دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٥٨)

لم يتشرذم المتدينون وحسب، بل راحت كل شرذمة توصم الأخرى
بالشر، وتعتبر أتباعها دون غيرهم أصحاب الفرقة “الناجية”، أو من
أهل “الخلاص”!

كان الوصم جريمة أخرى ارتكبتها الأديان بحق البشر، فخلقت
عقلية متصلبة حدّية، لا ترى إلا قطبين، وتوصم الحياة وفقا
لهذين القطبين!
الله والشيطان، الخير والشر، الصالح والطالح،
المؤمن والكافر، الجنة وجهنم، الخلاص والموت، وقس على ذلك.

علما بأن الحياة لا يمكن أن تكون أيا من النقيضين بالمطلق،
بل هي الطيف الذي يمتد بينهما والذي لا حصر له،
ذلك الطيف الذي يعطي للحياة جمالها ومعناها.
………
تتشوه الطبيعة البشرية كلما حاولت أو اُجبرت أن تفرط
سلوكيّا باتجاه أحد النقيضين!
في علم النفس حتى التضحية في سبيل الآخرين إلى حد إنكار الذات،
يُعتبر اضطراب نفسي، وهو الوجه الآخر للـ “أنانية”!
فالإنسان خُلق لينشد الخير ويتجنب الشر ويوازن في لعبة شد الحبل!

لذلك، لا يوجد متدين متطرف وآخر معتدل.
التدين يعني التطرف، ولكن لكل متدين ظرفه، والذي وفقا له يستطيع
أن يمارس تطرفه، أو لا يستطيع.
بمعنى أنه وتحت الظرف الملائم سيمارس المتدين تطرفه وبكل أريحية،
إذ سيجد مليون مبرر له!

طالما يستطيع الدين أن يقنعك بأن ترى الناس
وفقا لهذا القطب أو ذاك، وبشكل حدّي للغاية ، يستطيع أن يجعلك
تنحاز لهم ظلما، أو ترفضهم ظلما من خلال هذا التصنيف!
…..
لقد ورثنا عن الأديان ثقافة تأليه أو شيطنة الآخر، مع فقدان القدرة على
رؤية الطيف الممتد بين الإله والشيطان!
فإذا أحب أحدنا شخصا وضعه في مرتبة الإله، وإذا كرهه
صوره لنا على أنه التوأم الروحي لإبليس!
وفي كلا الحالتين، الحكم جائر ولا يجسد الواقع بشكل من الأشكال!
……
ثم أين هي العدالة الإلهية التي لا تعرف إلا حكمين، الجنة أو النار،
الخلاص أو الموت؟؟؟
هل بامكانك أن تتخيل محكمة بشرية لا تحكم على المتّهم
إلا بالموت، أو بإطلاق سراحه وتبرئته بالمطلق،
وذلك بناءا على موقفه من القاضي، وبغض النظر عن طبيعة التهمة؟؟؟
……..
هل تستطيع أن تتصور أن الله يمنح الإنسان فرصة واحدة،
وهي عبارة عن بضع سنين يعيشها على الأرض، ليحدد
من خلالها مصيره الأبدي؟
دون أن يأخذ بعين الإعتبار الظروف التي ولد بها وعايشها، والإمكانيات
العقلية والمعرفية التي ملكها،
والأهم أن يأخذ بعين الإعتبار قصر عمره الزمني مقارنة بالعقوبة الأبدية؟؟؟
هل ترى في هذا الحكم أي عدالة؟؟؟

تخيّل أن يحكم الله عليّ وعلى إنسان آخر بنفس المقياس، علما بأن الفرق
بين ظروفي وظروفه وإمكانياتي وإمكانياته لا يُقاس!

في أمريكا عندما يرتكب شخص جريمة، حتى ولو كانت فظيعة، يبحث
محامو الدفاع في تاريخه ومنذ طفولته، علهم يجدون معاناة من نوع ما،
كي تخفف من شدة الحكم.
بعد الفضيحة الجنسية التي طالت الرئيس الأمريكي بيل كلنتون،
قالت زوجته هيلاري في إحدى مقابلاتها:
لا تنسوا أنه عاش طفولة معذّبة وصعبة للغاية!!

فكيف يحكم الله على إنسان حكما أبديا،
من خلال فرصة ليست أكثر من ومضة في عمر الزمن؟؟؟
أين العدالة؟
……
فكرة المصير الأبدي سواء كان ـ الجنة والنار أو الخلاص والموت ـ
تشكل واحدة من أسوأ الأفكار التي أتت بها الأديان،
وأكثرها تخريبا للعقلية الدينية!
تجرّد المتدين من قدرته على ظروف الآخر بعين الإعتبار، وبالتالي يجرّده من
قدرته على الحكم على أية قضية بمنطق وبأمانة، وبدون تطرف.
فالإنسان هو صورة فتوكوبية عن الإله الذي يعبده!!!!
…….
من جهة أخرى، تبقى العقلية الدينية،
وبشكلها المستقطب الذي يؤمن بأن كل شيء عبارة عن
أحد قطبين،
تبقى عاجزة عن إيجاد حلول وسطى، يتنازل فيها كل طرف بعض
الشيء ليضمن مصالح الطرف الآخر.
كيف يستطيع المؤمن أن يجد حلا وسطا مع من يعتبره شرا بالمطلق
لمجرد أنه اختلف معه،
وطالما يعتبر نفسه خيرا بالمطلق؟؟؟
هل يستطيع المؤمن أن يتفاوض مع الشيطان؟
طبعا لا، فكل شيء خارج حدود إيمانه هو وحي من الشيطان!
…..
مادام الله نفسه لا يملك حلولا وسطى بين الجنة والنار وبين الخلاص والموت،
كيف للمؤمن به أن يملك تلك الحلول؟
لذلك، لا يوجد تسامح بالأديان إطلاقا، إلاّ ذلك التسامح المصطنع الذي تفرضه
الظروف، وهو تسامح هش ولا أساس له، يدوم ما دامت تلك الظروف
قائمة وتفرض نفسها بقوة!

قد يعترض متدين على هذا القول بقوله، إنه يسامح ومن أعماق قلبه.
وردي:
قد يسامح، لأن الرحمة هي جزء من الطبيعة البشرية،
ولولاها لانتهى الجنس البشري.
في تلك الحالة يطغى الطبع على التطبع،
فالطبع هو الرحمة والتطبع هو البرمجة الدينية!
أما عندما يخضع الإنسان لبرمجته الدينية بالكامل،
لن يكون للتسامح مكان في حياته!

العدالة أيا كان نوعها، بشرية أم إلهية، يجب أن تقوم على الحلول الوسطى.
عندها تسامح باعتدال وتعاقب باعتدال.
……………..
لم أشعر يوما بإساءة أكبر من تلك التي أشعر بها عندما يحاول أحد
أن يقنعني بدينه بحجة أنه يخاف على آخرتي.
يحكم بالمطلق: هو في الجنة وأنا في النار، هو قد ظفر
بالخلاص أما أنا فمصيري “موتا أموت”!

عندها وعندها فقط أشعر أنني وإياه من كوكبين مختلفين،
ولا شيء يجمعني به!
لا أميّز نفسي عقلا وعلما وأخلاقا وروحانية عن
أي إنسان آخر إلا في تلك الحالة.
والأسوأ من ذلك عندما أعرف تفاصيل حياته وكأنني
أراها تحت المجهر!

لا يحق لأحد أن يوصمني بناءا على معتقده،
ولن أسمح لأحد أن يؤطّرني بناءا على معتقدي…
فالإنسان ـ أي إنسان ـ هو أكبر من أي وصم،
وأرحب من أي إطار…
….
….
وأنا ذلك الإنسان!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.