دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٧٧)

عندما يسقط الإنسان في مصيدة، أيا كانت،
لن يتعلم كيف ينجو من مصيدة أخرى، أيا كانت…..
إذا كنتَ عبدا لسيّد، أنت عبدٌ لكل سيّد آخر،
فالحرية لا تتجزأ.
في المجتمعات التي تحكمها الثقافة الإسلامية،
يخرج الإنسان من رحم أمه ليقع في مصيدة والديه.

“لا تقل لهما أفٍ”!!
ولأنه يُقمع في سنواته الأولى
يعيش حياته غير قادر على أن يتأفف حتى من ذباب وجهه،
فترافقه أسراب الذباب حتى قبره، تنهشه خلال مسيرته
قبل أن ينهشه الدود في ذلك القبر!!
ابتلينا بثقافة جلفة أصرّت على طاعة الوالدين طاعة عمياء،
ودون أن تحضّ على مسؤلياتهم، وتحذر من الإستخفاف بها.
حتى اقتنع الآباء بأن الولد ملكية، ونسوا أنه مسؤولية،
وعندما تملك إنسانا يعني بلا شك أنك تستعبده!
وفقا لتلك الثقافة يتمّ في مرحلة الطفولة وأد القدرة على الإحتجاج،
فيعيش الطفل كفأر انطبقت عليه مصيدة!
كان حريٌ بتلك العقيدة البائدة أن تصرّ أولا على أهمية التربية،
فاحترام الآباء وتقديرهم هو ثمرة لتلك التربية،
وتحصيل حاصل لحسن أدائها!
لكن ولأنها جاءت كي تتحكم برقاب البشر، ولكي تبرر
الطغيان والعبودية، أدركت أن أسهل الطرق لصياغة العبد،
أن يُستعبد في مهده!


……….
كنت مرّة اصغي إلى برنامج على قناة مصرية، يرد فيه شيخ
على أسئلة الجمهور.
اتصلت شابة تشكو بألم وقهر مرعبين كيف يغتصبها والدها
كل ليلة، وعلى علم أمها.
راح الشيخ يطمئنها من أن الله سيتدخل، وانتقل بسرعة البرق
إلى “بر” الوالدين، وأصرّ أن تتوصى خيرا بوالدها.
ليذهب هذا “الله” إلى الجحيم، ولتسقط كل عقائده وكتبه وخرافاته،
إن كان يأمر بالإحسان إلى هكذا والد!!
لقد كان هو الطاغية الأول والأظلم في حياة الشعوب،
ومن شريعته استمد الطغاة مبررا لطغيانهم!
لذلك، لا أرى مستقبلا لشعوب المنطقة، مستقبلا تتحرر فيه من الطغيان السياسي،
قبل أن تتحرر أولا من طغيان هذا “الله” وطغيان شريعته.
……..
يقول الكاتب والمفكر الاسباني
Carlos Ruiz Zafon
“The words with which a child’s heart is poisoned, whether through malice or through ignorance, remain branded in his memory, and sooner or later they burn his soul.
(كلماتك التي تسمم بها قلب الطفل، سواء عن نية سيئة أم عن جهل،
ستظل محفورة في ذاكرته، وستحرق روحه ـ عاجلا أم آجلا ـ)
نحن شعوب محروقة روحانيا.
ولأنهم قتلوا قدرتنا على أن نتأفف، ناهيك على أن نحتج ونتمرد،
خسرنا روح التمرد، وبالتالي القدرة على مواجهة الطغيان!
كل خطوة تمشيها باتجاه الأمام أنت تتمرد من خلالها على الخطوة التي سبقتها!
لا ينمو الإنسان روحانيا ولا عقليا ولا عاطفيا، مالم يتعلم
وفي سنواته الأولى كيف يقول لا،
لأي أمر يشعر أنه يهدد كيانه واستقلاليته!
…….
الطفل ليس مجرد عجينة تقولبها كما تشاء، بل هو صندوق مغلق،
ومهمتك كوالد أن ترشده عن بعد، وتمنحه الحرية كي ينفتح،
ويُخرج مابداخله من كنوز!
ليس من المفروض أن تصبه في قالب من الصخر، بل أن تساعده كي يشق شرنقته
التي تقولبه، فيتحول من يرقة إلى فراشة تطير.
مهمتك كوالد أن تمنحه جناحين كي يحلق بعيدا عنك،
وأن تصفق وتهلل له كلما ارتفع إنشا!
مالم تكن علاقتك به عبارة عن أخذ ورد وحوار ومحاولة إقناع،
سيخرج إلى الحياة عاجزا على أن يحمي نفسه، كصقر انتزعتَ
مخالبه ورميته بين شلة من الوحوش.
القدرة على الدفاع عن النفس وعن الحدود وعن الكيان ضرورة
حتمية لضمان البقاء،
وضرورة حتمية لاكتساب هوية وملامح شخصية فريدة من نوعها.
ومالم نشحذ تلك القدرة لدى الطفل وننميها في سنوات العمر الأولى،
سيخرج الإنسان إلى الحياة هشا كقشة في مهب الرياح!
……..
سؤال يفرض نفسه:
لو جاءت الآية التي تقول “وبالوالدين إحسانا” على شكل
“وبالأولاد إحسانا”،
هل تتوقع أن علاقة الوالد بالولد، والعكس أيضا، ستكون أسوأ مما هي عليه اليوم؟!!!!
كيف تطلب من الأغصان أن تكون وارفة الظلال
كي تحمي الساق والجذور من قساوة العمر،
قبل أن تضمن أن الحياة التي تتضخها الجذور والساق في الأغصان كافية
لتجعلها وافرة الأوراق والظلال؟!!
كيف تطالب ولدا أن يُحسن إلى والديه، قبل أن تتأكد من أن
ذلك الوالد قد أحسن تربية ولده؟!!
كيف تطلب من إنسان بالغ أن يتمرد على الطغيان، ولم
يتعلم في سنواته الأولى أن يحتج على سوء معاملته،
أو علي أي أمر شعر بأنه يهدد وجوده، ونوعية ذلك الوجود؟؟!
…..
الأزمة في هذا الشرق المعذب هي أزمة آباء.
أفرزتها تعاليم ضحلة وقبيحة كرّست العبودية والطاعة العمياء.
الكل فاشلون….
لم ينجح أجدادنا إلا بافشال آبائنا، ولم ينجح آباؤونا إلاّ بتقليد آبائهم!
ويستمر الإنجاب، إنجاب فراخ مقزمة ومشوّهة من بيض فاسد ومعفن.
ويبقى السؤال: كيف سنخرج جيلا ناجحا من جيل فاشل؟
كيف سنوقّف عملية التناسخ لصور مكررة ومحروقة؟
هل يستطيع رجل مقزم عقليّا وميت روحانيا أن ينجب رجلا
طبيعيا؟
ربّما….
ليس الأمر سهلا، لكنه ليس مستحيلا!!
يصبح ممكنا عندما يدرك هذا الرجل أبعاد الكارثة وأسبابها،
ويقتنع بضرورة أن يجنّب أولاده دفع الضرائب التي دفعها هو نفسه!
باختصار، نحتاج إلى إعادة تأهيل رجل مقزّم ومشوّه،
ليقوم بعمل رجل طبيعي ومكتمل.
نحتاج إلى إقناعه بأن يعمل جاهدا ليجد طفولته التي أضاعها،
في ابنه الذي أنجبه!
نحتاج لإقناعه بأن يعطي طفله مساحة من الحرية كي يحتج على
أبسط ما يزعجه ومالا يرضيه، ثم يناقشه بالحسنى!
وأن يعلمه فن الرفض والتمرد بدلا من أن يعلمه أصول الطاعة والاستعباد
والأهم من هذا وذاك، نحتاج أن نقنعه “وبالأولاد إحسانا”!!!
…….
كنت استمع مؤخرا إلى يوتيوب…
رجل بوليس مصري يحقق مع شابة في اواخر عشرينياتها، قامت
بقتل ابنة أخ زوجها، وهي طفلة في الخامسة من عمرها…
الجريمة بشعة جدا ومؤلمة جدا جدا،
لكنني تألمت إلى حد القهر على الشابة التي ارتكبت الجريمة…
في سياق التحقيق، وتستطيع من خلاله أن تكتشف أن المحقق
ليس أهلا لتلك المهمة، أشارت الشابة،
وملامح مفرطة في تعاستها تسربل وجهها، أشارت
إلى أنها لم تعش طفولتها
ففي سن مبكرة، كان والدها يوقظها من النوم عند الفجر،
ويلزمها بالذهاب إلى متجره كي تساعده في عمله.
يبدو أنه لم يمنحها فرصة حتى لمجرد أن تتأفف،
فلقد تقولبت على أن تؤمن “وبالوالدين إحسانا”،
حتى ولو أجرما بحقها، وبأن
“لا تقل لهما أفٍ”، حتى ولو سحقا كل خلية حية في دماغها!
لم يعطِ المحقق تلك النقطة أي اهتمام، وتجاوزها
بسرعة البرق، وذلك بطرح أسئلة أخرى.
راقبت الشريط عدة مرّات،
حتى تأكدت من غياب أي دافع لارتكاب الجريمة

إلا إحساس دفين لدى تلك الشابة بأنها حُرمت من طفولتها،
فانتقمت لنفسها من طفولة أخرى!!!
ولو كان في يدي تقرير مصيرها، لأطلقت سراحها، وحكمت على
والدها بالسجن المؤبد!
علما بأنه ـ وفي حقيقة الأمر ـ هو وهي ضحيتان
لثقافة غارقة في وحشيتها!!!
والأهم من أن يتعاقبا، أن تُرمى تلك الثقافة في مزابل
التاريخ!!
…..
لقد أصبح الإنتقام طريقة حياة لدى
شعوب حُرمت من طفولتها، وتحاول أن تنتقم لحرمانها
بشكل أو بآخر!!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.