دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٧٢)

عندما تقبل أن تكون راكبا في عربة لستَ
فيها السائق، ولا يعنيك الطريق الذي تسلكه أو المحطة
التي تصل إليها،
عليك أن تقبل المكان الذي تصل إليه، لأنه كان خيارك!
الفردية هي أعلى أشكال الحرية،
وهي الحرية التي لا يستطيع
أحد أن يسلبك إياها بدون تنازل منك!
………………
في محاولة لزجنا في قميص واحد كي تسهل
عملية استعبادنا،
أقنعنا الإسلام أن يد الله مع الجماعة، بينما
هي أولا ـ وفي حقيقة الأمرـ مع الفرد.
عندما يكون الفرد قويا يساهم في خلق جماعة قوية،
بينما عندما تحشره غصبا عنه في بوتقة الجماعة يشعر
أن لا شيء يخصه ويميّزه، فيسمح لنفسه أن يذوب
ويتلاشى.
لم تخلق تلك الثقافة إلاّ جماعة ضعيفة هشة
لأن فردها ضعيف وهش!
لديك سلسلة فخور بتلاحم حلقاتها…
كل حلقاتها مصنوعة من الألماس باستثناء واحدة
مصنوعة من المطاط الهش…
مامدى قوة تلك السلسلة؟؟؟
هل هي أقوى من حلقة المطاط؟ طبعا لا…
هكذا هو أي مجتمع وأية جماعة…
الفرد الهش يقوض من قوة المجتمع، وعندما تكون كل لنبة قوية، يكون
البناء أقوى وأسلم.
الفرد القوي هو الأقدر لينخرط مع الجماعة ويتلاحم معها،
لأنه سبق وبنى ثقته بنفسه وشبع إحساسا بقيمته،
ولا يخاف من الانصهار في الجموع.
بينما الفرد الذي ولِد ليرى نفسه في قطيع كل واحد منهم صورة
فوتوكوبية عن الآخر، لن يشعر بتميزه ولا بقيمته، وسيعيش حياته
كقشة في جبل من القش!
نوعية الفرد هي التي تحدد نوعية الجماعة، وليس العكس!
……….……
يحضرني قول للفيلسوف البريطاني
John Stuart Mill
A state which dwarfs its men will find that with small men no great
thing can be accomplished.
(الدولة التي تقزّم أفرادها، ستكتشف لاحقا أن الرجال المقزّمين لا
يستطيعون أن يحققوا إنجازات عظيمة).
الفاقة التي نعيشها على كل مستوى من مستويات الحياة،
في هذا الشرق المعذب،
هي إنعكاس لرجال معنّنين ومقزمين!

………………….
قامت حرب وخلعت واحدا من أكبر طغاة العرب في العصر الحديث،
ألا وهو صدام حسين.
بعد حوالي عشرين سنة من عملية الخلع هذه، لم يتغير شيء بل حفنة
من الرجال المقزمين اُستبدلوا بحفنة من رجال مقزمين آخرين..
لماذا؟
يجيبنا على هذا السؤال المفكر الأمريكي جان غاردينر، بقوله:
The tyranny of mass society is not a matter of one man’s foot
on another man’s neck. It’s a tyranny of the formula.
(الطغيان الذي يمارس على المجتمع ككل، ليس قضية شخص يدوس على رقبة
شخص آخر، وإنما هو طغيان الصيغة)!
ولأن الصيغة بقيت نفسها تمّ استبدال صدام بصدّام آخر!!!
الصيغة التي تتحكّم بمجتمع هي إفراز ثقافته، وليست مجرد قرارات يصنعها الطاغية،
وخصوصا في المجتمعات الدينية التي يملك الدين فيها اليد العليا.
الديكتاتورية ليست مجرد ديكتاتور ينفرد بقراره،
بل هي نظام متماسك ومقبوض عليه بقوة.
نظام له عادات وتقاليد ونمط حياة وطرق، يتبعها كل من يعيش في ظل هذا النظام،
لا فرق بين من يواليه ومن يعارضه إلا بالاسم!
لقد أُثبت علميّا أن المجتمعات الحرة أكثر فوضى وأكثر تغيرا مع الزمن من
المجتمعات القمعية التي هي بالمقابل أكثر تماسكا وصلابة، وأكثر قولبة!
لكن الانتعاش الانساني والحضاري هو من نصيب المجتمعات الحرّة،
بينما الجمود والركود هو الحالة التي يعيشها كل مجتمع قمعي،
فكل إبداع هو حالة انعتاق من قيدٍ وتحليق خارج حدود المألوف!!
لذلك، لست متفائلة عندما يتعلق الأمر باستبدال حاكم بحاكم آخر،
طالما تحكمنا نفس الصيغة.
الصيغة الثقافية هي نفسها التي حكمت المعارضة والنظام في سوريا،
فكلا الطرفين جاءا من نفس الرحم الثقافي.
وهي نفسها التي تحكم المعارضة والنظام في أي بلد آخر،
يسمح للدين أن يسرح ويمرح بلا ضوابط!
في تلك الحالة إذا استبدلنا أي طرف بالطرف الآخر سننتهي كالمستجير من
الرمضاء بالنار!
الطغيان الديني هو أبشع أشكال الطغيان على الإطلاق.
هذه حقيقة عاشتها كل الشعوب المحكومة بسطوة الدين، بغض
النظر عن طبيعة النظام السياسي الذي يحكمها، لأنه مهما تعددت
أشكال هذا النظام، لا يستطيع أن يخرج عن الصيغة الدينية.
الخطورة في الدين أنه يمارس طغيانه خلسة ووفقا لشريعة “سماوية”،
تستطيع أن تبرر غير المبرر، وأن تمنح شهادة حسن سلوك لأرذل البشر!
المتدين وفي صراعه ضد القمع، قد يجد مليون سبب لقمعه.
كلها أسباب هامشية إن لم تكن وهمية، وتحجب السبب الحقيقي ألا وهو سوط “الله”
الذي يضرب به هؤلاء الطغاة!
……
الشخص الذي يعيش في قبضة الدين، يشعر دوما بالإختناق،
لكنه ـ باللاوعي ـ يبحث عن سبب آخر،
غير السبب الديني الذي يقمعه، ليحمله وزر قمعه،
إذ أن الخوف يمنعه من أن يقترب من عرش “الله”!!
…………..
يقول الشاعر والفيلسوف النيجيري
Wole Soyinca
the man dies in all who keep silent in the face of tyranny
(عندما يصمت الرجل في وجه الطغيان، يموت الإنسان في أعماقه)!
ولأنها لم تكن يوما ثورة ضد طغيان الصيغة،
مازلنا منذ أربعة عشر قرنا نستبدل أمواتا بأموات وأقزاما بأقزام.
والرجال المقزّمون الذين مات الإنسان في أعماقهم،
لا يستطيعون أن يحققوا انجازات كبيرة…..
**************************************
أعزائي القرّاء:
الموضوع طويل ولكن قسمته إلى فصول سأتحدث فيها عن الطغيان…
ولذلك الفكرة لم تكتمل، وستقرأ المزيد في فصول لاحقة…
خالص محبتي

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.