دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٧٤)

عندما ترى وطنا يتحول فيه البشر إلى أموات يمشون،
اعلم أنه وطن يحكمه الطغيان!
والطغيان ليس شخصا يدوس على رقبة شخص آخر، بل هو
نظام قوي ومتماسك.
كل شخص فيه يمارس طغيانه بشكل أو بآخر على شخص آخر!
بمعنى آخر، هو مجموعة بشرية تحكمها صيغة واحدة!
…………….
عام ٢٠٠٣ وفي زيارتي الأولى لسوريا بعد أن غادرتها، كنت أركب
مع صديقة لي وزوجها سيارة تاكسي في أحد شوارع حلب..
أمامنا تسير حافلة زبالة تتطاير منها الأوساخ وتفوح رائحة كريهة..
يجلس في مؤخرتها شاب التقت عيوننا بعينيه، فالتقط شيئا من كومة القمامة
وضرب به الزجاج الأمامي للسيارة التي نركبها…
تطرطشت مادة تشبه اللبن على الزجاج كله وحجبت الرؤية،
فاضطر السائق أن يأخذ أقصى اليمين كي يقف.
في المجتمعات الديكتاتورية كل فرد ديكتاتور ضمن حدود امكانياته،
بما في ذلك عامل النظافة.
منذ قرون والثقب يكبر، فغرقت السفينة اليوم بما حملت!
ويخرج عليّ بهلوان موال للنظام، ليصفعني بقوله:
أنت لا تعرفين سوريا قبل الحرب،
لقد كانت الحياة فيها رائعة، فدمرتها ثورة اسلامية ارهابية!
لا…لا.. أنا لا أعرفها، لأنني ولدت وهاجرت من جزر الواق واق!!!
عندما قامت تلك الثورة لم تجد من الوطن إلاّ كومة قش فكمّلت عليه وحرقتها!
لأن كلا الطرفين، النظام والمعارضة، توأمان خرجا من نفس الرحم الثقافي،
ولم يتعلموا من الصيغة الثقافية التي قام عليها البلد إلا الحرق!!
النظام وعلى مدى أكثر من ستة عقود وضع البلد داخل برميل بارود،
وسلّم الصاعق لمعارضة مجرمة لا تقل عنه بطشا وإرهابا!!
……
علينا أن نتذكر أنه في أعماق كل مظلوم ظالم ينتظر فرصه لينتقم لظلمه،
وما أكثر المظلومين في المجتمعات القمعية!
الكل فيها ديكتاتوريون، وهم ينقسمون إلى ظالم ومظلوم (يمارس
ظلمه كلما حانت له فرصة)!
لذلك، مع الزمن يختلط الأمر فلم تعد تعرف الظالم من المظلوم،
وتصبح الديكتاتورية أكبر بكثير من كونها مجرد ديكتاتور!!!!
تعود بي تلك الحقيقة إلى ذكرى موغلة في الزمن البعيد،
يوم كنت طالبة جامعية واستقل أحد باصات النقل الداخلي.
لمحت بطرف عيني شابا أخرج من جيبه آلة حادة، ربما سكينا صغيرة،
وغرزها في جلد المقعد الذي يجلس عليه محدثا شقا كبيرا،
ثم غادر الباص وغاب في الجموع…


……
البارحة مساءا انتشر خبر جريمة شنعاء على صفحات التواصل الاجتماعي،
اقترفها والد في مدينة طرطوس السورية، فقتل بناته الثلاثة ونفسه، ونجت
زوجته من الحادث باعجوبة.
كنت استمع إلى مقابلة مع المحامي العام في طرطوس.
يخيّل إليك وأنت تسمعه أنه بروفيسور في علم القانون في جامعة هارفرد،
راح يلعب بالكلمات المنمقة، كي يهرب من مواجهة أسباب الجريمة،
ومتوهما أنها ستقدمه للمستمع كخبير في علم
القانون والجريمة.
قال في سياقها: نحتاج أن نُحي لدى الشعب ثقافة القانون!
تساءلت في سري: عجبا، هي يعي هذا الـ “معتوه” ما يقوله؟!!
عليه أن يُحي ثقافة القانون؟!!
لدى من؟؟؟
لدى شعب فقد أبسط ما يحتاج إليه البشر ليستمروا في الحياة،
بسبب غياب القانون وتسلط شريعة الغاب؟؟
كيف تستطيع أن تُحي ثقافة القانون مالم يكن هناك قانون؟؟!
لا شك أن هذا الوالد لم يقدم على قتل عائلته ونفسه إلا بعد أن انتهك
طغاة الوطن كل
القوانين التي يُفترض أن تحمي حقوقه كمواطن!
يقول نيلسون مانديلا:
“When a man is denied the right to live the life he believes in
he has no choice but to become an outlaw.”
(عندما يُسلب الرجل حقه في أن يعيش حياة كريمة،
لن يبقى أمامه خيار إلا أن يصبح خارجا عن القانون)!!!
كيف يستطيع هذا القانوني أن يقنع ذلك الشاب
الذي شرط بسكينه ملكية عامة وخربها،
كيف يستطيع أن يقنعه أن ما فعله هو انتهاك للقانون،
إذا كان أخو الشاب ملقيّا في أقبية المخابرات يتعرض لشتى أنواع التعذيب بلا محاكمة عادلة؟
أو كانت أمه قد طردت من عملها لمجرد تهمة وصمتها بالانتماء لحزب معارض،
أو كان والده قد خسر أمام خصمه في المحكمة لمجرد كون الخصم قريب القاضي،
أو راشيا له؟؟!!
هل يستطيع؟
طبعا لا…
هذا الشاب سيتشرب ثقافة القانون عفويّا وتلقائيا،
لو كان هناك قانون يحمي أخاه وأباه ووالدته،
ووجد نفسه متساويا أمام هذا القانون مع أي انسان آخر!
ثقافة القانون هي تحصل حاصل لوجود قانون،
وتحصيل حاصل لفرضه وحمايته بالقوة!
تذكرت بينما يجتر هذا المغفل كلماته المنمّقة،
دون أي مغزى أخلاقي يمت إلى الواقع بصلة،
تذكرت قول الشاعر السوري نزار قباني:
يا وطني الطيب يا وطني… قتلك سيوف الكلمات!!!
…………
كم مليون مرة تتكرر حوادث كهذه في المجتمعات القمعية،
يحاول فيه مظلوم أن ينتقم لظلمه بشكل أو بآخر،
فيتحول إلى ظالم آخر وهكذا دواليك؟!!
إذن لا تنتهي الديكتاتورية بمجرد أن تتخلص من الدكتاتور،
بل علينا أن نعيد صياغة المجتمع بدءا بأسفله وانتهاءا بأعلاه.
ويجب أن تتم عملية الإصلاح تحت عدسة المجهر، كي نرى مالا نستطيع
أن نراه في العين المجردة، فيكون الإصلاح شاملا وكاملا!

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.