مؤهلا عقليا ونفسيا
لتحني رأسك لأي شكل آخر من آشكال الطغيان.
طالما أنت مجبر، ولا تملك خيارا آخر، مجبر على أن ترى الكرز “ياسبحان الخالق”،
ستظل عبدا للطغيان!
الحرية لا تتجزأ، ولقد أشرت في فصل سابق أنه عندما تكون عبدا لسيد ستكون
عبدا لكل من يحاول أن يتسيدك.

فالعقل الباطن لا يميز بين سيد وآخر، وطالما يعرف أنك عبد ومحكوم بالخوف من طغيان ما،
سيظل يأمر الوعي بضرورة قبول أي شكل آخر من أشكال العبودية!
………
أدخلُ أحيانا في جدل عقيم مع مسلم مهووس بالدفاع عن قرآنه،
فيتحداني إن كان هناك أي عنف في القرآن، ويتسارع للبحث عن حبة كرز تبدو له
حمراء وسليمة، أملا في أن تتطغى على بقية الكرز المعفن والمجرثم، ليقول:
“لكم دينكم ولي ديني”!!!
متعاميا كليا عن “فضرب الرقاب” وعن “قطع الأيدي والأرجل من خلاف”،
وعندما تواجهه بها تراه كقملة مفروكة تحاول أن تستعيد أنفاسها:
أنت لا تفهمين الآية، ولا تعرفين أسباب نزولها!!!
وأردّ: ربما!!!
لعل “ضرب الرقاب” يعني تمسيدها وتقبيلها، ولعل تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف يعني
نوعا من الرياضة لتقوية عضلاتها!!
…….
سيدة مسيحية وصديقة لصفحتي ردت على الفصل الذي تناولت فيه إرهاب بعض
الخرافات و الآيات
التي وردت في الكتاب المقدس، فقالت بغضب:
هل قرأت موعظة الجبل للسيد المسيح؟
لو قرأتيها لما “تهجمتِ” على المسيحية!!
لاحظ كل نقد للدين هو عبارة عن هجوم!!!!
قلت: نعم قرأتها!!
وتابعت:
هي والسيد المسيح على عيني وطربوش رأسي، ولكن حبة كرز جميلة وحمراء
لا تحدد طبيعة الصندوق كله، ولا تدمغ بالشمع الأحمر على ألوهيته!!!
فردت بنزق: المسيحية محبة ومن ينتقد المسيحية لا يعرف المحبة!!
ثم اختفت…
تصوروا على هذا الاسلوب في الحوار!!!!
…….
وجد العلماء المختصين في علم الـ
Cognitive Sceince
(علم الإدراك المعرفي)،
أنه وخلال عملية التطور التي مرّ بها الإنسان على مدى ملايين السنين
ووصل إلى ماهو عليه اليوم، والتي تدعى
Evolutionary Design،
كان قد اكتسب نزعة طبيعية
(Natural tendencey)
لأن يتعامل مع كل ما حوله بناءا على المعنى الذي يستشفه منه.
فهو يميل بيولوجيا لأن يعطي كل ما يحدث في محيطه معنى وقصدا وغاية.
إذ لا يستطيع أن يستمتع بشيء، أو حتى أن يفهمه، مالم يعرف القصد والغاية منه.
كمثال على ذلك، تكون ردّة فعلك على سلوك صديقك ليس حسب السلوك بحد ذاته،
وإنما حسب القصد الذي ظننته وراء السلوك.
وبما أن الدين هو أكثر الإيدولوجيات في تاريخ البشرية التي زعمت أنها وجدت
معنى وغاية وقصدا لكل شيء في حياة الإنسان،
تراه يميل وينزع بيولوجيا للإيمان بدين!
هذه الحقيقة تُحسب لصالح الإيمان بدين، وليست لصالح الدين بحد ذاته.

وهذه الحقيقة بالذات هي سبب خلافي مع بعض الملحدين الذين لا يقلّون دوغماتية عن أي
متدين آخر، وذلك في محاولة استنكارهم لضرورة الإيمان بدين.
……..
لستُ ضد الإيمان بدين، أي دين.
لأنني أحترم ذلك الميل الطبيعي الذي يبدو على أشده
عند بعض الباحثين عن معنى وغاية من الحياة، والذين لم يستطيعوا أن
يجدوا ضالتهم المنشودة إلا في الدين!
لكن هذا لا يعني أن عليّ أن أحترم كل ماجاء في الدين.
عندما يعطي الدين للحياة معاني ومقاصد قبيحة وشريرة، لن أتوانى لحظة في أن أكون
أشد دوغماتية من هؤلاء الملحدين في استنكار ضرورة الإيمان بها.
الأمانة العلمية التي أحملها تجبرني على أن أرفض كرزا معفنا ومسودّا، خوفا
على سلامة الصحة النفسية والعقلية والعاطفية للإنسان الذي أسعى لصناعته.
وحماية لقدراته الإدراكية والمعرفية في وجه طغيان لا يرحم!!
…….
لا أعرف من قال:
Up to now you have believed in the existence of tyrants. Well, you were mistaken. There are only slaves. Where none obeys, none commands.
(كل الناس تؤمن بوجود الطغاة، ولكن كلهم على خطأ!
يوجد فقط عبيد.
عندما لا يوجد من يطيع لن يكون هناك من يأمر)
…..
الله ليس طاغية، وبالتالي أنت لست عبدا!!
لقد أسأت فهمه فلنبدأ منك،
علك ترفض الطغيان العقلي الذي مورس عليك،
فتمارس حقك في استخدام ملكاته العقلية بكل حرية،
….
….
لعل وعسى تستطيع أن ترى صندوق الكرز على حقيقته!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٨٠)

  1. س . السندي says:

    من ألاخر …؟

    ١: سيدتي الفاضلة وفاء سلطان انا اتفق معك في أن يعبد كل ما يشاء ، دون إرهاب أو قهر أو وغباء ؟

    ٢: مصيبة المسلمين أن ما في صندوقهم من حبات متعفنة قد كل ما في الصندوق ، والمصيبة الاكبر أنهم قد إعتادو على رائحته المتعفنة حتى ضنو أنها توازي رائحة القرنفل والجوري والاقحوان ؟

    ٣: فعلا لا طغاة دون عبيد أذلاء ، ومصيبة شعوبنا أنها لليوم هى التي تصنع طغاتها وجلاديها والاسى ألأكبر أنها تقدسهم وتمجدهم . حقا عجيب أمر شعوبنا ؟

    ٤: واخيرا …؟
    ليس دفاعا عن المسيح والمسيحية ، فإن وجدت الكثير من حباة الكرز المتعفنة في صندوق اليهودية ، فالسيد لمسيح جاء ليغير المتعفن منها ويكمل الصندوق بدليل قوله {قيل للاقدمين كذا وكذا … وأما انا فأقول كذا وكذا } مثال{ انا لا ادعوكم عبيدا بل أولادا ، لان العبد لا يعمل ما يفعله سيده} واقوله بهذا الشان كثيرة ؟

    ومن ثم ما في صندوق اليهودية من عفن كثير فيجب أن لا ننسى أنه كان الشريعة وقبل ألاسلام والمسيحية باكثر من 3600 عام ، والعقل والمنطق يقولان بان الكتب والرسالات كما الحضارات يجب تسمو وترتقي بالانسان والحياة وليس العكس كما في الاسلام مع الاسف . تقبلي تحياتي وشكري الجزيل لجهودك في المزيد من التغير والتنوير ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.