دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٤٢)


فشلت الأديان في أن تكون حدودا أخلاقية، على
عكس مازعمت.
لأنها فشلت في أن تعرّف الأخلاق!
إذ لا تستطيع أن تكون حدا لشيء، مالم تعرّفه أولا.

خلطت الأديان كلها بين الأخلاق
وبين العادات والتقاليد التي كانت
سائدة يومها.
العادات والتقاليد تتغير من حقبة إلى أخرى،
ومن مكان إلى مكان،
بينما الأخلاق هي شيفرا صالحة لكل زمان ومكان!

الأخلاق ـ في أبسط تعريف لها ـ
هي الحدود التي عندما نتجاوزها نُؤذي الحياة
كقيمة، بل كأقدس القيم!
…………
البلدان الإسكندنافية سجلت أقل معدّل للجرائم في العالم، وأعلى
معدّل للشعور بالسعادة.
في الوقت نفسه، فازت بأعلى معدّل للإلحاد!
كيف يتزامن هذا مع ذاك؟
ماسرّ العلاقة بين هذا وذاك؟

عندما غاب الدين من ساحة الوعي واللاوعي،
عاد “الرادار” المغروس كونيّا في عمق النفس البشرية،
عاد إلى نشاطه الطبيعي، ليستأنف عمله،
بعد حالة تعطيل كليّ سببتها الأديان، عندما زعمت
أنها تقوم بدوره!

عندما استعاد عافيته، راح هذا “الرادار” يلتقط كل
عمل يؤذي الحياةَ، ويكبحه!
انخفض عندها معدّل الجرائم وازداد الإنسان سعادة،
أليست السعادة أن تسلك في الحياة دون أن تؤذي؟

كلما استخدمتَ ذلك الرادار كلما شحذتَ قوته، وساهمت
في تفيعل نشاطه.
وكلما سرت وراء القطيع معصوب البصيرة كلما خبا
الضوء الذي يشع من عمقك، وتشوّش رادارك!
…..
لا شيء يرعبني أكثر من أن يُفرض عليّ التعامل مع شخص يضع
كل مصداقيته في تديّنه!
إذ لم أخرج مرّة واحدة من تجربة كهذه،
إلا وأكدت لي أن تديّنه قد شوّش راداره!

تحت مظلة القطيع قد تفعل أي شرًّ، طالما المسؤولية جماعية
وليست فردّية.
القطيع سرق، فسرقتَ…
القطيع زنى، فزنيتَ…
القطيع حارب، فحاربتَ…
القطيع ضد فلان، لذلك أخذتَ موقفا ضده…
القطيع مع فلان، لذلك صفقتَ له…
ولو حاسبك أحد ستحتج بقولك: لماذا ستحاسبني والكل فعلها؟

لا شك أن الفرد يرتكب جريمة،
لكن أبشع الجرائم تلك التي يباركها الإنتماء!
والدين، بلا شك، هو أقوى الإنتماءات، وأكثرها
قدرة على تعطيل “الرادار” الطبيعي لدى الفرد!

بينما عندما تنشق عن القطيع، وتتقمص ذاتك الحقيقية،
يصبح “رادارك” حساسا جدا،
ويلتقط كل خطوة تخطوها، حتى ولو كانت الرحلة مليون ميلا…

تصبح مستيقظا، وتعرف في كل لحظة أين هي قدمك،
ولماذا تبوأتْ ذلك الموقع في تلك اللحظة!
تمشي إلى الأمام إن كنت راضيا، وتتراجع على الفور عندما تشكّ
بنبل الموقف!
تتحمّل مسؤولياتك بجدارة، ولا تلقي باللوم على أحد.
……
عمري ستون عاما، عندما أتصفّح كتاب حياتي، وأمرّ فوق
أحداثها حدثا حدثا، لا يوجد شخص واحد، شخص واحد
في حياتي استطيع أن ألومه على شيء.

أحمّل نفسي دون غيرها مسؤولية أخطائي وفشلي…
وأطبطب على كتفي عندما أحقق نجاحاتي، دون أن أنسى
أن الكثيرين قد ساعدوني لأحققها.
نعم، أحاسب نفسي ـ دون غيرها ـ عندما أُخطئ وعندما أفشل،
وأشكرها وأشكر غيري عندما أنجح…..
…….
يقول عالم الفيزياء الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل،
Steven Weinberg
Religion is an insult to human dignity
For good people to do evil things, that takes religion

“الدين يهين الكرامة الإنسانية، لكي تقنع شخصا جيدا أن
يفعل شرا تحتاج إلى دين”

إنها سطوة العقل الجمعي الذي يستعبدك من خلال الدين!
………
تحدثت مع شخص كان القاضي الشرعي لجبهة النصرة،
وارهابيا لسنوات.
تحدثت معه في أكثر من مناسبة، ولساعات…

غصت في أعماقه وبمهارة،
وطرحت عليه اسئلة دقيقة جدا، وحصلت منه
على أجوبة دقيقة جدا.
رغم أنه كومة من مشاكل نفسية وعاطفية وعقلية،
ويتلقى علاجا على كل هذه الأصعدة في ألمانيا،
بعد أن تحرر من أغلال داعش، وفر
إليها هاربا،
رغم ذلك استطعت أن أتبين ـ طبعا بصعوبة ـ شبح
ضميره الفردي يتخبط وسط هذا الظلام
الحالك الذي عاشه لسنوات.

شعرت كيف كان يتأرجح بين الضمير الجمعي لجبهة النصرة
وبين ضميره
الفردي، خلال الأحداث التي عاشها.
ولاحظت أيضا، كيف تناسبت وحشية أفعاله طردا
مع الدرجة التي خضع عندها
لسيطرة الضمير الجمعي!
أخيرا، وبعد صراع مرير بين الضميرين،
تفرّد بضميره وهرب….
……
ليس حقك أن تعيش فرديتك وحسب، بل هو واجبك المقدس!
من واجبك أن تهتدي بالضوء الذي يشع من عمقك، إذ أنه
الدين الوحيد الذي يخصّك!
هو كل مايربطك بالمنبع، ولا شيء غيره يستطيع أن يقودك
باتجاه ذلك المنبع.
من واجبك أن تسكن جلدك، وأن لا تعيش حياتك متقمصا غيرك،
فمقاس غيرك لا يناسب مقاسك!
…..
عندما سأغادر هذا العالم، وعلى بوابة العالم الآخر، سأنتشي
فرحا، لأنني أديت المهمة التي
جئت من أجلها، ولقد كنت خلالها نفسي….

لم أسمح لدين أو لأحد أن يتحكم بقراراتي…
لم أتمكيج…
لم أتقنّع…
ولم ألبس يوما قميصا مستعارا!


وحده، الرادار، كان دليلي….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٤٢)

  1. وصفي سوس says:

    مقاييسك للقداسة غير واضحة ، ولولا وجود الأديان لما كانت هناك مقاييس للقداسة وللشر . حتى الضمير يحتاج إلى بواعث وأهداف ولن يعرف الهدف ما لم يكون هناك مقاييس للقداسة وللشر . نعم يجتمع القطيع حول مقاييس مغلوطة ، وهنا تأتي الكارثة ، لكن ليس اللوم على الدين بل على ما إستنبطه البعض من المقاييس ومارسوه . الأمر واضح فيما حكيتي عن عضو النصرة ، قد إنساق وراء مقاييس تتنافى مع روح الدين إذ أن الدين يضع مقاييس للنفع والرحمة ، للبشر وللبيئة ، لكنه إختار أن ينساق لما تناسب مع ما فيه أصلا من طبيعة العنف والحقد والكراهية وسار وراء من مارسوا الغزو والقتل . لم يطع مقاييس القداسة التي تتماشى مع روح الدين وإله الدين الرحمن الرحيم الذي خلق البشر ليستمتع معهم بعشرة ملؤها الأمن والمحبة ، لكنه إنساق وراء حقده وكراهيته للبشر والحياة وبذا مارس مقاييس الشر التي يحذِّر منها الدين .. الدين ، أي دين ، برئ من مثل هؤلاء . الدين ، أي دين ، يحمل بين طيَّاته مقاييس للقداسة والنفع كما يحمل بين طيَّاته تحذيرات من الإنسياق وراء الشرّ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.