دعيها تتعلم كيف تسترد قطعها النقدية كي تبقى جادة في استرداد أي حق.

كان يوما جميلا بقدر ماكان مرهقا….

قضيته ركضا وراء ثلاثة سعاديين، لا تعرف من فيهم الأشيطن…
لا يهم فلقد عشت من خلالهم طفولة لم أعشها….
……
كالعادة خلال العطلة الصيفية، هناك يوم بالأسبوع اسمه يوم التاتا.
التقطهم من بيوتهم تحت شرط واحد،
أن يكونوا قد اتفقوا أين وكيف سنقضي اليوم.

هذا الأسبوع كان المخطط ان نقضي ثلاث ساعات في التزحلق،
Roller skating
وبعدها نذهب الى مطعم من خيارهم من أجل وجبة الظهيرة،
ثم نقضي ماتبقى من النهار في السباحة.

ثلاث ساعات تزحلق خلتها ثلاثة عقود، أشرفت روحي أن تخرج.
كنت الوحيدة من بين الأهالي التي تراقب الأطفال وتصرخ كلما وقع احد منهم.
غريب عجيب كيف يتعامل الأمريكان مع أطفالهم،
كلهم بعيدون يجلسون في الكافتيريا، كل بشأنه،
والأولاد يلعبون بكل حرية، يقعون وينهضون،
ويخيل للناظر أنهم فقدوا بعض أطرافهم من حدة الوقوع،
ولكن يبدو أنهم تعلموا على الخشونة.
……..
السلام لروح ستي أم علي.
– ستي أنا رايحة العب بالحارة!
ويأتيني صوتها من عمق المطبخ:
– معك الخضر وليلة القدر!
آخ ياستي ولا ولد من هؤلاء الأولاد يعرف الخضر ولا ليلة القدر!
لقد قال لهم أهاليهم: وحدك ستكون، وعليك أن تنهض كلما وقعت.

أما أنا ولعقود كنت أبحث عن الخضر وليلة القدر كلما وقعت،
ولَم يأت أحد ليرفعني إلا يداي وما لديّ من قوة….


…..
وضعت جازي خمسين سنتا في إحدى الآلات لتلعب.
بلعت الآلة القطع النقدية ولم تشتغل.
ذهبت الطفلة بثقة الى مكتب الإدارة لتتقدم بشكوى وتسترد نقودها.

كان الدور طويلا، وبدأت أفقد صوابي وبحاجة لأن أغادر هربا من الضجيج.
وددت أن أشدها من يديها وأناولها خمسين دولارا،
كي تتخلى عن حقها في استرداد الخمسين سنتا، ونعجل بالخروج…
فتراجعتُ:
لو منعتها ستتعلم أن لا تقيم وزنا لحقها، وبالتالي ستستهتر به.
دعيها تتعلم كيف تسترد قطعها النقدية، وكي تبقى جادة في استرداد أي حق.
انتظرت بصبر، حتى شعرت أنني وصلت حافة الإنهيار،
قبل أن نغادر هذا المكان الصاخب.
…..
يوم كانت ابنتي انجيلا في عامها الرابع عشر،
وككل المراهقات كانت تغير نظامها الغذائي كل اسبوعين على الأكثر.
مرة وبعد أسبوع من إعلانها أنها ستكون نباتية بالمطلق،
عادت إلى البيت تفور غضبا!
– ما القصة؟
– سآخذ المطعم الفلاني إلى المحكمة، وسأقاضيه بتهمة الغش!
كان بودي أن أقلب على قفاي من شدة الضحك، ولكنني تماسكت نفسي،
وحاولت أن أقلد الجدية التي سربلت وجهها.
– لماذا؟
– سألتُ إحدى العاملات عن الرز في وجبتي اليوم، وقالت لي أنه يطبخونه بالزيت.
لكن بعد اطلاعي على موقعهم الإلكتروني تبين لي أنهم يطبخونه بالزبدة؟
وتابعت: هل تصدقين كم هم غشاشون؟!
يجب أن ألقنهم درسا!!!

كنت أضحك، وفي أعماقي يتدفق نزيف من دموع!

أنجيلا في هذا العمر كانت تعرف مامعنى المحكمة والقضاء،
وما معنى أن تغش، أو ينتهك أحد حقك،
وكانت مسلحة بالقوة اللازمة لرد اعتبارها،
في أي وقت تشعر أن أحدا انتقص من هذا الإعتبار،
ودون حاجتها إلى الخضر أو ليلة القدر!

لم أشأ وزوجي أن نستخف بعزيمتها أو نخفف من حماسها،
ولكن أقنعناها بهدوء، أن الأمر كان خطأا من عاملة غرّة،
جاوبت بدون معرفة، ولَم يكن غشا متعمدا من قبل الإدارة.
ونصحناها بأن تتقدم بشكوى خطية إلى المدير.
فعلت ذلك وحصلت على بطاقة ترضية بقيمة عشرين دولارا!
…….
لي صديقة طبيبة، كانت رئيسة مركز مكافحة السل في مدينة اللاذقية.
طلب منها رئيس تحرير الجريدة المحلية في تلك المدينة
أن تكتب تقريرا كامل عن السل، اسبابه، أعراضه، وطرق علاجه والوقاية منه،
أملا في أن يستفيد الشعب من المعلومات.

قضت اسبوعين وهي منكبة على تحضيره،
بعد أن استعانت بالكثير من المراجع العربية والأجنبية،
ثم سلمت التقرير لإدارة الجريدة.

صُعقت إلى حد الصدمة عندما رأت التقرير منشورا تحت اسم رئيس التحرير،
الذي ـ على الأغلب ـ لم يحصل على الثانوية العامة،
ولا يعرف في الطب الخمسة من الطمسة، ودون الإشارة إلى اسمها!

اتصلت به محتجة، فكان رده:
يادكتورة، الغاية من التقرير أن يستفيد الشعب، سواء حمل التقرير اسمي ام اسمك.
وتابع يقول:
كل الأمور في خدمة الشعب تهون….

بعدها بشهرين هربت صديقتي إلى أمريكا….
……
فعلا كان يوما جميلا،
ولكنه أثار شجونا دفينة،
وأذرفني ماتبقى من دمع!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.