دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٦٢)

عام ٢٠٠٩ نشرت كتابي الأول باللغة الإنكليزية وكان بعنوان
A God Who Hates
“الإله الذي يكره”.
قبيل نشره تلقيت نصيحة من بعض الأصدقاء المقربين الذين
لهم باع طويل في النشر والطباعة، وخصوصا السيدة التي قامت بتنقيحه،
أن أقوم بتغيير العنوان إلى “الإله الذي يحب”،
على أن أترك المضمون كما هو، وأضيف صفحة أتحدث فيها عن
أن الله محبة!
رفضت!!!
وكلفني هذا الرفض نجاح الكتاب!
الكتاب لم يفشل، لكنه لم ينجح كما أردت له أن ينجح.
………
لا يمكن أن ينجح أي كتاب في أمريكا، بالمعنى الحقيقي للنجاح، إلا من خلال مؤسستين لا ثالث لهما.
ـ الأولى هولييود: بمعنى أن تدعم هولييود الكتاب
كي تتلقفه ـ بناءا على ذلك الدعم ـ الميديا الأمريكية وتروّج له،
وهذا أمر مستحيل أن يحدث مع كتابي.
فهوليوود يسارية، وكعادة اليساريين، لها مصالح وتلعب على جميع الحبال.
لا تريد أن تهدم جسرا مع العالم الإسلامي، وتحديدا السعودية!
الثانية الكنائس:
بمعنى أن تروّج الكنائس للكتاب بالسماح له أن يدخلها.
وهذا كان مستحيلا مع كتابي،
لأنني لم أعتنق المسيحية، ولو فعلت وأعلنت ذلك في الكتاب،
لبلغت حصتي من مبيعاته الملايين.
لم تسمح كنيسة واحدة ـ بما فيها الكنائس العربية ـ للكتاب أن يدخلها،
وكنت أعرف ذلك سلفا، ولم أُفاجئ!
رفضت الإلتزام بالنصائح التي وُجِّهت لي، لأنني باختصار لا أكذب،
ولا أتاجر بحقيقة مشاعري،
وقد فعلها الكثيرون، ولا داعي لذكر أسماء!
يقول شكسيبر:
No Legacy is so rich as honesty
لن تترك إرثا أكثر ثراءا وغنى من مصداقيتك!
نعم، رفضت أن أبيع مصداقيتي!
فأنا منذ بداياتي لا اؤمن بأي دين….

……..
دار النشر التي أخذت على عاتقها طبع الكتاب، ودفعت لي سلفا مبلغا
لا بأس به، كانت تعرف أنني مجردة من أي دعم من قبل هاتين المؤسستين،
اللتين سبق ذكرهما، لكنها اعتمدت على مقابلتي في الجزيرة، والشهرة
التي نلتها بعد تلك المقابلة.
إذن، الجزيرة كمنبر اسلامي هي التي ـ وبدون قصد ـ
كانت وراء شهرتي في بداياتها،
وبدون أي دعم من مصدر آخر.
ورغم أنّ الكتاب كان قد تُرجم إلى أكثر من لغة، كانت حقوق الترجمة ملكا
للناشر، ولم أحصل من الجمل إلاّ على اُذنه!
لا يهم، فلقد احتفظت بمصداقيتي وضميري، �وهما سرّ الرضى الذي يسربلني!
في السنوات الأولى بعد صدور الكتاب كنت مازلت أشتغل
وغارقة في مسؤوليات الحياة حتى شوشة رأسي،
كان زعيق مجانين المسلمين يومها يصم الآذان:
(الكنائس وراءها، اليمين المسيحي المتطرف يدعها ويدفع لها)!!
وكنت أمام ذلك الزعيق، أهمس: تلحسوا!
واسابق الريح إلى الأمام….
…..
أهم شيء في الحياة أن يعرف الإنسان نفسه!
ولقد كنت اعرف من هي وفاء سلطان منذ أن بدأت.
لذلك، لم يستطع إعصار أن يهزني، ناهيك على أن يهزمني،
فالجبال وُجدت لتصمد في وجه الأعاصير!
………….
البعض استخدم ظهوري على بعض القنوات المسيحية برهانا على دعم
الكنائس لي، وهنا أحب أن أوضح نقطة ضرورية جدا.
نعم لقد ظهرت على تلك القنوات ولست نادمة،
بل أشكر كل قناة سمحت لي أن أقول ما أود قوله،
بغض النظر عن الأسباب التي استضافتني من أجلها،
فلا شك أن لكل قناة أسبابها.
لكن في الوقت نفسه، أتحدى أيا من هذه القنوات أن تخرج اليوم إلى الملأ
وتقول ماذا دفعت لي،
ومن استفاد من الآخر!
�لقد قبلت بالظهور، وسأقبل بالظهور على أي منبر،
طالما يعطيني مطلق الحرية أن أقول ما أريد قوله.
تركت اليوم هذه القنوات ـ بمحض إرادتي ـ لسبب رئيسي وجوهري،
ألا وهو أنني قلت كل ما أود قوله في المرحلة الأولى من صراعي مع الإسلام،
ووصلت إلى نقطة لا أريد عندها أن أستمر في جلد حصان ميت!
ليس مستحيلا أن تصل إلى القمة،
ولكن يتطلب البقاء هناك جهودا جبارة.
لقد وعيت على هذه الحقيقة، وأدركت أن القارئ سيملّ لو استمريت في
تكرار نفسي، وسأتدحرج بسرعة نحو الهاوية!
ليس هذا وحسب، بل لاحظت أن قارئ العربية يعيش حالة من الفراغ
الروحاني والأخلاقي، وليس هناك من هو مؤهل أكثر مني ليملأه،
فقررت أن أنتقل إلى مرحلة جديدة!
هذه المرحلة يجسدها كتابي “دليلك إلى حياة مقدسة”،
ولا شك أنها تتعارض مع رسالة
تلك القنوات، فتركتها كي لا تساهم في تحجيمي،
وكي لا أكون سببا في إحراجها!
أذكر مثالا، كي أوضح الفكرة:
في أحد برامجي من على إحدى هذه القنوات،
استشهدت مرّة بقول جميل جدا لبوذا، وكان:
(الجندي الشجاع هو من ينتصر في المعركة دون أن يدخلها)
فتلقيت رسالة الكترونية من القائمين عليها،
يطلبون ـ وبأدب ـ أن لا أستشهد بعد اليوم بإله “وهمي”.�
ضحكت وأدركت أن الوقت قد حان كي أمشي قدما إلى
الأمام، ولا أنظر إلى الوراء،
لإيماني بأن كل قول جميل في الحياة هو نفس من أنفاس الله!
عجبا، لو سمعني السيّد المسيح استشهد بهذا القول الجميل،
هل كان سيعترض؟
وهو القائل: اغمد سيفك، من أخذ بالسيف بالسيف يهلك!
علما بأن قول بوذا هذا قد قيل أولا، وقبل خمسمائة عام من مجيء المسيح!
فإذا كنا نؤمن بدعوة المسيح إلى السلام،
ما الذي يمنعنا من أن نستشهد بدعوة أي إنسان آخر إلى السلام؟؟!!
هل تلاحظون معي كيف يخندقنا الدين مهما كانت تعاليمه سامية،
ومهما التقت تعاليمه مع تعاليم دين آخر!!
على كل حال، لا أكن لتلك القنوات إلا خالص محبتي وجزيل شكري،
ولا أملك شيئا ضدهم!
من حقهم أن يكون لهم رسالة، ومن حقهم أن يرفضوا أية فكرة
لا تتماشى مع رسالتهم!
…..
إذن، أنا لم أتغير، ولم أغيّر موقفي،
ولكنني انتقلت إلى مرحلة جديدة،
فأنا أنا منذ أن بدأت!
من على منبر الجزيرة وفي أول لقاء تلفزيوني لي صحت، والكل يذكر:
أنا لست مسلمة ولا مسيحية ولا يهودية،
آمن بالحجر ولا تضربني بها!
لكن الحقيقة المرّة أننا نعيش في عالم منافق ودجّال.
لا يهمه صدق مشاعرك، بقدر ما يهمه زيف ولاءك!
في حين لا شئ أهم من أن تسند رأسك على مخدتك في نهاية النهار،
وتنام غير قلق على كذبة صنعت يومك!
…….
أما زعيق المجانين من المسلمين وزراريهم من اليساريين والملحدين و”العلمانين”:
الكنائس تدعمها!
فلم يكن بالنسبة لي إلا فرقعة من الضراط على سطح من البلاط.
لم أنتبه يوما للذين يثرثرون من وراء ظهري، لأنه خلقوا ليبقوا وراء ظهري!
من يعيش في عليائه متقمصا ذاته العليا، لا يسمع صوت الزعيق، لأنه
مغلف بصمت الإله…….
لقد قيل:
Rumors are carried by haters, spread by fools, and accepted by idiots
الإشاعات يصنع الحاقدون وينشرها المغفلون ويصدقها الأغبياء!
فكيف إذا اجتمعت كل هذه الصفات في أمة واحدة!!
***********************************************************************
أعزائي القراء:
لكي تعرف أي نوع من الإله تعبد انظر في وجوه اصدقائك ومن حولك…..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.