دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل الخمسون)


يقول تولستوي:
(تبقى الكذبة كذبة حتى ولو آمنت بها الأغلبية).

ويقول مارتن لوثر كينغ:
There comes a time when one must take a position that is neither safe
nor politic, nor popular,
but he must take it because conscience tells him it is right.

(سيأتي زمان يجبر الإنسان على اتخاذ موقف ليس آمنا، ليس دبلوماسيا،
وليس مألوفا، ولكن يجب أن يأخذه فقط لأن ضميره يخبره بأنه
الموقف الصحيح)

بناءا عليه، أعلن في كتابي هذا أن الدين أكبر كذبة آمنت بها الأغلبية،
ولذا يجب علي أن آخذ منه موقفا واضحا وصريحا،
موقفا يعكس صوت الضمير الذي يضج في أعماقي…..
…….
من أخطر تداعيات تلك الكذبة أنها تغيّم بصيرة المؤمن بها،
وتقوض من ضميره!
عندما تسمح لأي دين أن يوجهك ويراقبك ويضبطك، تصبح
عبدا مسيّرا لأحكامه،
فيتعطّل “رادارك” الداخلي،
وتضعف قدراتك الذاتية على المحاكمة العقلية!

هو يسيّرك ولا يخيّرك، فتعجز مع الزمن على أن تميّز بين
الصح والخطأ،
ناهيك على أن تختار.
والأخطر من ذلك، عندما تتحرر من براثن ذلك الدين، لسبب أو لآخر،
قد تصبح حريتك وبالا عليك، فلقد سبق وسلبك الدين
قدرتك على الإستهداء بالبوصلة الكونية المغروسة
في عمق مادتك الوراثية، والتي تجسد ضميرك!
…….
لقد ذكرت في فصل سابق: “أنه مامن إنسان يولد إلا وبوصلته تحت إبطه”،
ولقد عنيتها!
لكن عندما يستعمرك الدين في عمر مبكر جدا زاعما أنه دليلك،
تفقد تلك البوصلة،
فالملكة التي لا تُستخدم تضمر!


…..
أفضل مثال حي لتلك الحقيقة هو عندما
تصل امرأة مسلمة، عاشت كل حياتها داخل قبضة حديدية،
إلى بلد غربي، وترى نفسها بين ليلة وضحاها حرّة من أغلال تلك القبضة.
عندها تضيع لأنها لم تتعلم يوما أن تراقب سلوكياتها
ناهيك على أن تضبطها، فلقد اعتادت أن يقوم
ذكر في محيطها بتلك المهمة.

زارتني شابة ولدت لأب سعودي وأم سورية،
ونزلت في ضيافتي…
هي لا تعرف والدها، لأنه ترك أمها ونكح قطيعا من النساء.
جاءت إلى أمريكا بغية الدراسة…
لم أستطع أن أتحملها أكثر من اسبوعين، فتحت الباب وطردتها…
حالة من الإنفلات الأخلاقي والسلوكي، من الصعب وصفها،
ويكاد لا يصدقها بشر.
ليس من العدل أن توصف بسلوكيات كلب داشر،
فالكلب الداشر عنده ضوابطه!
أحزنني وضعها جدا، أحزنني لأنني أعرف أسبابه ودواعيه.
لم تتعلم يوما أن تكون مسؤولة عن نفسها، فلقد
أقنعوها بعجزها عن حماية نفسها، وزجوها في سجن يخضع
لمراقبة ذكر في محيطها، ناهيك عن مراقبة المجتمع.

كانت في السعودية مبرقعة من رأسها حتى أخمص قدميها،
فجلبابها كان سجنا آخر لها!
ولما وجدت نفسها وحيدة في مجتمع أقل ما يهمه شأنها الشخصي ضاعت،
ولم تعد تبصر أمامها حدا أو ضابطا!

بعد سنتين من انقطاع أخبارها قرأت في صحيفة عربية أن الشرطة
قد عثرت على جثتها في الفناء الخلفي لمحطة بنزين،
وأفادت التحقيقات
أنها قُتلت بآلة حادة قبل عدة أشهر من العثور على جثتها.

بهذا الخصوص لا أريد أن اوصم المرأة المسلمة وحدها دون الرجل،
فعموما الإنسان المقموع دينيا ـ ذكرا كان أم أنثى، مسلما كان أو غير مسلم ـ
يضيع ويتخبط عندما يفلت فجأة من قبضة الدين!
بالإضافة إلى التشويش على الـ “رادار” الداخلي،
تفرّد الإسلام دون غيره من الأديان
بأنه حمّل الفرد مسؤولية إصلاح غيره ومراقبة ذلك الغير،
قبل أن يصلح نفسه ويتعلم كيف يتحمل مسؤولياته.
…….
في البلدان الإسلامية كل شخص معنيٌّ بمراقبة الآخر،
ولا أحد يراقب نفسه!
ترى الرجل ماسكا برقبة المرأة،
وهو نفسه لا يلتزم بحد واحد من حدود الأخلاق.
لاحقا، لا هو ولا تلك المرأة سيكونان قادرين على بناء مجتمع صالح!

أذكر حادثة ولا أنساها في حياتي…
بعد أن فرّ حسين كامل، صهر صدام حسين من العراق إلى الإردن
وفي حقيبته الصغيرة خمسون مليون دولارا “فقط لا غير”!.
كنت استمع مرّة إلى مقابلة أجرتها معه قناة الـ CNN.
في سياق المقابلة سأله المذيع: هل لنا أن نقابل زوجتك
رغد؟
رد على الفور: تقتضي أخلاقنا أن نُبعد النساء عن
وسائل الإعلام؟؟؟
تصوروا على هكذا أخلاق!!
هو الرقيب على زوجته، وما من رقيب عليه!
……….
استضفت مرة أخرى شابة تونسية في أوائل عشرينياتها،
بناءا على طلب من صديقي تونسي يشتغل مع الأمم المتحدة.
خلال اسبوع لاحظت أن زجاجة ويسكي كنتُ قد حصلت
عليها كهدية منذ سنتين،
وظلت على طاولة الخمور في بيتي مختومة، لاحظت
أنها فارغة لآخر نقطة.
عندما سألتها راحت تقهقه، فصُعقت!
ولما شعرتْ باستهجاني الشديد، راحت تقول:
هذه هي العلمانية التي تتبجحين بها؟؟؟
فزاددت من صدمتي!
هل العلمانية أن تتجرعي زجاجة ويسكي
لو تجرعها فيل يزن طنا لخرّ في أرضه؟؟؟!

مرّ على وجودي في أمريكا ثلاثة عقود، لم أصادف في حياتي
امرأة أمريكية مدمنة كحول لهذه الدرجة!
ناهيك عن أمريكية تتصرف هكذا في بيت المضيف، وبدون
أدنى إحساس بالمسؤولية!
إنها ظاهرة يسببها الإنفلات الفوري من قبضة
القمع القسري للدين، ومن ثم الفهم الخاطئ للحرية وللعلمانية!

هناك فرق، والفرق كبير جدا بين القمع والتهذيب.
هذا القطيع من النساء مقموع، لكنّه ليس مهذبا.
لذلك عندما تفتح له بوابة
الحظيرة “يطحش” بلا وعي، ويدوس على كل شيء أمامه.
الحجاب ليس ضابطا،
الرجل في محيط المرأة ليس ضابطا ولا قوّاما،
المجتمع ليس ضابطا….
وحده “الرادار” الداخلي للإنسان ـ ذكرا كان أم أنثى ـ هو الضابط والقوّام!
الإنسان الذي تعلم أن يكون قوّاما على نفسه هو نفسه
في أية بيئة تواجد فيها!
………….
عندما يبرمجونك على أن إلهك سيحمل آثامك،
أو بأن صلاتك ستغفر ماتقدم من ذنبك وما تأخر،
أي رقيب داخلي سيبقى لديك؟ وإلى أي مدى
ستحتفظ بنقاوة “رادارك” الكوني؟؟؟

بناء الفرد يبدأ من بناء “راداره” الداخلي.
هذاالبناء هو الأساس المتين الذي يحمي الفرد والمجتمع،
يحميهما من الإنهيار!
وما إنهيار المنظمومة الأخلاقية
في جميع البلدان الإسلامية، و البلدان المتديّنة عموما،
إلا نتيجة حتمية لتعطيل ذلك الرادار!
…….
لا يحتاج الإنسان إلى دين لينير له الطريق!
نحن مبرمجون بيولوجيا بطريقة
تحمي الحياة.
أعصابنا ونواقلنا العصبية تتواصل بطريقة تضمن سلامتنا.
لا شيء يضمن سلامة الحياة
وجودة نوعيتها على أرض الواقع إلا الإلتزام بالحد الأخلاقي.
والأخلاق تعريفا:
هي الحدود التي عندما نتجاوزها نؤذي الحياة ونهدد سلامتها.

إذن، نحن خلوقون فطريا، لكننا متدينون بيئيا وتربويا،
والدين يقتل الفطرة عندما يزعم أنه يحلّ محلها!
أليس لهذا السبب نرى المجتمعات المتدينة هي الأكثر خرابا؟

أسمى درجات الخير هي أن تقوم بعمل خلوق
وأنت على يقين من أنه لا أحد يراك!
كما الخير درجات، كذلك
الناس درجات…
تتوقف كل درجة على مدى نقاوة رادارهم…
……..
للعقل أخطاؤه،
بينما الضمير فمنزّه عن الخطأ، لأنه صوت الكون فينا،
سنصبح خرابا عندما يخبو هذا الصوت،
وسنبقى بخير مادام نقيّا وصدّاحا….
******************************************
أصدقائي: أعتذر عن الإطالة لقد اختصرت نصفه

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.