دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٥٧)


أحد أصدقاء فولتير سأله مرّة:
هل صحيح أنك لا تؤمن بدين ولا بوجود إله؟
فردّ: هذا صحيح، ولكن أرجوك لا تخبر خادمتي كي لا تسرق
صحون المطبخ!
….
ذكرني جوابه بحدث يتكرر في صفحات الملحدين العرب على النت.
إذ لا يمكن أن تدخل صفحة من هذه الصفحات،
إلا ومسلم مهووس باسلامه يطرح سؤالا:
إذا كنت ملحدا ما الذي يمنعك من أن تنكح أمك؟!
علما بأنه ـ وفي حقيقة الأمر ـ الإسلام هو العقيدة الوحيدة في تاريخ
البشرية التي حللت نكاح الرجل لأمه.
ولكن ـ للأمانة ـ وضع شرطا صعبا، إن لم يكن مستحيلا،
ألا وهو أن يلف قضيبه بقطعة قماش عندما يباشرها(!!!!!!)
………
هناك فرق بين أن تتجنب سلوكا لأنه محرم دينيا،
وبين أن تتجنبه لأنه يؤذي انسانيا!
عندما تتجنبه لأنه محرم دينيا تستطيع أن ترتكبه بعد أن تبرره دينيا.
أما عندما تتجنبه لأنه يؤذي إنسانيا ولأنه يتعارض مع ضميرك ونزعتك للخير،
فستكون مع الوقت أكثر مناعة ضده!
………………

لذلك، على الصعيد الشخصي دائما أميّز بين السلوكيات التي تنطلق
من قدرة صاحبها على التمييز بين الخطأ والصح، وبذل قصارى
جهده ليتجنب إيذاء الآخر تحت أي ظرف، وبين تلك التي يزعم
صاحبها أنها مبنيّة على أساس علاقته بدينه.
أميل لأن أثق بالأول، وأجد سهولة في التعامل معه، بينما لا أستطيع
أن أمنح ثقتي لمن يدعي أنه صالح من منطلق ديني،
وعاجلا أم لاحقا أجد التعامل معه ضربا من المحال.

هذا لا يعني أن الشخص المتدين لا يميز بين الصح والخطأ، ولا يعني
أنه بالضرورة شخص مؤذي،
وإنما يعني أن الشخص الذي يتبجح بحسن
سلوكياته من منطلق ديني هو شخص ليس جديرا بالثقة.
تماما كخادمة فولتير وكمسلم لا ينكح أمه عملا بدينه!

تلك الخادمة قد تبرر سرقة صحون فولتير عندما تعرف أنه لا يؤمن بدينها،
وذلك المسلم قد يبرر نكاح أمه، عندما يريد أن يفرغ شهواته الحيوانية، ولا
يجد من يفرغها فيه غير أمه.
والكل يعرف فتوى نكاح المحارم ونكاح الجهاد!
نفس الفقه الديني الذي يمنعه أن ينكحها يحلل له أن ينكحها!
…………………….
لقد ساهمت الأديان في خلق بشر مشوشين ذهنيا ومضطربين أخلاقيا.
هذا التشويش والإضطراب يطفو على السطح واضحا وجليا في البلدان
التي بقي الدين فيها يمتلك اليد العليا ويتحكم بصنع القرار.

أما في البلدان التي قلّمت مخالب الدين، وتحررت من سطوته
فهم ـ أي المتدينون ـ محكمون بسلطة قانونية وعلمانية، لا تسمح
لأحد منهم أن يلعب دورا خارج حدود بيته أو معبده، الأمر الذي
يحمي الحياة من تشويشهم الذهني واضطرابهم الأخلاقي!
…….
أعود إلى غموض الكتب “السماوية” ولغطها اللغوي الذي يلاحظه
كل من يجيد القراءة بطريقة تفاعلية لا تلقينية، وبعقل منفتح ومتحرر
من القولبة الدينية،
وأقول:
لقد ساهم هذا الأمر من جهة في ترك
الملايين من البشر لأديانها، ومن جهة ثانية ـ وهي الأهم ـ
ساهم في تشرذم الأديان وتفككها إلى ملل وطوائف.
كل طائفة تمارس دينها وفقا لتفسيرها للغلط اللغوي
والأخلاقي الذي جاء فيه!
…..
لقد كان إنقسام المسيحية إلى طوائف أسهل، لأنها تعطي أتباعها مساحة
من الحرية،
بعكس الإسلام الذي وضع القتل حدا للردة!
الأمر الذي ساعد في الوقت نفسه على علمنة المجتمعات المسيحية،
فصارت المسيحية تنطوي تحت لواء العلمانية، وليس العكس!
…..
صادف يوما أن عشت في حي، كانت تمتد على جانبي
الشارع الرئيسي فيه قرابة عشرين كنيسة، كل منها تتبع
لطائفة مختلفة.
أذكر كيف كان أولادي في سنوات مراهقتهم ينتقلون مع
رفاقهم من كنيسة إلى أخرى، حسب ما يستهويهم من برامج
موسيقية ونشاطات تقدمها كل كنيسة!
كبروا ولم تبقى في أذهانهم “الدوغما” المسيحية لأنها مشتتة
ومشرذمة حسبما تفهمها كل طائفة،
بينما بقيت الآثار الطيبة لتلك النشاطات التي
كانت الكنائس تتنافس على تقديمها لجذب قوافل الشباب.

بالمقابل، كان ابني في بداية شبابه على علاقة مع زميلة
له في الجامعة، وكانت قبطية!
بدأ يتردد معها على كنيستها، وطبعا الكنائس الشرقية في أمريكا
تختلف جدا عن الغربية من حيث انغلاقها وتعصبها على نفسها.
الأمر الذي دفع مازن ليعود يوما إلى البيت ويسألني:
ماما، هل الأقباط مسلمون؟
قلت:
Kind of

فالأمر الذي استهجنه مازن هو أن الكنيسة تفصل عند القيام بالشعائر الدينية
بين النساء والرجال، وتطول خطبة الأحد فيها إلى أكثر
من ساعتين، بالإضافة
إلى أن الرسالة التي سمعها كانت حدية جدا،
لا تقبل الأخذ والرد.
لقد طرح يومها على رجل الدين عدة اسئلة، ولم يلق أجوبة
مقنعة.
أعتقد لهذه الأسباب مجتمعة تواجه الطائفة الأرثوذكسية بشكلها القبطي
اليوم احتمال التشرذم إلى طوائف اخرى،
تؤكد على هذا الأعداد الهائلة التي تغادرها إلى طوائف أخرى.
…..
الحنبلية والتعصب في هذا الزمن الذي هو أسرع من الضوء،
سيساهم في مزيد من التشرذم في كل الطوائف والأديان،
وهي ميزة أرى فيها منفعة كبيرة، إذ تحمي الجميع
من إمكانية تمركز القوة في طرف واحد،
فدائما يولد الطغاة من رحم القوة المطلقة!
……
كثرة الطوائف تخفف لاحقا من حدّة الطائفية.
قد تبدو تلك العبارة غريبة ومتناقضة، لكنها الحقيقة!
إذ تواجه كل طائفة عشرات الطوائف، ويبقى السؤال:
أين المصلحة في أن أعادي الكل؟
ليس هذا وحسب، بل عندما يكثر الأعداء تتبدد الجهود، الأمر
الذي يؤدي لاحقا إلى التخفيف من حدة التصعيد والعداوة.

تخيل معي لو انقسم السنة إلى مائة طائفة والشيعة إلى مائة طائفة،
هل سيكون الصراع بين القطبين بنفس الحدة والشراسة؟
طبعا لا!
……
ويبقى الإنقسام إلى ملل كثيرة وطوائف هو أحد الحلول، بل هو الحل
الأسهل والأقل تكلفة
عندما يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب
الإسلامي، كما كان حلا في مواجهة طغيان الكنيسة الواحدة
في العصور الوسطى، والقابضة يومها على القوة المطلقة!
……………………..

DaShanne Stokes
كاتب وناقد أمريكي مختص في علم الإجتماع، يقول:
“Ethics and oversight are what you eliminate when you want absolute power”

(الأخلاق ورقابة الضمير هذا ما تفقده عندما تملك القوة المطلقة)
…..
القوة المطلقة تجلب الطغاة،
وجميع الأديان الشمولية تستطيع أن تمنح تلك القوة.
ليس هذا وحسب، بل تستطيع أن تبرر طغيانها….
والحل الأمثل هو في تفتيت تلك الأديان وشرذمتها،
كي تفقد شموليتها، وبالتالي كي تخسر احتكارها للقوة المطلقة!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.