دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٧٥)

عندما يستفحل القمع ويبلغ أعلى درجاته لا يمكن أن يؤدي إلى ثورة،
بل إلى حالة من الخنوع والإستسلام.
هذا هو حال كل البلدان التي قامت بها فورات، تحت مسمى “ثورات”،
باستثناء دولة تونس، الذي ومنذ وصول الرئيس بورقيبة إلى سدة الحكم،
لم يصل فيها القمع حد الاستفحال!
الموالون للنظام في سوريا أطلقوا عليها “فورة”،
وهو حق أرادوا به باطلا!
أرادوا أن يطعنوا بالطرف الآخر، دون أن يدروا أن استفحال الطغيان
الذي مارسه النظام على مدى عقود هو من حولها إلى فورة،
وكان الأجدر بها أن تكون ثورة!
…..
القمع في بداياته هو سبب عقلاني وأخلاقي ليثور الإنسان ويتمرد،
وعندما يثور في تلك المرحلة لابد أن يقضي على كل محاولة للقمع!
أما عندما يصمت الإنسان أمام القمع في حدوده الدنيا،
يكون قد سمح لمن يحاول قمعه أن يشدد من قبضته رويدا رويدا،
حتى يتمكن لاحقا من أن يحيط برقبته ويضغط بإحكام،
فيستحيل عندها على المقموع أن يثور،
بل سيستلم كليا ويخنع،
ويصبح مع الوقت لقمة سائغة في فم وحش كاسر ومفترس،
اسمه “الطغيان”!
……
مرة وفي بداية حياتي الأمريكية، كان لزوجي صديق ايراني،
اتصل بنا يوما، وقال:
لي زميلة أمريكية تشتغل معي في البنك، وتم نقلها إلى مدينتكم.
سآتي معها اليوم لأساعدها كي تجد شقة وتنتقل إلى هناك.
خلاصة القصة، توقفوا في بيتنا ليشربوا القهوة معنا.
من خلال الدردشة راحوا يتحدثون عن الشقق التي مروا عليها،
فقال الإيراني:
أنا أرى أن الشقة في الشارع الفلاني جيدة جدا!
ردت:


لا سأستأجر الشقة في الشارع الآخر، فحجمها واجرتها تناسبني أكثر.
استاء الإيراني من عنادها، وأخذ يحاول أن يبرهن على صحة خياره،
وبأن خيارها ليس جيدا.
عند هذه النقطة التفتت إليه، وبلهجة حادة، لهجة الواثق من نفسه، زأرت:
اسمع!!
أنت قدرت ظرفي وساعدتني كثيرا، منذ الصباح وأنت
تسوق بي من شقة إلى أخرى، وأنا أقدر حق التقدير مساعدتك، لكن
هذا لا يبرر لك أن تتدخل في قراري الشخصي.
أنا من سيعيش في الشقة، وأنا من سيدفع الأجار، لا تدخل في
خياراتي وخصوصياتي، وإلا ستجبرني على أن أتصل
بتاكسي لتنقلني إلى بيتي!!!
……
كان ذلك أول درس تعلمته في أن أرسم دائرة حولي ولا أسمح لأحد
أن يتجاوز مدارها، مهما كان مقربا مني أو صديقا لي!
هذه هي الثورة الحقيقة في شكلها الأبسط والأهم!!!
والإنسان الذي يثور في وجه كلّ محاولة للتطاول على حقه
يستحيل أن يصل به الأمر إلى حد يقبل أن يعيش عنده في قبضة الطغيان!
……
الحدود لا تباح دفعة واحدة، بل حدا حدا، والقرارات لا تُقمع بالضربة القاضية
بل قرارا بعد قرار، ويتمّ ذلك على مدى طويل.
خلال هذا المدى، يُستنزف الإنسان (طاقويا ونفسيا وروحانيا) قطرة قطرة،
حتى ينطفئ ويهمد!
فتصبح الثورة ضربا من المحال،
إذ لا تستطيع أن تثور مالم تكن منبعا لطاقة لا تنضب!…..
لا ثورة في الأرض تستطيع أن تُحي شعبا أطفأه الطغيان….
 لكن، لا طغيان في الأرض يستطيع أن يُطفئ شعبا إلا إذا
استعبد الطاغية العقول من خلال عقيدة، سياسية كانت أم دينية!
وتبقى الدوغما الدينية أجلف وأخبث وأشرس تلك الأغلال،
وتزداد خبثا وقباحة عندما تنكح الدوغما السياسية،
فتحبل، ثم تجهض واقعا قزما ومشوها؟!!!!
……
بداية الحل أن يحرر الإنسان عقله من أغلاله،
ويسقط عن تلك الأغلال قدسيتها.
يقول المفكر البريطاني جورج اورويل
All tyrannies rule through fraud and force. But when
fraud is exposed they much rely exclusively on force
(جميع الطغاة يحكمون من خلال الخداع والبطش.
عندما ينكشف كذبهم وخداعهم يعتمدون كليا على البطش!)
وأنا أقول:
لا نستطيع أن نواجه بطشهم قبل أن نفضح كذبهم وخداعهم!
******************************************************
أعزائي القراء:
قريبا سأنشر فيديو أفضح من خلاله محاولات التضليل والخداع وتزوير التاريخ السوري،
الذي جاء في آخر خطاب لطاغية سوريا.
وسأستمر أيضا في الحديث عن الطغيان، سواء على الصعيد الشخصي او الوطني،
آملة في أن يتعلم إنسان الوطن كيف يقف في وجهه!
لكم خالص محبتي وشكرا لدعمكم!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.