دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٤٤)


يكهربني أمران:
متدين يريد أن يناقشني بالمنطق، وصاعقة تضربني
في يوم عاصف….
أستطيع ـ وببسالة ـ أن أتحمل الصاعقة!
……………..
هو يريد أن يقنعني بالمنطق أن الله قد ألقى
شهوة زينب في قلب محمد، لأنه يريد
أن يحرم التبني، وهذا هو المغزى الأخلاقي من
نكاح محمّد لزينب بعد أن قضى زيد منها وطرا!
وآخر يرى في قصة لوط مغزا أخلاقيا لم تتوصل
إليه كل الدراسات الأمريكية في علم النفس والسلوك.
فابنتاه قد أسكراه وناما معه خوفا على نسله
من أن يندثر بعد أن دمر الله سدوم، فحبلا منه.
يقول: كانا يظنان أن المسيح سيأتي من نسل لوط، فخافا
على نسل والدهما من أن يندثر،
ولا يأتي المسيح!!!!
حقا أنه تبرير جدا منطقي وذو مغزى أخلاقي!
………
الدين لا يُناقش بالمنطق، وإذا كان هناك متدين عاقل،
فهو ذاك الذي يرفض أن يحاور،
قائلا للآخر: هذا هو إيماننا، ولستَ ملزما به!
لو صادفت هذا العاقل، لقبّلته على جبينه، ورشحته
لجائزة لم ينلها أحد من قبله!
إذ أن أفضل طريقة للمتدين لكي يحفظ ماء وجهه،
هو أن لا يناقش شخصا آخر لا يؤمن بدين!
………


ما بُني على التسليم لا يناقش بالمنطلق…
المنطق يحتاج إلى دليل مادي، وعندما يغيب الدليل المادي
يجب أن يتوفر ـ على الأقل ـ الدليل الأخلاقي!
…………….
لايوجد أي دليل أريكيولوجي أو تاريخي،
يبرهن على حدوث أية قصة وردت
في الكتب “السماوية” التي تعود للديانات الإبراهيمة الثلاثة.
وليس لديّ أية مشكلة مع الإيمان بأمور لا دليل عليها،
فأنا أيضا اؤمن بأمور ليست مثبتة عبر حواسنا الخمس.
لكن ليس من حق المتدين، ولا من حقي أن نفرض
مانؤمن به على الآخرين، ونقدمه على أنه حقيقة لا تقبل
الجدل، ناهيك على أن نهدد بالعقاب كل من لا يؤمن به!
…………
لو حاولت الأديان أن تفرض نفسها بالمنطق لخسرت سوقها،
أو لساهمت في تشويه المنطق!
لذلك نراها تربح سوقا عندما تشوّه المنطق، وتخسر سوقا
عندما ينتصر!
لا توجد قضية واحدة تناولتها الأديان، ونستطيع أن نفرضها
بالمنطق، لكننا نستطيع أن ندحضها بقليل منه!
نط محمد فوق زينب لا ليحرم التبني بل ليفرّغ شهوة
حيوانية كانت أقوى من قدرته على ضبط نفسه،
مستغلا عبودية زوجها، وهشاشيتها كزوجة عبد!
الإله الذي يحرق مدينة من المثليين، وينقذ لوطا مع ابنتيه
بعد أن سكر ونام معهما، هو إله تنقصه الحكمة،
ويتجرد من كلّ مصداقية!
………………..
لقد برهن العلماء على أن الإنسان يعتمد في تشكيل قناعاته، وبالتالي
اتخاذ قرارته
على منطقتين في دماغه.
منطقة تعتمد على منطقية وتحليل الأمور،
ولا تسمح بالإيمان إلا بوجود برهان مادي.
ومنطقة أخرى تعتمد على الحدس، وتدفع للإيمان بدون برهان.
الحدس تعريفا، هو إحساس داخلي،
يدفعك لتمتلك رؤية معينة بخصوص قضية ما،
إحساس لا يعتمد على ما تقدمه حواسك الخمس، ولا
تعرف مصدره.
المنطقة المسؤولة عن الحدس هي الأصل،
أي كانت موجودة منذ الإنسان البدائي
ويشترك فيها مع الحيوان، وهي تقع في الجزء الأسفل من الدماغ،
وتعتمد على الغريزة، وكانت الغاية منها
حماية الحياة.
أما المنطقة المسؤولة عن المنطق والتحليل فهي تطورية، اكتسبها الإنسان
عبر آلاف السنين، وهي موجودة في القشرة المخية!
…….
انشتاين يقول: (العلم أعرج بلا الدين، والدين أعمى بلا العلم).
كنت أتمنى لو استبدل انشتاين كلمة الدين بكلمة الإيمان!
إذ أنني أرى بينهما فرقا، علما بأنه يختلط على الكثيرين من الناس.
الدين ـ بصورة عامة ـ عملية تلقين وبرمجة وانتقال بالتوريث،
لا دخل حتى للحدس فيها.
بينما الإيمان يعطي انطباعا
بأن الإنسان توصل إليه بنفسه سواء عن طريق التحليل أو الحدس!
على كل حال، لا نستطيع أن ننكر أن قناعاتنا كبشر
لا تعتمد فقط على المنطق والتحليل، ولكنها تعتمد أيضا على الحدس!
بهذا الخصوص لست ضد من يؤمن بأمور
لا يوجد براهين على حدوثها وصحتها.
لكنني أرفض رفضا قاطعا أن نمليها على الآخرين كحقيقة مطلقة.
فالقناعات التي نصل إليها عن طريق الحدس،
أو حتى التسليم بها، هي شخصية جدا.
الأهم من ذلك،
حتى تلك القناعات التي تتشكل عن طريق الإيمان والحدس، وبدون
برهان يجب أن تحكمها البصيرة والحس الخلقي.
عندما تحاول أن تقنعني بأن قصة محمد وزينب
وقصة لوط تحملان بعدا
أخلاقيا، سأسقط تلك التفاهات في برميل قمامتي!
…………
معايير المنطق يُفترض أن تكون واحدة عند الجميع باعتباره
يعتمد على البرهان المادي،
أما الحدس، إذا قبلنا به، فلكل حدسه!
حدسك يقدم لك ماتؤمن به، أما الآخر فغير ملزم به.
في أسوأ الأحوال، عندما تريد أن تناقشي بما قدمه لك حدسك،
يجب أن تراعي ما أتمتع به من حس أخلاقي يتعارض معه ويرفضه
جملة وتفصيلا!
……………….
المتدين كالغريق عندما يواجه المنطق، يبحث دوما
عن قشة يتعلق بها، متوهما أنها زورق نجاة!
يبرهن على صحة آية قبيحة بآية أخرى يظن أنها أقل قبحا،
على طريقة “عنزة ولو باضت”!
هي عنزة لأنه تبرمج على أن شخصا مهلوسا منذ مئات السنين،
زعم أنها عنزة!
يأكل من بيضها ويراها تطير، لكنه يصرّ بـ “منطقه” أنها عنزة!
….
في مفهومه للمنطق،
هو يعتبر حرق المثليين بالكبريت وسحق سدوم
بكاملها ـ طفلها وشيخها ـ
انتقاما منهم، يعتبرها شريعة تحمي حدا أخلاقيا!!!
لكن اغتصاب محمد لسيدة متزوجة، أو نكاح لوط السكران لابنتيه بعد
أن أباح عرضهما للغرباء،
هي سلوكيات ذات مغزى أخلاقي، ولها مايبررها!!!!
…..
نعم أستطيع ـ وببسالة ـ أن أواجه صاعقة
لو ضربتني في يوم عاصف!
أما أن أحاور متديّنا بـ “المنطق” فالأمر ضرب من المستحيل!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.