دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٧٣)

الحكومة هي الطريق الأضمن لممارسة الطغيان،
والدين هو الطريق الأمثل لخلق هكذا حكومة!
الديكتاتورية ليست مجرد ديكتاتور ينفرد بقراره،
بل هي نظام متماسك ومقبوض عليه بقوة.

نظام له عادات وتقاليد ونمط حياة وطرق، يتبعها كل من يعيش في ظل هذا النظام،
لا فرق بين من يواليه ومن يعارضه إلا بالاسم!
……
رمي القمامة في الشوارع والمرافق العامة ظاهرة ديكتاتورية…
رائحة الفضلات البشرية التي تفوح من دورة مياه عامة هي ظاهرة ديتاتورية…
سبعين ألف مأذنة تطلق أصواتا نشازا في القاهرة هي ظاهرة ديكتاتورية…
الرشوة، الفساد، المحسوبية، وتجاوز القوانين هي ظواهر ديكتاتورية….
وسائل نقل داخلية لا تلتزم بأي جدول زمني هي ظاهرة ديكتاتورية….
فرض رسوم بدون أسباب مقنعة وانسانية هي ظاهرة ديكتاتورية…
الفرق الشاسع الواسع بين طبقتين من الشعب هي ظاهرة ديكتاتورية..
نساء وأطفال يطردون من منازلهم إلى الشارع هي ظاهرة ديكتاتورية…
والقائمة تطول ولا تنتهي….
كل من ساهم بتلك الظواهر هو ديكتاتور مارس بطشه بشكل أو بآخر،
مارسه ضمن حدود قوته، وضد من هم دون حدود تلك القوة!
……..
في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم،
كنت وزوجي مندفعين للحياة بروح شابة مفعمة بالطاقة والأمل.
اشترينا شقة صغيرة في بناية يملكها أبو حسين،
الذي كان أخو زوجته (عديله) ضابطا كبيرا في الجيش السوري!
أحد الأيام وبعد منتصف الليل سمعنا خبطا على الباب بطريقة وحشية.
فتحنا مرعوبين لنفاجئ بأبي حسين يصرخ:
أشعلوا المصباح الخارجي اللواء أبو فلان سيغادر شقتنا!
وكانت شقتهم في الطابق العلوي.
ليس هذا وحسب، كان يزعجنا يوميا منظر كومة من الزبالة على باب البناية.
رحنا نشكو لأبي حسين من هذا الأمر، فرد بغضب:
لا أعرف أي ابن حرام يفعلها!
أحد الصباحات اضطر زوجي لسبب ما أن يغادر البيت مع بزوغ الفجر،
وإذ به يضبط أبا حسين بالجرم المشهود، ويكتشف أنه هو ذلك الابن حرام!
لكي لا يمشي عشرين مترا باتجاه حاوية الزبالة يقوم برميها على الباب.
ما الذي يردعه؟
قريبه ضابط كبير، وهذا الأمر يخوّله ـ طبعا من وجهة نظره ـ لأن يمارس ديكتاتوريته.
أذكر يومها نشبت معركة كلامية بينه وبين زوجي، هجم على أثرها
أبو حسين عليه وانهال ضربا، وهو يزعق: ما عجبك انقلع يا ابن الـ….
لهذا تركنا له الوطن وانقلعنا…..


كان أبو حسين القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد أن هدّته
أطنان من الأثقال!!
صورة زوجي في تلك اللحظة انحفرت حية على جدران ذاكرتي،
وقف أمامي شابا غضا محبطا، بل مسحوقا حتى العظم، وقال:
لقد ارتكب الله جريمة كبيرة، عندما خلقني في هذا البلد.
ثم أردف باصرار: وعليه أن يكفّر عن جريمته!
وفعلا كفّر الله عنها!!!
فبعد ذلك الحدث بزمن ليس طويلا كان يحلق على متن طائرة اللوفتهانزا المتجهة
من دمشق إلى لوس أنجلوس،
مدينتان تفصلهما أربعة عشر قرنا من الزمن،
ومائة سنة ضوئية على أرض الواقع!!
ظل يرتجف في مقعده، ولم تسترخِ أعصابه حتى أيقن أنها
غادرت الأجواء السورية، وتلاشى مع دخانها خط الرجعة…..
……….
هو اليوم يتابع أخبار الوطن بدقة،
لكنني لم أره مرّة متأثرا بما يجري هناك.
كلما قصّ عليّ حكاية مسؤول سوري سمع عنها، يسميه “أبو حسين”.
دخل منذ يومين غرفة مكتبي واتكئ على الباب، ثم قال:
هل سمعتِ؟ لقد مات اليوم أبو حسين!
قلت: أي “أبو حسين” منهم؟
فرد: الدبلوماسي “الكبير” وليد المعلم…
يقال أنه فقع إثر مكالمة تلفونية مع “سيادته”، ثمّ تابع:
يبدو أنهما تهاوشا على ماتبقى من الجيفة!
وفعلا كان كرش المعلم ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكبر كلما نقص منسوب
الغذاء في الأسواق السورية، حتى شحّت تلك الأسواق مع الزمن،
وصار ذلك الكرش علامة فارقة!!
……
…….
لقد قتلتنا العلامات الفارقة……
*************************************
أعزائي القرّاء:
سأتابع الحديث عن الطغيان، والحياة في ظل حكومة طاغية.
أعرف أن الفكرة لم تكتمل، وآثرت أن أقلل من طول الفصل.
شكرا لمتابعتكم،
مع خالص محبتي، وكل عيد شكر وأنتم بخير❣️

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.