دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٥٦)


يقول المفكر وعالم الرياضيات العبقري العراقي الكلداني ريمون نجيب شكوري:
(وهذا التعريف لا يفيه حقه ولا يعبر عن حجمه)
يقول في كتابه “صحوتي الفكرية”:
(لا يفهم ظاهرة الدين من اعتنق دينا، بل من تحرر من الأديان)

لذلك، بغض النظر عن بديهية الأمر وسهولة إيصال الفكرة للمبرمج
دينيا، لن يتمكن من استيعابها، وبالتالي قبولها!

المتدين يعرف أن دينه كلعبة الدومينو، عندما تنهار فكرة في كتابه،
لسبب أخلاقي أو لغوي أو فكري،
سينهار الكتاب برمته.
لذلك، تراه يمكيج القبيح في محاولة فاشلة لتجميله، لأن الإعتراف
بهذا القبيح سيجرّد الجميل ـ إن وِجد ـ من مصداقيته باعتبار المصدر واحد!

لنفس السبب تراه يقفل دماغه، ويحاول جاهدا أن يتجنب نقطة السم
في قالب الكيك، ويواجهك بما ظنّه قطعا من الفواكه اللذيذة!

لا يمكن أن تكون كل الفواكه اللذيذة في قالب من الحلوى مبررا
لوجود نقطة من السم فيه!

الأمر الذي شوّش أذهان القائمين على الأديان، والذين يرون مصلحتهم
في بقائها، فتسارعوا لوضع تفسيرات، كانت برمتها أسوأ بكثير مما
أرادوا أن يفسروه،
ناهيك عن اختلافهم ـ هم أنفسهم ـ حول تلك التفسيرات.
على حد قول مثل افريقي: إذا أردت أن تفسر شيئا سيئا ستزيده سوءا!

وعندما يتشوش ذهن القائم على أمر، عليك أن تتخيل أذهان الذين
يتبعونه ويقتدون به!
…….
لست ملزمة أن أقرأ مابين السطور، ولا أكن أي احترام لكاتب يخبئ مايريد
قوله بين سطوره!
صديق مسيحي احتج على احتجاجي على الآية التي تقول:
“من تزوج من مطلقة فإنه زنى”، احتجّ بقوله:
لم تفهمي كلمة زنى!
وراح يلف ويدور ويخبّص حتى كاد أن يلفظ أنفاسه،
ولم يحقق شيئا إلا أنه زاد الطين بلة!
تماما على غرار مسلم يحاول أن يشرح لي المعنى الجميل وراء عبارة “فضرب الرقاب”!

وضوح الرسالة ـ إن دلّ على شيء ـ إنّما يدل على مصداقية صاحبها.
وعدم وضوحها يؤدي عادة إلى حالة من الفوضى والإحباط،
سواء كان المعني عائلة أم وطنا!!
…………
هل يعرف مواطن سوري واحد السرّ وراء الفوضى التي تعمّ وطنه؟؟
طبعا لا…
الرئيس يكذب ويوارب…
رجل الدين يكذب ويوارب…
الشعب ـ بكل طوائفه وطبقاته وقياداته ـ يكذب ويوراب…

وعندما نجّذر المشكلة لا شك أننا سنصل إلى القرآن، لنكتشف أن
كل شيء، ومنذ أن وضع هذا الكتاب، كان كذبا ومواربة!

المشكلة ليست في سوريا وحسب،
فحالة الفوضى التي يعيشها العالم العربي والإسلامي هي انعكاس بالمطلق،
لطرق التعبير و نمط التواصل اللغوي، التي تفتقر إلى الوضوح،
والتي أجادت وصفها سيدة أمريكية متزوجة من رجل كويتي مسلم،
عندما سألتها في أعقاب عودتها، بعد أن قامت عدة سنوات في بلده:
ما هو انطباعك عن الناس هناك؟
ردت بعنف وبكل وضوح:
لا أكن لهم أي احترام. هم يقولون مالا يعنون، ويعنون مالا يقولون!
في قرى العلويين في سوريا تسأل سؤالا، فيرد أحدهم: لاونعم (يدمج الكلمتين معا)!
وتحتاج إلى الشياطين ليفسروا لك هل يقصد لا أو نعم!

بالمناسبة العلويون من أكثر طوائف سوريا غموضا وتشويشا،
عندما يتعلق الأمر بالتواصل اللغوي.
لا يمكن أن تتعمق مع العلوي في أي حوار وتتعرف على رأيه،
وستجد نفسك في النهاية حيث بدأت!
لهذا الأمر أسبابه النفسية المتجذرة في تاريخهم.
أسباب تعود إلى حالات الخوف والرعب، وفقدان الثقة بالآخر،
والتي لازمتهم في حلهم وترحالهم.
فخوازيق السلطان سليم الأول مازالت مغروزة في عمق اللاوعي الجمعي عندهم.
لذلك، اقتصرت ديانتهم على بعض الطلاسم المنقولة شفويا من جيل إلى آخر،
وكانت حياتهم بكل جوانبها أكثر غموضا وانغلاقا من تلك الطلاسم!
(لدي الكثير مما أود قوله بهذا الخصوص ولكن لا أريد أن أشط عن الموضوع
الرئيسي)
……
تماما على غرار الكتب والرسالات “السماوية”، التي كتبها
بشر معتوهين ومشوشين ذهنيا ونسبوها للإله.
ثمّ توارثتها الأجيال بالتلقين، وبالعصا والبرمجة!

عدم وضوح هذه الرسالات هو السبب الرئيسي ـ إن لم يكن الوحيد ـ
وراء تشرذم المؤمنين بها.
فكل يفسرها على كيفه، ويكفّر من لا يؤمن بتفسيره!

هناك خمسين ألف طائفة مسيحية مسجلة رسميا في أمريكا،
ولو امتلك المسلمون الحرية المتاحة للمسيحيين في أمريكا، لأنقسموا
مليار ونصف المليار طائفة!

شخصيا اؤمن بأن الإنقسامات المسيحية ساهمت بالحفاظ
على المسيحية واستمرارها!
كيف؟
قضت على تمركز القوة في كنيسة واحدة، وبالتالي
جنّبت العالم المسيحي العودة إلى القرون الوسطى،
الأمر الذي كان سيؤدي لاحقا إلى ثورة تقضي على المسيحية
وتقبعها من جذورها، كما هو الحال مع الإسلام اليوم.

بينما تمركز قوة الإسلام في قطبين متناحرين، سني وشيعي، سيساهم في تدمير
العالم الإسلامي، أو حتى يصل
الأمر إلى مرحلة يتعب عندها أتباعه
من أوضاعهم المزرية فيثورون عليه، ويتشرذمون كل حسب
مفهومه وتفسيره للقرآن.
تماما كما حصل للمسيحية!!
(سأعود إلى تلك النقطة في فصول قادمة)

لكنه يبقى الإحتمال الأضعف في الوقت الحاضر!!!!

لأنني لا أتصور أن المصالح الدولية ستسمح
بهذا التشرذم في الوقت الحاضر.
وذلك لضمان وجود صراع أشرس وأقوى، وإحداث تخريب أفظع،
إذ كلما كثرت الجبهات ضعف الصراع وخف وطيس الحرب!

لن تسمح بالتشرذم قبل أن تقلّم مخالب الإسلام، وتجرده من قوته السياسية
والعسكرية وربّما تجفف منابعه المالية، وذلك عبر حروب كثيرة، لم نرَ بعد
سوى غيضا من فيضها.

يجب أن يكون الدمار الشامل مرحلة تمهدية،
قبل أن يبدأ العمران الإنساني والاخلاقي،
هذا إذا بدأ….
فمن خلال هذا الدمار، ومن خلاله فقط، سيقتنع المسلم أن الدوغما الإسلامية
بشكلها الأصولي والمطلق، والمدعومة سياسيا، لم تسبب له إلاّ البلاء.

عندها وعندها فقط سيبدأ ببناء نفسه إنسانيا،
وإلاّ سيصبح الدمار والخراب طريقة حياة……
……
الرئيس الأمريكي روزفيلد قال مرّة:
Americans learn only from catastrophe, and not form experiences
(الأمريكان يتعلمون فقط من النكبات، وليس من التجارب)

أعتقد أن كل شعوب الأرض تتعلم من النكبات أكثر مما تتعلم من التجارب.
وما أكثرها نكباتنا!!!
ويبقى السؤال:
متى سنكون مهيأين عقليا وفكريا، بعيدا عن الخرافات والأحقاد الدينية،
لنتعلم درسا من هذه النكبات؟
…..
…..
وحده المستقبل كفيل بالجواب!!!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.