دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل ٢٨)

من هو الإنسان الصالح؟
لم أعثر يوما على تعريف دقيق له، ولم أقتنع بأي من التعاريف التي قدّمتها الأديان
والأعراف الإجتماعية.

هو ـ بنظري ـ ليس من يفعل الخير تحديدا، به هو بالضرورة من لا يفعل الشر!
الخير ـ يكاد يكون بالمطلق ـ غياب الشر.

هو ليس حصرا من يمد لك يد المساعدة، بل هو بالضرورة من
لا ينحرك،
وخصوصا عندما يملك ما يبرر نحرك، وعندما يملك ما ينحرك به!
الخير أن لا تؤذي…
الخير أن لا تسيء…
الخير أن لا تنتقم…
الخير أن لا تكره…
الخير، قبل أن تعطي مما تملك، هو أن لا تأخذ مما لا تملك..
الخير، قبل أن تلقي التحية على جارك، هو أن لا تطعن بسمعة ذلك الجار…
الخير هو مسار الكون، والشر عرقلة لذلك المسار.
الخير هو ناموس الحياة والشر هو أن تعترض ذلك الناموس.
كما لو أنك تسوق سيارتك بالاتجاه الصحيح، ويخرج عليك سائق بالاتجاه المعاكس،
فيحطم سيارتك ويقتلك.
هل يخرج الناس من بيوتهم ليشيدوا بأخلاقك لأنك كنت تسوق بالاتجاه الصحيح؟؟؟
أم عليهم
أن يدينوا الشخص الآخر لأنه كان يسوق بالإتجاه المعاكس؟؟؟
الخير تصرف طبيعي جدا وهو أن تسلك في الحياة وفقا لمسارها،
وهو لا يحتاج إلى تصفيق وضجيج!!


…………
ليس كل إنسان قادر على فعل الخير ( طبعا بالمفهوم المتعارف عليه للخير)،
ولكن كل إنسان على سطح الأرض
قادر أن يجنب الناس شروره،
ولو فعل ذلك لكان خيّرا بالمطلق!

لستَ ملزما أن تضحي بحياتك كي تنقذني من الغرق، ولكنك ملزم أخلاقيا
وكونيا أن لا تدفشني في النهر، وخصوصا عندما تعرف أنني لا أجيد السباحة…
لو تبنينا هذا المفهوم للخير لكان العالم بألف خير…
العالم كله يغلي….
يغلي لا لنقص في أهل الخير (حسب المفهوم الدارج للخير)، بل لفرط في أهل الشرّ!
……….
دخلتُ مرة في حوار ساخن مع مواطن سوري يعيش في سوريا…
كان الحوار يدور حول فاسد كبير في الحكومة السورية.
أشرت إلى سوء أخلاقه وإلى شروره، بينما دافع الطرف الآخر عنه.

حجتي كانت أنه سرق أمواله من خزينة الدولة، وبالتالي من لقمة الشعب.
وحجة الطرف الآخر كانت أنه يقوم بأعمال خيرية
كثيرة في سوريا، وبأنني أجهل الجانب الخيّر لديه.

حاولت أن أقنعه بتعريفي للخير والشر،
ولكن الثقافة الإسلامية الصحراوية القاحلة، والتي تؤكد أن الحسنة تمحي عشرة سيئات،
(بناءا عليها: اسرق عشرة ملايين وتبرع بمليون منها ستكون صالحا)
تلك الثقافة وقفت حائلا بينه وبين أن يستوعب ما قلته، والذي مفاده:
أن السيئة تمحي عشرة حسنات!
…….
في نهاية النهار وعندما أضع رأسي على مخدتي،
لا أقيّم يومي من خلال ما فعلته خيرا،
بل أقيّمه (أولا وتحديدا) من خلال ما فعلته شرا!
يقلقني أنني قسوت على أحد بكلمة جارحة، أكثر ممّا يفرحني أنني
أديت خدمة لشخص آخر.
فعندما أديت الخدمة كنت أمشي في الاتجاه الصحيح،
ولا أحتاج لنفسي أو لأحد كي يصفق لي.
لكنني عندما أجرح أحدا أكون قد عرقلت المسار الكوني، وفقدت
تواصلي مع الكون،
وعليّ أن أعيد النظر فيما فعلت!

صحيح أنه ـ وفي نهاية المطاف ـ يجب أن تأخذ الأمرين بعين الاعتبار، بمعنى أنه يجب
أن تفرح لأنك عملت خيرا، وأن تقلق وتعيد حساباتك لأنك أسأت،
لكن الأهم
أن تضمن أنك لا تسيء…
……..
فعل الشر ليس محدودا بارتكابه، بل يشمل التفكير به أيضا.
لأن الفكرة الشريرة ـ كما هو تطبيقها ـ تسحق روح حاملها والمؤمن بها.
لكي تكون خيّرا عليك أن تعيد النظر بأفعالك وبأفكارك على حد سواء.

لم يستطع قول لمفكر أن يدعم صحة هذه الفكرة، أكثر مما قاله
فيلسوف القرن الثامن عشر Immanuel Kant
In law a man is guilty when he violates the rights of others.
In ethics he is guilty if he only thinks of doing so.
(في القانون أنت مذنب عندما تعتدي على حقوق الآخرين، بينما في الأخلاق
أنت مذنب لمجرد التفكير بالإعتداء)!

وكان أرسطو من قبله قد دعم نفس الفكرة، بقوله:
The intention makes the crime

(النية هي التي تصنع الجريمة)
والنية ليست سوى مجرد فكرة.
إذن أنت شرير لمجرد أن تفكر بالشر أو تبرره، سواء فعلته أم لم تفعله!

لذلك، عندما أصادف في الحياة أشخاصا مضطربين روحانيا، أتقصى
افكارهم ونواياهم بنفس الدرجة التي أنتبه بها إلى أفعالهم!

لنفس السبب، عندما أضع العقل الجمعي في عالمنا العربي والإسلامي
تحت عدسة مجهري،
لا أنظر فقط إلى سلوكيات بشره، بل إلى طبيعة أفكارهم.

ليس شرطا أن تضرب رقبة أحد بحد السيف حتى تفقد تواصلك الكوني،
بمجرد أن تؤمن
بأنك، أو نبيك، مناط بضربها، لسبب مهما كان وجيها،
تكون قد انفصلت عن كونك!

المسلمون ـ اليوم ـ منفصلون روحانيا عن كونهم،
هم ليسوا ضحايا سلوكيات المتطرفين منهم وحسب، بل هم ضحايا
أفكار المتطرفين والمعتدلين بلا استثناء، وعلى حد سواء!
…………
في جميع الأحوال يصبح الشر أو الخير ـ مع الزمن ـ طريقة حياة!

الشر يزعق، والخير يسربل العالم بصمت…

لذلك، نحن معنيون أن نُخرس الشر، أكثر مما نحن ملزمون بأن نطبّل للخير،
فالخير لا يحب الضجيج…

إخماد الزعيق هو الصمت بعينه…
وكذلك، عندما نقص أصابع الشر ينطلق الخير ويتمدد….
******************************
أعزائي القراء:
فشلت كل الأديان في الإرتقاء بالإنسان إلى مستوى إنسانيته،
لأنها فشلت في تعريف الرجل الصالح…
تأبعوني في الفصل اللاحق كي تكتمل الفكرة….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.