دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٥٥)

أذكر حادثة وقعت معي في بداية حياتي الأمريكية.
كنت في حديقة عامة، ورحت بانكليزيتي المكسرة أتبادل الحديث
مع رجل أمريكي، يجلس على مقعد وبجانبه تلعب كلبته…
قلت بدون سابق تفكير:
ولكن كلبتك ياسيدي بدينة جدا، ماذا تطعمها؟
فرد على الفور، وهو يرمقني بنظرة ثقبت كلّ خلاياي:
أرجوكِ لا تجرحي مشاعرها!

بعد سنوات بدأت أعي ماقصده ذلك الرجل،
ورويدا رويدا تشربت ثقافة الأمريكان،
والتي تؤمن بقوة الطاقة التي تملكها الكلمة، وبمدى تأثيرها سلبا أو إيجابا…
……..
يردّ علي بعض المتدينين المهووسين من أي دين كان:
ولكن يجب أن تأخذي الفكرة العامة من كتابنا،
ولا تجزأي قصصه وأفكاره كما يحلو لك!
ثمّ يتابعون:
لا تعتمدي على آية واحدة لتحكمي عليه!!

…….
كان حديثي رقيقا جدا مع ذلك الرجل الأمريكي، ومع هذا
عندما قلت عبارة تسيء إلى مشاعر كلبته، احتج ولم يأخذ بعين
الإعتبار بقية الحديث!

تماما، كما لو أنك تصنع لي قالبا من الحلوى،
وتضع فيه عشرات الأنواع من الفواكه اللذيذة،
ثم تضيف في النهاية نقطة من السمّ!
عندما أحتج على نقطة السم، ليس من حقك أن تقول:
لماذا ركزتي على السمّ، ونسيتي كل الفواكه اللذيذة الموجودة
في القالب!
…….
موّهت الأديان الحد الفاصل بين الشر والخير،
لأن رسالاتها لم تكن واضحة، واحتاجت إلى تفسير،
وكل تفصيل من تفاصيل أية رسالة دينية يحتمل ملايين
التفاسير المتناقضة،
بينما لو قرأتها بوضوح وبلا برمجة، وبدون أن تحمّل المفردات
والجمل أكثر مما تحتمل، فستجد فيها من القباحة مايجعلك ترفضها
قلبا وقالبا!

محاولات التفسير والإختلاف على التفسير لم تكن ستحدث
لو لم يشعر المؤمنون بالحرج حيال قباحتها،
فراحوا “يمكيجونها” بمساحيق
جميلة، أملا في أن يخففوا من حدّة تلك القباحة.

الرسالة الصحيحة والجديرة بالإحترام هي الرسالة الواضحة
كما هو جدول الضرب، لا تقبل تأويلات أو تفسيرات، ولا تسبب
تشويشا عقليا.
عندما تقول لك الرسالة: حرم الله قتل النفس إلا بالحق!
أي حق؟
من هو المؤهل أن يعرف الحق؟
مفهوم الحق مفهوم مطاطي يتسع لما هب ودب، ويختلف
باختلاف من يزعم أنه يحكم بالحق!
لم يقتل أحدٌ أحدا في الحرب السورية إلا من منطلق إيمان لا يزعزعه
شك من أن القتل تمّ وفقا للحق!
الرسالة الواضحة تقول: الحياة قيمة، وتحت أي ظرف يحرّم القتل
تحريما مطلقا!
…..
ثم تأتي رسالة أخرى لتقول: يحمل الله عنكم آثامكم؟؟؟
يحمل عني آثامي؟؟؟
طالما يحملها، ما الذي يردعني عن فعل تلك الآثام؟
لا يمكن أن اؤمن بإله يطالبني فقط بالإيمان، أما الآثام فسيحملها عني.
أريد إلها يقول: لكل فعل عواقبه!

ويخرج عليك “بهلوان” ليشرح لك ما معنى يحمل عنك آثامك.
وكأنه يقول: دعني أفسر ماعجز الله عن شرحه!
….
كثير من المرات أصغي لمقابلات على اليوتيوب.
أحدّد مصداقية أي متحدث من خلال وضوح رسالته، حتى
ولو اختلفت مع مضمون الرسالة.
لقد استمعت مؤخرا إلى مقابلة مع طبيب سوري
يعيش في الغرب حول فيروس كورونا.
لم أتفق مع كلمة واحدة قالها، ولكن بهرتني قدرته
على ايصال فكرته، وعليها استحق احترامي كمشاهدة!
…..
عندي صديقة سورية ـ عالبركة ـ
دعتني مرة إلى صحن تبولة، وأنا سأمشي من كالفورينا إلى نيويورك
إذا اقتضى الأمر، طالما العزيمة على تبولة!
عندها تالايت ينقل لها كل المحطات العربية، والتي لم أشاهدها
منذ أن غادرت سوريا، ولا أعرف عنها إلا القليل.
جلسنا نراقب برنامجا على محطة سورية، وكانت الحلقة عبارة
عن مقابلة مع سيدة “مختصة” بعلم النفس عند الأطفال.

أصغيت إليها بكل ما اُعطيت من قوة قرابة نصف ساعة،
وحاولت جاهدة أن أفهم عبارة واحدة دون جدوى،
حتى خُيّل إلي أنني نسيت العربية!
التفت إلى سهام، وقلت: هل بامكاننا أن نغير هذه المحطة، فأنا لا أفهم
ماتقوله هذه المعتوهة!
أبرق وجه سهام وأشرق، وصاحت: يا إلهي…يا إلهي!
لقد ركزت كل انتباهي، ولأن مستواي العلمي ضعيف، ظننت أنك تفهمين
ما تقوله، وأنا لا أفهم، فخجلت أن أغيّر المحطة)!

لا ياسهام…الرسالة الواضحة يفهمها حتى الإنسان البسيط.
ولكن لا يستطيع نقلها إلاّ الإنسان الصادق، والمؤمن بها، والقادر
على فهم محتواها.
لا شك أن هذه السيدة غير مختصة في علم النفس، ولا تفهم
الموضوع الذي تناقشه.
الأمر لا يتعلق بقدرتها اللغوية على ايصال
الفكرة بقدر مايتعلق بفهمها للفكرة.
…….
القدرة على التعبير لا تحتاج إلى أن تكون سبيويه في اللغة.
تحتاج فقط إلى فهمك للفكرة التي تريد التعبير عنها، وايمانك بها،
والتزامك بالصدق عندما تنقلها.

تلك الحقيقة التي لا يشوبني حيالها شك، تدفعني إلى أن اؤمن بأن
هؤلاء الذين ألفوا الكتب الدينية، هم ليسوا بشرا وحسب،
بل بشرا متخلفين فكريا وعقليا وروحانيا ولغويا،
تخيلوا أساطير وخرافات، ولم يستطيعوا أن يعبروا عنها بوضوح،
وبالتالي لم يستطيعوا أن ينقلوها بمصداقية،
فجاءت على شكل لغط لا طائل منه، لغط يحتمل مئات التفاسير!!!
………….
Patrick Lencioni
كاتب ورجل أعمال أمريكي اشتهر بكتاباته التي تشرح أسرار
النجاح في العمل والحياة، وخصوصا كتابه:

The Five Dysfunctions of a Team
الإختلالات الخمسة وراء فشل الفريق!
أهم هذه الإختلالات على الإطلاق: الغموض وعدم وضوح الرسالة.
يقول بهذا الخصوص:
“The enemy of accountability is ambiguity”
“Teams have to eliminate ambiguity and interpretation when it comes to success”
(عدو الإنسان عندما يتعلق الأمر بتحمل مسؤولياته هو الغموض وعدم الوضوح.
لكي ينجح فريق العمل، يجب أن يسقط من حساباته أية رسالة غير واضحة،
وتحتاج إلى تفسير)

لهذا السبب فشل أتباع كل دين في أن يبقوا فريقا واحدا!
الرسالة لم تكن واضحة، ودخل الجميع عبر التاريخ في مغبة التفسيرات والتأويلات،
ومحاولة تغليف المعنى القبيح بغلاف جميل،
فاختلفوا وتشرذموا وتصارعوا.
…………..
الفيلسوف الإيرلندي
Oscar Wilde يقول:

Appearance blinds, whereas words reveal
المظاهر تعميك، بينما الكلمات تكشف الحقيقة!

وأنا أقول:
لا شيء يكشف حقيقة الدين أكثر من لغة كتابه.
غموض تلك اللغة وضحالتها جعل من الأديان سببا للصراع.
ولا يوجد في تاريخ البشرية سبب أجج نار الصراع أكثر مما فعلت الأديان.

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.