دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٧٩)

تساءل الكثيرون في أعقاب نشر الفصل السابق:
هل يعقل أن القصص المرعبة
التي جاءت في الكتب المقدسة تتلى على الأطفال في أمريكا؟
والجواب باختصار: نعم!
……
لكن سؤالا آخر لابد أن يعقب هذا السؤال:
هل الدين ـ أي دين ـ هو ضرورة اجتماعية وخصوصا في بلد كبير وعظيم وحر كأمريكا؟
والجواب باختصار أيضا: نعم!
تعتبر أمريكا الدولة الأكثر احتراما وحرية ورعاية للأديان في العالم،
لكن لا شيء يحدث فيها عبثا!
……..
منذ حوالي ثلاثين سنة، وبمعرفتي الضحلة للإنكليزية يومها قرأت كتيبا صغيرا،
كان بعنوان:
Who rules America?
(من يحكم أمريكا؟)
لم أعد أذكر تفاصيل هذا الكتيب، وليس
شرطا أن أخوض فيه حرفا حرفا، لكن بيت القصيد بالنسبة لموضوع اليوم،
هو أن الدولة الحاكمة ـ العميقة أم الظاهرة ـ
تحكم الشريحة القطيعية وتضبطها عن طريق المعابد!!
…..
خلال العقدين الأولين من حياتي الأمريكية اشتهر برنامج تلفزيوني
كان يقدمه الإذاعي الأمريكي المشهور جدا جدا
Jerry Springer

وكان من اشهر البرامج، وأكثرها إثارة للجدل في أمريكا.
لقد أثار جدلا حول مضمونه الهش وهدفه المجرد من أي قيمة أخلاقية، أو
هكذا تراءى للكثيرين من النقاد!
البرنامج يستضيف حالات مفرطة في قباحتها. رجل ينام مع أمه. أمرأة تنام
مع عدة رجال في سرير واحد، وقس على ذلك.
طبعا، كل ماهناك أن جيري سبرينغر كشف الغطاء عن طبقة موجودة في كل شعب،
وفي كل دين، وفي كل بقعة في العالم، لكن الناس ليست معتادة على كشف الغطاء
وتعرية الحقائق.


……..
مرّة كنت أتصفح جريدة لوس أنجلوس تايمز، فمررت على مقالة نشرها أحد
كتاب الصحيفة المعروفين.
ذكر فيها أنه حضر لقاءا ما في مدينة هولييود، وبالصدفة المطلقة كان
يجلس بجانب شخص عرف حينها أنه مخرج ذلك البرنامج.
فطرح عليه السؤال الذي كان يطرحه كل ذي عقل:
ما الهدف من هكذا برنامج؟
أليس عيبا أن تقدم أمريكا للعالم صورة قبيحة عن مجتمعها؟
رد المخرج: لا أبدا!
وتابع:
(لهذا البرنامج مهمة في غاية الأهمية.
لا تنس أنه يوجد في المجتمع الأمريكي كأي مجتمع بالعالم
طبقة عاطلة عن العمل وعاجزة عن التفكير، ومن المستحيل
أن يساهم أي برنامج تنموي في تغييرها مهما كان الجهود المبذولة كبيرة.
هذه الطبقة تشكل خطرا جسيما على المجتمع لو تُركت على حالها تجوب الشوارع
وتعبث بالملكية العامة وبحياة الناس.
قد تجهل عدد المشاهدين لهذا البرنامج، وإلى أية طبقة ينتمون!
أغلبهم إن لم يكن كلهم من هذه الطبقة.
البرنامج ليس أكثر من لعبة تعطيها لطفل صغير كي تصرف انتباهه عن
العبث بعلبة كبريت.
البرنامج يلمّهم من الشوارع ويعطيهم سببا لينشغلوا، وبالتالي يخفف
من حدة الضياع الذي يشعرون به، ويشغل الفراغ الذي يعيشونه،
والذي لا يمكن أن تشغله بشيء مفيد وفعال).
……
شخصيا، وبناءا على معرفتي العميقة بالتركيبة السياسية والإجتماعية لأمريكا،
اؤمن أن هذا هو السبب الرئيسي وراء مراعاة أمريكا لجميع الأديان،
ومنح معتنيقيها مطلق الحرية أن يمارسوا عباداتهم داخل جدران معابدهم،
وبضعة أمتار خارجها….
هناك طبقة لا يمكن، لا يمكن أن تملأ الفراغ الذي تعيشه، والضياع الذي تشعر
به إلا بالدين، وهذا أبسط حق من حقوقها!!
ليس كل أمريكي هو انشتاين أو بيل غيتس أو ستيف جوب…
المجتمع الأمريكي كأي مجتمع آخر، فيه شريحة عريضة من الناس
ـ لسبب أو لآخر ـ ستعيش حالة من الضياع لو فقدت تواصلها
مع معبدها وكتبها الدينية ورجال دينها!
ولأنها ترى الغاية من وجودها في ذلك التواصل، ترفض أية فكرة قد تسيء إلى
مصداقية دينها وكتبه ورجاله، وبالتالي لا تستطيع أن ترى
البطة، عندما يتعلق الأمر بتلك المصداقية، إلا عنزة حتى ولو طارت….
حتى ولو باضت….
وطالما يساهم الدين في ضبطها والتحكم بها، ما المانع أن يكون لها ماتريد؟!!
لكنه مجنون من يظن أن تلك المعابد خارج عدسة المراقب، أو حتى خارج قبضته!
…..
لا شك أن نسبة التدين تتناسب عكسا مع درجة التحصيل العلمي،
فكلما انخفض مستوى التعليم كلما كان الإنسان أكثر عرضة للتدين وللتمسك بشعائر دينه.
تلك حقيقة مدروسة ومبرهنة احصائيا، ولا غبار عليها.
الكاثوليكية تحرم وسائل منع الحمل، ولكن كلما ارتقى مستوى التحصيل العلمي عند
زوجين كاثوليك كلما قلت نسبة انجابهم للأولاد،
وكذلك الأمر لدى المسلمين.
لذلك، يتطلب الأمر من علماء الإجتماع والنفس أن يتعاملوا مع هذه الشريحة
بطريقة تضبطها من حيث لا تدري، وتضمن خنوعها بما ترى فيه حريتها.
على طريقة داوها بالتي كانت هي الداء…..
هذا لا يعني أنها ليست تحت الرادار، ولا يعني أنها تستطيع أن تفعل كل
ماتريد.
فلقد قابلت من الدواعش في أمريكا الكثيرين، والذين يشكلون خطرا
مدمرا على المجتمع، لو لم يتم تقليم مخالبهم بالقوانين المدنية وبالقوة القضائية
والبوليسية التي تضمن تطبيق تلك القوانين وسلامتها.
القوة القيادية في أمريكا، الظاهر منها والمخفي، تعرف أنه من العبث أن تغير
تلك الذهنية التي هي إفراز طبيعي في أي مجتمع، فلماذا تحاول عبثا؟
……
على العكس تماما، تركوها تتوهم أن لها ماتريد، ألهوها بالدين كطريقة مضمونة
لتشغل ذهن طفل بلعبة مزركشة الألوان، بعيدا عن مخاطر اللعب بعلبة كبريت!
طبعا، عندما تشغل الطفل بلعبة لا يعني أنك تركته وشأنه، فلو
أراد هذا الطفل أن يرمي لعبته فوق رأس أخيه ستنقض عليه لتعاقبه وتردعه!!
بين الحين والآخر نسمع في أمريكا عن متدين مهووس هجم على عيادة،
أو معبد لطائفة أخرى.
لكن مع كل هذا، سيكون الخطر أكبر وأشمل لو فقد هؤلاء المهووسين طقوس العبادة
التي تملأ فراغهم وتشغلهم، وتخفف من حدّة إحساسهم بالضياع!
………
صديق عراقي ترك على صفحته بوستا يقول فيه: سأندم على كل يوم وقفت فيه
ضد حكومة البعث في العراق.!
طبعا قال ذلك تعبيرا عن إحباطه حيال مايجري في العراق على أيد شرذمة
من ملالي الشيعة.
تركت تعليقا على بوسته:
يا صديقي العزيز ما تعيشه اليوم هو ثمرة حتمية للقمع الذي
مارسته حكومة البعث على الشيعة تحديدا!
لكي تضبط تلك الشريحة ذات الذهنية المقولبة والمغيّبة عن الوعي دينيا
يجب أن تحتويها، لا أن تقمعها.
احتواؤها أسهل بكثير، وأقل كلفة وخطرا من محاولة قمعها أو حتى إعادة تأهيلها.
لكي يكون المجتمع متقدما متحضرا ليس شرطا أن يكون كل شخص فيه عالما وعبقريا،
ويعرف من أنجب الآخر البيضة أم الفرخة.
على العكس تماما، المجتمع يحتاج إلى كل فئاته، من أكثرها وعيا إلى أخفضها.
فبقدر ماهو بحاجة إلى طبقة منتجة ومبدعة فكريا
هو بحاجة إلى طبقة مستهلة وميّتة فكريا،
وترى الغاية من وجودها في ركوعها.
بهذا الخصوص يعجبني قول أكثر من رائع: (لم يترك الأغنياء للفقراء إلا الله).
وأنا أقول: لو لم يتركوا لهم الله لعمت الفوضى في كل مكان.
الله في هذه الحالة هو اللعبة التي يلهو به طفل بعيدا عن انشغاله بعلبة كبريت
قد تحرقه وتحرق البيت معه!!!
وأرى هذه الحقيقة تنطبق تماما على سياسة الغرب ـ وتحديدا أمريكا ـ مع الإسلام.
مايطفو على السطح يظهر أن الغرب يقلم مخالب الإسلام السياسي،
وما يغطس تحت السطح يؤكد أن الغرب يحمي بقاء الإسلام كدين تتبعه شعوب،
الأغلبية الساحقة منها معطلة ذهنيا وفكريا.
لو جُردت تلك الشعوب من طقوسها الدينية لعاشت حالة من الضياع تشكل خطرا على البشرية،
أكبر بكثير من الخطر الذي يسببه اعتناقها للإسلام.
فمن خلال الدين يتم ضبطها وقمعها وسهولة قيادتها!!
……..
يولاندا سيدة مكسيكية اشتغلت وعلى مدى اربعين عاما مصففة شعر في أحد المحلات.
عاشت حياتها كلها تعدّ قروشها، وتقتر على نفسها،
لتوفر مبلغا من المال.
تقاعدت هذا العام، وأبلغتني أنها ستستخدم “تحويشة” العمر لتسافر إلى الفاتيكان،
وتلمح البابا الذي سيقف في اليوم الفلاني ويلوح للناس من شرفته.
هذا حقها، وأنا أحترم هذا الحق وأقدره.
لكن سؤالا يطرح نفسه:
هل كان بامكان أحد أن يقنع يولاندا، بعد أن تقولبت دينيا، أن تصرف
جزءا من دخلها على كتب ومجلات وزيارة متاحف ودور للسينما ومعارض للفن،
كي تستمتع بأربعين عاما من حياتها؟!!
طبعا لا!
فالمحاولة مجرد عبث، وبالمطلق!!!
وهناك سؤال آخر:
لو قمعنا يولاندا ومنعناها من أن تملك ذلك الحلم بحجة أنه تصرف في منتهى الغباء،
هل سنكون قادرين على أن نخلق منها عالمة فضاء؟!!
طبعا لا، فالقمع لا يثمر خيرا مهما كانت أسبابه ومبرارته!
……
يوم الحج نرى أكثر من ثلاثة مليون مخلوق يلفّون حول الكعبة لرجم الشيطان،
وذلك بطريقة آلية،
خارجة تماما عن سيطرة المراكز العليا الضابطة في الدماغ!
لو تأملت مليا فيهم وتساءلت:
كم شخص فيهم ارتقى بعقله إلى مستوى إنتاج لفة من محارم التواليت؟
الجواب سيقنعك أن الدين هو الحل الوحيد للعقول الضحلة المغيبة عن الوعي وغير المنتجة.
ولو حاولت أن تقمع تلك الطقوس سيطحشون ويدوسون كل ما يصادفونه في طريقهم.
لذلك، من المنطق بمكان أن تسهل لهم كل ما يحتاجونه لتبقى حبال الدين ملفوفة
على رقابهم.
شرط أن تبقى أطراف تلك الحبال في أيد عاقلة تتحكم بها،
كي تضمن سلامة العالم قدر الإمكان،
فيما فيه هؤلاء القطعان أنفسهم، وإلاّ لرفسوا بعضهم البعض قبل أن يرفسوا غيرهم.
من خلال تلك الحبال تسهل عملية ضبطهم وتفريغهم من طاقات سلبية
سيفرزها الفراغ الذي يعيشونه لو قُدر لهم أن يعيشوا بدون دين، والتي هي أكثر
تدميرا بكثير من الطاقات التي يفرزها الدين نفسه، مهما كان سيئا.
طبعا هذه القطعان في أمريكا حرة في ممارسة طقوسها، لكنها ليست داشرة بالمطلق.
فهي دوما وأبدا تحت عدسة المراقبين والمعنينين بحماية البلد، أيا كان
هؤلاء المراقبين والمعننين!
لهذا السبب تنتشر المدارس الدينية على اختلاف اشكالها في أمريكا، وتمارس
حقها في تعليم دينها.
لكن إذا أخذنا بعين الإعتبار أنه بناءا على إحصائيات 2019:
53.9 مليون طالب يلتحق بمدارس حكومية (مطهرة من أي تعليم ديني)،
بينما 5.7 مليون طالب يلتحق بمدارس دينية،
أي أقل من 10% من المجموع العام للطلاب، نتأكد
أن الحرية المعطاة لهم أقل خطرا بكثير من محاولة قمعهم وإغلاقها!!!
بالإضافة إلى وجود وسائل إعلام وفيض هائل من المواد المقروءة في المكتبات والأسواق،
والتي تتعارض مع الدوغما التي تقدمها المدارس الدينية،
وتخفف لاحقا من دورها السلبي في البرمجة!
أيضا هناك نقطة يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار:
المدارس الدينية في أمريكا لا تملك دوغما موحدة،
والهوة التي تفصل كل منها عن الأخرى لا تقل عمقا عن الهوة
التي تفصل المدارس الحكومية عن أي مدرسة دينية أخرى.
الأمر الذي يشتت تأثيراتها، ويقلل من أهميتها مقارنة بالمدارس الحكومية التي تقدم
برنامجا واحدا ذا هدف واحد!
…….
بناءا على ما تقدم بودي أن اؤكد لكل قرائي ومتابعي هذا الكتاب، أنني لم أحاور
يوما متدينا مهووسا رغبة في تغييره، إذ أن الأمر ضرب من المحال، وأقل ما يعنيني!
لكنني أكتب وأحاور لقناعتي المطلقة من أن أعدادا هائلة من العقول الشابة
التي تقف على حافة الهاوية، تقرأني من وراء الكواليس،
وتتطلع إلى فكر ينقذها من الوقوع في مغبة الخرافة، ويساعدها لتكون منتجة…..
مبدعة…
مستقلة…
وإنسانية بالمطلق…

ولكي تقود حياة جديرة بأن تعاش!!!
إذ ليس أجمل من حياة يعيشها الإنسان ويكون فيها النسخة الأصلية لنفسه، وليس
صورة فوتوكوبية عن مخلوقات انقرضت منذ آلاف السنين!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.