دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٦٥)

سيدة اقتطعت من أحد فصول هذا الكتاب عدة عبارات، اقتطعتها من سياقها الفكري،
ونشرتها على صفحتها تحت عنوان “هذه هي أخلاق السلطانة”!!!
متوهمة أنها تملك ريش الطاووس، وفي محاولة يائسة لنفش زغبها على حسابي،
عملا بقول الشاعر:
إن البغاث بأرضنا تستنسر!
……
في الحالات العادية لا أحد يدخل صفحتها أو يأخذها بعين الإعتبار،
لكن العنوان جذب بعضا من غلمان الفيس بوك،
فكتب أحدهم تعليقا، يطبطب به على كتفها:
(هذه نصيريّة ـ علوية ـ وموالية للمجرم بشار الأسد، تعيش في قصرها
ولا تأبه لكارثة شعبها، هل سمعتِ في حياتك أنها تبرعت
لجمعية خيرية)؟!
يبدو أنه حكم عليّ من خلال مقارنته لي بخادم الحرمين الشرفين،
الذي ضحى بكل أمواله في سبيل أخوته السنة في سوريا،
سرا وعلانية(!!!!!!)،
أما أنا فلم أفعلها….
أو هو يريدني كوجهاء مسجده، الذين هم كالفرخة التي
تمصّع بيضة صغيرة فتملأ الحي بقيقا،
لا يناولون أحدا كسرة خبز
إلا أمام الكاميرات والميكرفونات!
لن يصدق أن وفاء سلطان تتبرع حتى تسمع الهند
والسند، وتذيعها الـ سي إن إن وفوكس نيوز!
وكم يعنيني أن يصدق أو لا يصدق!!!
بالعكس تماما، يسعدني جدا أنه لم يسمع في حياته أنني تبرعت لجمعية خيرية.
لأنها حقيقة تعكس أخلاقي، وتفضح مفهومهم للخير، وسلوكياتهم
عندما يتعلق الأمر بفعل الخير!
يعود بي هذا التعليق إلى مفهومي للذكاء الأخلاقي، والذي تعلمته هنا
في أمريكا!
للذكاء الأخلاقي سبعة معايير، لست هنا بصدد شرحها، ولكن أود أن أشير
أن أحدها وأهمها هو: المنطق!
إذ لا تستطيع أن تكون خلوقا مالم تملك الحد الأدنى من المنطق!
حسب منطقهم:


ـ من كان علويا، هو بالتأكيد موال لبشار الأسد!
ـ من يعيش في قصر هو شخص سيء للغاية، وخصوصا إذا كان علويا.
ويُستثنى من هذه القاعدة أثريائهم،
لأنهم يتبرعون بالسجاد العجمي والثريات الفاخرة لجوامعهم!
ـ من لم تسمع أو تقرأ عنه أنه تبرع لجمعيات خيرية، هو ـ بالتأكيد ـ إنسان
بخيل وسافل!
هذا هو منطقهم، وبناءا عليه نستطيع أن نقيس مستوى الذكاء الأخلاقي عندهم!
إنه الإسلام الذي ساهم إلى حد كبير في
الفاقة الأخلاقية التي يعاني منها معظم أتباعه، وخصوصا عندما يتطلب الأمر
بعض المنطق!
…….
كان الحاج محمود، وكلما عاد من الحج، يتبرع بسجادة لجامع الحي الذي
كنت أعيش فيه.
فور عودته كان الزعيق يبدأ من أربعة ميكرفونات منصوبة على مأذنة
الجامع، تكبر وتهلل لهذا العمل النبيل!
الله يرحم جارتي الحلبية “أم أحمد” التي كنتُ أعيش
في بيتها بعض الوقت أيام دراستي في حلب.
لم تكن أقل ذكاءا من السيدة عائشة (رضي الله عنها وأرضاها)، عندما
كانت تواجه محمدا بقولها “أرى الله يسارع لك في هواك”.
على غرارها كانت أم أحمد وببراءتها المعهودة وامتلاكها لروح النكتة،
كانت تردد فور سماعها زعيق الجامع:
( وبااااا يؤوشو…. بيتبرع بحصير وبؤولو سجادة،
ياموووو…شوي تاني رح يؤولو سجادة عجميّة)!!!
(وبا يؤوشو: باللهجة الحلبية تعني: انشالله يحصده الوباء)
نعم، أمام الملأ كان الحاج محمود يضرط حصيرا من القش
فتخرج من ميكرفون الجامع سجادة من الصوف العجمي!
لم تستطع حصيره يوما أن تملأ بطنا خاوية
أو أن تثري عقلا ضحلا!
ولم يستطيع أحد أن يعترض على ذلك،
فالحاج محمود يملك نصف الحي،
ويضع جميع روّاد الجامع في جيب دشداشته!!!!
هذا هو منطقهم ومستوى ذكائهم الأخلاقي،
ولا تستطيع أن تغيّر منطق شخص نحو الأفضل،
طالما يقتات منه،
أو يحاول من خلاله أن يبيّض سواد ضميره على حساب سمعة غيره)!!
……..
سأبيع هذا الغلام علويتي بقشرة بصلة،
لو قبل أن ينضج إنسانيا وأخلاقيا،
وينظر إليّ كإنسانة أقرب إليه من بياض عينه إلى سوادها.
ليس هذا وحسب، بل سأشاطره خبزي شرط أن لا تعرف يده
اليسرى ما أخذت اليمنى!
لكن طالما يتغلغل الإسلام عميقا في الوعي واللاوعي عنده،
من المستحيل أن يطهّر نفسه من خبثها وحقدها وغلوّها!
تباً لإله وهمي قبل أن يخلقنا يحدد أدياننا وطوائفنا ويحفر خنادقا بيننا….
…………….
يقول الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون:
“The masses have never thirsted after truth.
They turn aside from evidence that is not to their taste, preferring to deify error, if error seduce them.
(الجموع لا تشعر بالعطش لمعرفة الحقيقة،
لا يريدون أن يروا البراهين التي لا تتماشى مع أذواقهم،
هم يفضلون أخطاء الآلهة، مادامت هذه الأخطاء تخدرهم)!
بقدر ما هي محبطة تلك الحقيقة، قادني إحباطي إلى حقيقة أخرى،
ألا وهي:
ليس شرطا أن تعي تلك الجموع أبعاد وتفاصيل الحقيقة.
كل مايحتاجه هذا العالم هو نخب قيادية شجاعة،
تعرف كيف تلجم القطيع المغيّب عن الوعي وتضبط سلوكياته،
بطريقة تمنعه من أن يتناطح ويؤذي
بعضه البعض.
وعليها أيضا أن تضمن له مراعيه وتشغله بكتبه الدينية المقدسة،
فاللقمة هي غايته، وكتابه الديني هو حدود حريته وقمة رفاهيته!
هذه الحقيقة أعيشها بحذافيرها هنا في أمريكا،
بينما في بلادنا مازال القطيع، بمختلف أديانه وطوائفه يتخبط بلا قيادة.
قاذوراته تملأ اسطبله، وتقوده من وضع قذر إلى وضع أقذر!!
أذكر بهذا الخصوص،
قرأت أنه في الخمسينيات من القرن المنصرم، كان رجل أمريكي
ـ نسيت اسمه ـ مرشحا للرئاسة الأمريكية.
بدأ يخطب في الجموع عن برنامجه الانتخابي، فوقفت امرأة وصاحت:
يالك من مرشح عظيم، يجب على كل أمريكي يملك ذرة عقل أن ينتخبك!
رد على الفور: هذا لا يفيدني، أحتاج إلى الأكثرية لأفوز!
طبعا خاصية القطيع المغيّب عن الوعي موجودة لدى كل شعوب الأرض،
والأقلية في كل شعب هي التي تملك عقلا، وهي وحدها المرشحة للقيادة.
إذ أن القضية هي ـ عموماـ قضية نخب وقيادات، وليست قضية جموع وقطيع!
هل مطلوب منا أن نبني جامعة سوربون كي تقنع زغلول النجار أن تأجير
فرج زوجته لغيره في حال غيابه رذيلة وانتهاك لحرمة المرأة؟!!
طبعا لا…
عندما يسقط رجل في مستنقع كهذا، ستكون محاولة انتشاله استنزافا بالمطلق!!
لكن المطلوب أن تضع النخب القيادية قوانين تحمي فرج المرأة،
في حال قررت هي أن تحميه،
وتضمن تطبيق تلك القوانين بحذافيرها، وبقوة!
كلما تبلورت طبقة النخب وزادت قدرتها على القيادة بحكمة وعقلانية،
كلما كان ذلك مؤشرا على تقدم ورفاهية المجتمع الإنساني، بغض النظر
عن طبيعة قطيعه!
إذ لا يمكن أن تحرر من يرى نفسه رهين عقيدة، أيا كانت تلك العقيدة.
لكنك، كقائد، ملزم أن تضمن له حياة كريمة ضمن حدود حظيرته،
وتحمي غيره من حوافره.
وهذا حق القطيع على القيادة!
……
أنا أكتب لمن يرى في نفسه قائدا،
وليس لمن يريد أن يبقى ُمقيّدا ومُقادا!
وكلي أمل أنه من بين دفتي هذا الكتاب، ستتمخض الحياة
لتنجب تلك النخب
القيادية التي طال انتظارنا لها في هذا الشرق المعذب!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٦٥)

  1. س . السندي says:

    من ألأخر

    ١: عزيزتي د. وفاء سلطان ، أنت دائما متنورة ومبدعة وقوية ؟

    ٢: سيدتي هل رايت يوما قطيعا بنى قيم أو نشأ حضارة ، والمصيبة بدل ان يقودنا عاقل متنور يقودنا أحمق مغرور وجاهل ، لذا مسيرتنا تبقى نحو الهاوية ، ليصدق قول السيد المسيح (اعمى يقود اعمى مصير الاثنان السقوط في الحفرة) ؟

    ٣: واخيرا
    يقول السيد المسيح (أن صليت فصلي في الخفية ، وان أعطيت فلاتعلم شمالك ما عملته يمينك ، والا تكونو قد أستوفيتم اجركم ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.