دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٦٤)

ثلاثة سيناريوهات سأتخليها في نهاية هذا الفصل،
وسأطرح سؤالا واحدا بعد كل سيناريو، سؤالا يكاد يكون نفسه،
والجواب المنطقي والخلوق يجب
أن يكون بنعم أو لا، قبل أن تلف وتدور…..
………
ليس ضروريا أن أشرح، فالكل يعرف أن منطقتنا الشرق أوسطية، وبسبب لعنة كونية،
احتضنت الأديان الإبراهيمية، سواء اعترفت ببعضها أم لم تعترف!
والكل يعرف الكوارث التي تركتها في المنطقة، وفي العالم كله.


الأديان عموما تجمّد العقل، وتغيّم البصيرة، وتشوش المنطق، لأنها حدية
ومحفورة بالصخر.
والعقل، كما هو المنطق والبصيرة، لا ينتعش إلا في جو من الحرية والإنعتاق من كل قيد.
فتصور بالإضافة إلى تأثيراتها السلبية تلك، أن يزعم كل منها أنه أتى ليلغي الدين الآخر!
……..
عندما أتناول فكرة دينية لا تحمل أي بعد أخلاقي، عندما أتناولها بالنقد معتمدة على
حقائق علميّة نفسية وسلوكية يجن جنون أتباعها،
فما بالك عندما يزعم دين أنه جاء من نفس الإله ليلغي دينا سابقا،
هل لك أن تتخيل الأحقاد التي يزرعها عبر القرون،
وما ينجم عنها من حروب وسفك دماء؟

أول فكرة طرحتها عن أخلاقية آية في الانجيل تؤكد أن الله يحمل عنكم آثامكم،
وطرحت معها سؤالا في منتهى العقلانية:
ما الذي سيردعك عن ارتكاب تلك الآثام طالما تؤمن بأن الله يحملها عنك؟

هذا السؤال تسبب في خسارتي لنصف
أصدقائي على الفيس بوك، وأكثر من النصف على أرض الواقع!!!
فهل لك أن تتصور الأحقاد التي تراكمت بسبب
زعم كل دين أنه جاء لينسف ماقبله؟؟؟
أنا لم أحاول أن أنسف دينا على حساب دين، وإنما أحاول أن أخاطب العقل والمنطق،
ومع هذا جن جنون أتباع كل دين.
……………
بخصوص المسلمين: حدث بلا حرج!!
ليس لديهم مزح، فالسيف عقيدتهم، وقطع الرقاب سنة!

أما بخصوص خرافات الكتاب المقدس،
لم أكد أفتح فمي حتى انهالت علي الضربات من كل حدب.

أليس من حقي أن استغرب هذا الإله الذي يرسل دينا،
ثم يرسل دينا آخر لينسفه من أساسه؟!!
أليس من حقي أن اشكك في مصداقيته وفي أخلاقه؟؟؟!!
أليس من حقي أن اؤمن بأن لا يوجد شرّ في تلك المنطقة الملعونة، إلا ومصدره صراع الأديان،
وما سببته من تخندق وانقسام؟؟!

……
لا أعتقد أن أحدا سيختلف معي عندما أقول:
المسلم المتمرد على دينه، سيكون أكثر قبولا بين المسلمين عندما يعلن إلحاده،
على أن يتحول فيصبح مسيحيا أو يهوديا.
وكذلك الأمر بالنسبة للمسيحي، سيكون أكثر قبولا بين المسيحيين عندما
يعلن إلحاده على أن يعلن يهوديته أو إسلامه!
وكذلك الأمر بالنسبة لليهودي…
إذن، ليس الإيمان بخالق هو الغاية من أية دين، فالهوية الدينية لا تفرض
الإيمان بخالق أكثر مما تفرض ما يتناسب مع مصالح القائمين عليها!

…..
تصور أن تأتي بين ليلة وضحاها، وبسرعة البرق،
أن تأتي لإنسان متدين مبرمج بطريقة حديدية، له ألف عام وهو يضج ويركع،
ولا يراها إلا عنزة ولو طارت، وتقول له وبدون مقدمات:
نفس الإله الذي أرسل لك دينك، قرر
أن يلغي هذا الدين، وأرسلني أنا لألغيه وأستبدله بدين جديد!

يريد أن ينقلك من خرافة تقولبت عليها، إلى خرافة يريدك أن تتقولب عليها!!!
إذ لا تستطيع خرافة أن تدحض خرافة أخرى، وخصوصا عندما لا تملك أي منهما
بعدا أخلاقيا أو انسانيا!
أين الحكمة؟؟
أليس في ذلك، تقزيم للإله نفسه، ناهيك عن تقزيم المؤمنين به؟!!

عندما تسأل: لماذا تجسد الله في المسيح؟
يقولون لك: كي يستطيع الإنسان أن يستوعب الإله، ويتعرف عليه عن كثب!
ويبقى السؤال: ألم يكن الله يعرف ذلك قبل اليهودية؟
لماذا لم يتجسد ويأتِ من بداية الخليقة؟
لماذا أرسل اليهودية كمقدمة، وهو الأدرى بخفايا النفس البشرية، وبأن
إلغاء دين على حساب دين آخر سيخلق الكثير من المتاعب والإنقسامات،
وبالتالي سيسبب الكثير من الشرور؟؟
ألم يكن يدري أن تعبيره “خراف بني اسرائيل الضالة” تعبير سيشرخ البشر
إلى الأبد؟؟
……
تسأل: لماذا جاء محمد؟
لأن المسيحيين قد ضلوا واليهود قد نالوا غضب الله….
ما شالله!!! جاب “الدب من ديلو”!!
وماذا عن الهنود الحمر؟ ألم يكن يعرف أنهم موجودون،
ولا يعرفون شيئا عنه؟؟؟
لماذا لم يرسله منذ البداية ويوفر على العالم هؤلاء “المغضوب عليهم والضالين”،
لو فعل ذلك لكان العالم اليوم كله مسلمين مهتدين وينعمون برضاه، كما
هم المسلمون اليوم(!!!!!)
لماذا كان واثقا أن المسلمين سيهتدون، ولم يدرك في حينها أن اليهود والمسيحيين سيضلون
وينالون غضبه؟؟؟
لماذا لم يستطع أن يهديهم كلهم كي يوفر على البشر هذه الحروب والمآسي؟؟

ماهذا الإله الذي يجرّبنا وكأننا أحذية، حتى يجد فردة على مقاسه،
والكارثة أنه مازال حافي القدمين!!!!

ثم ألم يكن آدم وحواء معه في السماء، ويعرفونه عن كثب؟؟
ألم يسمعا خطواته ماشيا كما جاء في الكتاب المقدس؟؟
يبدو أن نعل حذائه كان ثخينا ومدببا، ويصدر صوتا قويا…

فلماذا نسوه أو تناسوه هم ونسلهم مع الوقت؟
كيف نسوه قبل أن يتجسد، رغم أنهم كانوا معه ويعرفونه؟ ولم ينسوه
على مدى ألفين عاما بعد أن تجسد؟
ماذا استفدنا من هذا الله؟؟ ماذا استفدنا من رسله؟؟؟
غير المزيد من الضغائن والكراهية والأحقاد!!!!
ماضرّ لو أرسل منذ البداية دينا واحدا، دون الحاجة لأن يرمي سيفا بين الإنسان وأخيه الإنسان؟

أرسل موسى وقال لأتباعه: أنتم شعب الله المختار!
ثم غير رأيه وتجسد في المسيح، وقال لأتباعه: أنتم ملح الأرض!!!

لماذا غير رأيه؟ لماذا لم يتجسد منذ البداية ويوفر
على البشرية الصراع بين اليهود والمسيحيين؟

تجيبني صديقة مسيحية ببعض الارتباك: أراد أن يرسل رسالته بالتدريج؟
وأسألها: أي تدريج؟!!!
نطّ من “العين بالعين والسن بالسن” لـ “أحبوا أعدائكم”، أين هو التدريج؟؟
ألم ينسف اليهودية بالضربة القاضية؟؟!!
…..
ثم ـ وعلى ذمة المسلمين ـ غير رأيه وأرسل محمد، وقال لأتباعه:
أنتم خير أمة أخرجت للناس؟

طالما يعرف أن اليهود والمسيحيين سيضلون وينالون غضبه،
لماذا لم يرسل محمدا منذ البداية، ويوفر على البشرية هذا الصراع الذي يدير رحاه
المسلمون اليوم؟؟؟
يرد صديق مسلم: جاء ليكمل مكارم الأخلاق!!
فأرد: أية مكارم أكملها؟ وهل الله يرسل مكارم الأخلاق بالتقسيط؟
دلني على مكرمة واحدة جاء بها ولم تكن معروفة
للإنسان منذ بداية حياته في الكهف، فالكود الأخلاقي مغروس في شفرته؟

……..
بناءا على ما تقدم، بودي أن أتخيل ثلاثة سيناريوهات، وأطرح سؤالا واحدا بعد
كل منها:
السيناريو الأول:
لنفرض جدلا أن هذه الأديان لم توجد إطلاقا، وظل إنسان المنطقة
يفكر بخالق هذا الكون، ولديه مطلق الحرية أن يتخيله كما يشاء، ويتبعه كما يشاء.
يبقى السؤال:
هل كان العالم، وتحديدا منطقتنا الشرق أوسطية، في وضع أسوأ مما هو عليه الآن؟؟؟
شخصيا، لا أتصور أن هناك وضعا أسوأ!

السيناريو الثاني:
لنفرض جدلا أن المسيح قد جاء بنفس الرسالة التي جاء بها،
لا زيادة ولا نقصان، باستثناء أنه كان مستقلا عن اليهودية، ولم يعلن
أنه جاء إلى خراف بني اسرائيل الضالة!
لو كان الأمر كذلك، ألا تتصورون أن الوضع سيكون أفضل مما هو عليه؟

السيناريو الثالث:
لنفرض أن محمدا قد جاء بنفس الرسالة التي جاء بها،
غزو وغنائم وسبي ونكاح وبكل سلبياته، لا زيادة ولا نقصان، ولكنه أنشأ دينا جديدا.
لم يخلط بين ذلك الدين من جهة والمسيحية واليهودية من جهة ثانية.
ولم يزعم أنه جاء لإصلاح المغضوب عليهم ولا لهداية الضالين، ولا لتكفيرهم،
بل جاء إلى الإنسان عموما….
ألا تتوقعون بأن الوضع كان أقل سوءا مما هو عليه اليوم، رغم كل سلبيات ذلك الدين؟؟؟
……………
البوذية والهندوسية عقيدتان قديمتان قدم التاريخ البشري، ومتداخلتان في
الكثير من أفكارهما وتعاليمهما.
الزرادشتية والمجوسية عقيدتان قديمتان قدم التاريخ البشري، وأيضا متداخلتان
في الكثير من أفكارهما وتعاليمهما.
لكن، ولأنه لم تزعم أي منهما أنها أتت لتلغي الأخرى، لم يحدث
عبر التاريخ أي صراع بينهما، وبالتالي لم نسمع عن سفك دماء!
…………….
لم أصل إلى تلك التساؤلات والقناعات بين ليلة وضحاها، وليس عن طريق
استنتاجات عابرة…
ستة عقود من الزمن قادتني إلى من أكون اليوم…
هذا العالم المتخم بالحقد والكراهية، والذي ينفجر اليوم
نارا وبارودا ودمارا….
هؤلاء المتدينون القبيحيون إلى حد التقزز…
هذه الأديان التي لا يقبلها عقل أو ضمير، ناهيك على أن يقبلها العلم…
هذه الجموع المغفلة والمغيبة عن الوعي، والجائعة، والمقادة من قبل أشباه
رجال فقدوا انسانيتهم…
كل تلك الأمور التي تتحكم بدقائق الأمور في حياتنا،
كلها أجبرتني على أن أدفش كل القناعات والعقائد والأفكار
تحت عدسة مجهري…
فخرجت منها بعد تدقيق وتمحيص،
خرجت بقناعة نقيّة ككرة من الكريستال، ألا وهي:
أنني لا أنتمي إليها…..!!!!

والعلاقة التي تربطني بقطي بسبوس أقدس وأسمى بمليون مرة،
من علاقة متدين مهووس ومنافق بمتدين آخر ينافسه على هذا الكائن الخرافي المجرم،
الذي يسمونه “الله”!!
*********************************
عزيزي القارئ:
أبحرت في مواقع وكالات الأنباء، وكلي يقين أنني سأجد
صورة تستطيع أن تجسد ألمي حيال الكارثة اللبنانية، وحصلت على ضالتي!!
لقد قيل: صورة واحدة تساوي ألف كلمة…
أما أنا فأقول:
لقد عبّرت تلك الصورة عن كل ماوددت أن أقوله، وعن كل ما أشعر به!😢😢😢

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.