دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٧٦)

لم يستطع طاغية في التاريخ البشري أن يبسط هيمنته على شعبه إلا بطريقتين،
لا ثالث لهما.
تزوير الحقائق واستخدام البطش!
لكي يتم تزوير الحقائق بطريقة يصعب كشفها،
لابد أن يُحيط ذلك الشعب بجدران حديدية تعزله عن العالم المحيط به،
وهذا مانراه في كل بلد يحكمه طاغية.
مع بداية عصر الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي أصبحت هذه المهمة
شبه مستحيلة، ولم يبق في متناول الطغاة إلا وسائل البطش.
….
عندما مات رئيس كوريا الشمالية كيم يانغ إيل، وأثناء جنازته
أثلجت السماء.
أعلن التلفزيون الرسمي، أنها أثلجت في غير
موعدها، وفي يوم الجنازة، كبرهان كوني أنه إلهيًّ وفوق مستوى البشر،
فراح الشعب المحاصر داخل جدران حديدية يتداول تلك المعلومة كحقيقة مقدسة….
……
توماس جفيرسون، أحد رؤساء أمريكا، يقول:
All tyranny needs to gain a foothold if for people of good conscience to
remain silent
(لا يستطيع طاغية أن يملك موضع قدم، مالم يُخرس أولا أصحاب الضمائر الحية)
لذلك، عندما يستشري الطغيان تصبح الأزمة الحقيقية أزمة ضمائر!!!
عندما أقول “أزمة ضمائر” لا أعني غياب من يمتلك تلك الضمائر،
بل أعني إرهابهم إلى حد الصمت!
وعندما يصمتون يعلو عواء كلاب الحراسة،
حتى يُخيّل للمراقب العادي أن الأغلبية تدعم الطاغية،
بل وتألهه.
في تلك الحالة كلمة “أغلبية” لا تعني العدد، وإنما تعني من يملك
وسائل البطش!
إذ يصبح أخرق مسلّح هو الأغلبية على أرض الواقع،
بينما تتحول الجموع إلى مقبرة.
(وأي ثائر ستنجب أمة رحمها مقبرة)!!!


……….
لم يستطع أحد أن يصوّر لنا حقيقة تلك المقبرة كما فعل ايزنهاور،
أحد رؤساء أمريكا، بقوله:
From behind the iron curtain, there are signs that
tyranny in trouble and reminders that its structure is
as brittle as its surface is hard
(من وراء الستائر الحديدية تستطيع أن تلتقط اشارات من أن الطاغية
يتخبط في مشاكله، ومن أنه محطم وهش في الداخل
بقدر مايبدو صلبا من الخارج)!
نعم يبدو صلبا من الخارج، بينما يغلي من الداخل، وكل شيء
يشير إلى أن الإنفجار قاب قوسين أو أدنى!
وتبقى لحظة الإنفجار رهينة بأيدي أصحاب الضمائر الحيّة، الذين ـ للأسف ـ
يتوهمون أن قوة الطاغية أكبر من قدرتهم على فعل شيء.
هم لا يعرفون أنه هش ومحطم في الداخل بقدر مايبدو صلبا من الخارج.
وقد لا يتطلب الأمر أكثر من عود ثقاب،
لكنهم صامتون صمت المقابر!
…….
يطلقون على هذه الحالة في علم النفس Hopelessness
“الإحباط”.
حيث يقتنع المرء أن الهروب من جحيم الواقع هو ضرب
من المحال،
مع العلم أنه ليس أصعب من أن تشعل النار في كومة من القش!
…….
وضع عالم نفس كلبا في غرفة وفتح بابها.
كلما حاول الكلب أن يخرج من الباب يعرضه لصدمة كهربائية،
فيركض الكلب باتجاه الداخل.
بعد عدة صدمات توقف الكلب عن المحاولة وخرّ صامتا في أحد
زوايا الغرفة.
ترك العالم الباب مفتوحا، لكن الكلب رفض الخروج وظل
مرميّا ومحبطا في الزاوية.
……
هذا هو الحال الذي تصل إليه الشعوب عندما تعيش في قبضة الطاغية!
يختفي الباب المفتوح من ساحة وعيها، ويظل الصاعق الكهربائي
مغروزا في ساحة اللاوعي!
فتتوهم أن الباب الذي يقودها إلى طريق الحرية موصدا،
رغم أن فتحه قد لا يحتاج إلاّ إلى ركلة قدم….
……
تراودني الآن قصة تقول أن شخصا قد حُكم عليه بالإعدام.
في اليوم المقرر لتنفيذ الحكم،
سأله السجّان: لدينا طريقتان لتنفيذ الحكم، إما أن نطلق
عليك الرصاص أو أن تخرج من هذا الباب!
فكر الشخص مليّا:
الموت رميا بالرصاص أقل عذابا، فما بالك لو خرجتُ من هذا الباب
لتنهشني السباع حيا!!
فاختار الموت بالرصاص…..
عندما سُئل السجّان عمّا كان وراء ذلك الباب،
رد: الطريق إلى حريته!
……..
طالما يتحكم الخوف بأصحاب الضمائر الحيّة سيخرّون صامتين في الزاوية،
مقتولين روحانيا ومهمشين عقليا.
وقد فاتتهم حقيقة واضحة وضوح الشمس، من أن الطاغية هش في الداخل
بقدر مايبدو صلبا من الخارج…
…..
…..
…..
حقيقة أخرى أريد أن لا تفوتني (ريثما أنشر الفصل اللاحق)، ألا وهي:
أنه في ثقافة “لا تقل لهما أفٍ”
الوالد ـ وليس الطاغية ـ هو أول من يستخدم الصاعق الكهربائي
فينتقل “الكلب” منه، مرورا بالمعلم ورجل الدين والشرطي،
إلى الطاغية محبطا وعاجزا حتى عن الخروج من باب مفتوح يقوده إلى حريته…
لذلك، يبقى الطاغية ـ رغم هشاشته ـ سيد الموقف!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.