دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٤٨)

عندما تؤمن بأن الله يقف في خندقك ضدّ عدوك
تكون قد فصّلت ذلك “الله” وفقا لمقياسك!
لا يمكن تأطير الله في كتاب…
لا يمكن سردنة الله داخل معبد…
لا يمكن حصر الله ضمن حدود ما يعرفه رجل دين…
الله هو اللا نهاية….
واللا نهاية لا تؤطر ولا تسردن ولا يمكن حصرها!
الإيمان باللا نهايات هو أن تعيش حياتك
منفتحا خارج حدود الزمان والمكان….
الإيمان باللا نهايات هو أن تعيش في هذا العالم، وترفض
أن تكون جزءا من تركيبته…
وعندما ترفض تركيبته عليك أن تساهم في خلق العالم الذي
تريده وتحلم به…
مع الإنفتاح يأتيك كل ماهو جميل وممتع ورحب…
وحده الإنغلاق وفقا لكتاب واحد، لرجل دين واحد،
لمعبد واحد هو الذي يحجب عنك الجمال والمتعة
ويضيّق عليك رحابة الكون، لأنه يفصل بينك وبينه…
وحده الإنغلاق يشوه بصمات أصابعك، ويجردك
مما يميزك!
عندما سكنتني تلك الحقيقة لم أعد أسكن جلدي،
وخرجت من علبة السردين التي زجتني بها
قولبتي الدينية،
خرجت منها لأصبح بحجم الكون….
فصار كل شيء في هذا الكون
جزءا مني، وأنا جزء فيه،
وتلاشت الحدود لأتقمص اللانهايات….


عندما تتقمص اللانهايات
تفقد رغبة كانت تتحكم فيك يوم كنت منغلقا،
رغبة تدفعك لأن ترى الآخرين من وجهة
نظر أضيق من خرم الأبرة!
عندما تتقمص اللا نهايات يتلاشى من أمام عينيك
خرم الإبرة الذي كنت تنظر من خلاله، وتصبح
ساحة بصرك بحجم الكون، ويصبح كل
إنسان فيها امتدادا لك، كما هو بياض عينك امتداد
لسوداها…
وكما لا يستطيع بياض العين أن يتخندق ضد سوادها،
تفقد قدرتك على أن تتخندق!
فمن المستحيل أن تتخندق ضد من ترى نفسك فيه، وتراه في نفسك؟
عندها، وعندها فقط تخسر أيضا قدرتك على الإنحياز..
وعلى العداوة…
وعلى الكراهية،
وتتجسد في ذاتك العليا!
وحدها تلك الذات تعرف الله وتعرف السبيل إليه….
أما الـ “أنا” البشرية فهي صناعة اعتبارات مزيفة،
والدين أشرس تلك الإعتبارات!
إذ لا يوجد في حياة البشر إنحيازات، أو عداوة، أو كراهية تتفوق
في شدّتها على تلك التي تفرزها وتضخّها الأديان!
كل اعتبار يخندقك ضد الآخر هو اعتبار مزيف، ولا يوجد خندق
أعمق من ذلك الذي يحفره الدين، متمثلا في المعبد والكتب المقدسة
ورجال الدين!
…….
لقد خلعت الحرب السورية عني كل الأسمال البالية التي كنت ألبسها…
وكلما خلعت سملا كان السمل الذي تحته أشد التصاقا بـ “ الأنا” عندي!.
احتاجت تلك الحرب إلى أربع سنوات لتمد يدها إلى السمل الداخلي،
الذي كان متمثلا في علويتي…
وسنتين آخرتين لتخلعه،
وخلال ما تلاها من سنوات ظل لظى الحرب يحرقني، لكنه لم
يستطع أن يرمّدني….
فالذات العليا لا يمكن أن تتحول إلى رماد،
وكنت عندها قد تقمّصت ذاتي…
هل يستطيع أحد فيكم أن يتخيل صعوبة أن تخلع سملك الداخلي
أمام القبيلة؟
تلك القبيلة الذي ترى فيه دينك وقيمك وشرفك ومدى إخلاصك…
إنها لحظة مخاض عسير، لكنها كفيلة بأن تنجبك من جديد،
كفيلة بأن تزيل عن وجهك قناعه، فيضيء ذلك النور الكوني
في ملاحمك، وينعكس على كل شيء يحيط بك!
عندما تخلع كل الإعتبارات المزيفة التي تلبسها، وتتقمص ذاتك العليا
يصبح الحب طريقة حياة، بل تصبح أنت الحب!
في تلك اللحظة سترى نفسك وحيدا إلا من الله، وستجده
الأقرب إلى بشريتك، وستجد نفسك الأقرب إلى ألوهيته…
لا يمكن أن تغيّر مافي نفسك إلا ويتغيّر الله الذي تعبده معك،
ولا يمكن أن يتغير مفهومك لله إلا وتتغير معه، فتصبحان
معا وجهين لعملة واحدة.
أنا (متمثلة في ذاتي العليا) الله الحقيقي، وهو أنا الحقيقية….
كلما أحسستَ بالفرق بينكَ وبين الله كلما كنتما أكثر زيفا
من حقيقتكما…

كلما شعرتَ ولو بلحسة خوف منه، تكون قد ابتعدت عن ذاتك، وأبعدته
عن ذاته، فازداد كل منكما بعدا عن الآخر…
عندما تنظر في المرآة ولا ترى فيها وجه الله، اعلم أنك لست ذاتك!
وعندما تراه تتحرر من آخر ذرة خوف…
لا شيء يُرعبكَ…
لا شيء يمنعكَ من أن تستمد حكمتك من حقيقتك العارية
من كل اعتبار…
هذه الحكمة الكونية التي نكتسبها عندما نتعرى من كل اعتباراتنا،
تُطلعنا على الغاية من وجودنا،
وتساعدنا على تحقيق تلك الغاية…….
كنت أظن أن “علويتي” هي آخر ورقة توت تسترني، لأكتشف
بعدها أنها كانت قناعا وهميا يحجب كونيتي،
ويفصلني عن الغاية من جودي.
عندما اسقطتها اكتشفت أن الخليفة البغدادي أقرب إليّ من حبل وريدي،
ولم يكن يحجبني عنه سوى قناعه المتمثل في إسلامه!
لو استطاع أن يخلع ذلك القناع لرآني أقرب إليه من حبل وريده….
………
أصعب مهمة في عالمنا البشري هي أن تعيش فيه، ولا تكون جزءا
من تركيبته…
ودينك كسروالك الداخلي تتمسك به لأنك متوهم بأنه شرفك ودرعك،
وبأنه أهم ملامح تلك التركيبة!
أتفق الجميع ممن يحبونني ويكرهونني على أنني جريئة…
لا أحد يعرف أن سرّ التحرر من الخوف هو أن تتقمص ذاتك العليا،
وهو أعلى وأسمى مراحل الحرية…
لو طرق بابي داعشيٌّ يحمل مشروعا انتحاريا سأفتح له بدون خوف،
لأنني وصلت إلى مرحلة من الحب صرت عندها أقوى من أكبر قوة
تفجيرية يستطيع أن يتسلح بها….
……..
الحل الوحيد لأية مشكلة هو أن تعود إلى حالتك قبل وقوع المشكلة…
لذلك، الحل الوحيد لجميع مشاكلنا هو أن نعود إلى النقطة التي أخذنا
عندها أول نفس،
وقبل أن يمنحونا اعتباراتنا وأدياننا، ويخفوا حقيقتنا
العارية والجميلة بأسمالهم البالية…..
نعم، عندما تتعرى من كل اعتبار تصبح ذاتك العليا، وتلك
الذات محميّة بدرعٍ
مضاد لكل ما يمكن أن يُسيء إليها….
أشعر اليوم بأنني ألبس ذلك الدرع،
الذي يمغنط كل طاقة خيّرة فيشدها باتجاهي،
وينبذ كل طاقة شريرة فيقذفها بعيدا عن دربي…
سعيد من يمشي في الحياة ويكون الخير دربه،
وسعيدة أنا…..
*********************
أعزائي القرّاء:
أولا أعتذر عن الإطالة، فلقد اختصرت الكثير…
وثانيا أعتذر عن تقديم حلقة اليوتيوب لهذا الاسبوع. الكل يعرف أن عيد الشكر
هو أهم الأعياد فلسفيا عندي، وأنا أحضّر له…
سنلتقي يوم الأحد بعد عيد الشكر، ولكم مني أحلى الأمنيات

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.