دروس التنوير الأوروبي

Khaled Montaser

#دروس_التنوير_الأوروبي
يندهش معظمنا من إصرار فرنسا والأوروبيين على الدفاع عن علمانيتهم والعض عليها بالنواجذ ،والإصرار على عدم الإنتقاص منها تحت أي ظرف من الظروف ،أوروبا مستمرة في هذا الدفاع المستميت برغم الفاتورة الباهظة التي يدفعها الأوربيون لقاء تمسكهم وتحصنهم داخل قلعتهم العلمانية التي خرجت من رحم عصر التنوير الأوروبي ، الفاتورة ليست مجرد خسائر مادية ،ولكنها دك متواصل لهذا الحصن ، الفاتورة دم وتفجير وذبح ،وإصرار مرعب من الفاشية الدينية على إغتيال كل مكتسبات التنوير الأوروبي ، لاأرى شخصياً وجهاً أو مبرراً للإندهاش ، فالثمن الذي دفعته أوروبا من أجل التنوير كان باهظاً جداً ، أضعاف أضعاف ماتدفعه الآن في سبيل الحفاظ عليه ، عبرت أوروبا للتنوير على جسر نهر الدم والحروب الأهلية والنزاعات الطائفية الدينية ، إستوعبت الدرس جيداً ، ولابد من قراءة تاريخ التنوير الأوروبي جيداً لتصور وفهم هذا الفزع الذي حدث في أوروبا ، والتي إستيقظت متأخرة وإنتفضت وهي على المحك بعد محاولات صبورة لإستيعاب هذا التيار الفاشي دون جدوى ، هو ليس درساً واحداً فقط ، ولكنها دروس كثيرة ، ليتنا نستوعبها جيداً ، لأن القضايا التي أجد العرب والمسلمين منشغلين بها هي قضايا تنتمي للعصور الوسطى وزمن ماقبل التنوير ، وبهذا من الممكن إعتبار عمرنا العقلي من واقع طرق ومناهج تفكيرنا والموضوعات التي تستحوذ على إهتمامنا لدرجة الهوس ، مازال هذا العمر قبل سن الرشد التنويري ، وكأننا في عصر ماقبل ديكارت و فولتير وجان جاك روسو وسبينوزا وكانط وهيجل ونيتشه ..إلى آخر كل هؤلاء الفلاسفة التنويريين العظماء الذين وضعوا لبنات قلعة التنوير الأوروبي بدأب وحماس ، ودفعوا الثمن غالياً من سلامهم النفسي وأمانهم الحياتي ، منهم من سجن ومنهم من نفي ومنهم من همش ومنهم من أصابه الإكتئاب ، لم يكن الفلاسفة وحدهم هم من قادوا رحلة التنوير في أوروبا، ولكن كان إلى جانبهم كتفاً بكتف ، علماء عصر التجريب والملاحظة ، جاليليو ونيوتن ولافوازييه وفيساليوس ..الخ ، من ضمن تلك الدروس أو بالأصح على رأسها ، أن

التنوير ليس هبة من السلطات ولكنه ينتزع ويطبخ على مهل ، يطرق على بابه مرات ومرات وبإلحاح وبدون يأس ، حتى تأتي قطرة الندى الأخيرة التي تفتت الحجر ، التنوير تراكم لامغامرة ، التنوير عطاء للناس وليس تسولاً من الملك ، بالطبع إحتضن بعض الملوك الذين كانت لديهم بذور تنويرية بعض هؤلاء الفلاسفة الذين لجأوا إليهم هرباً من مطاردات وقهر وقمع وكبت ،كانوا قد عانوه في بلادهم ، كانت هولندا وألمانيا وإنجلترا أحياناً وفي فترات معينة ملجأ أميناً ومشجعاً لفلاسفة التنوير ، فعلى سبيل المثال لجأ فولتير إلى إنجلترا بعد خروجه من سجن الباستيل وأيضاً كان صديقاً للمستبد المستنير فريدريك الثاني ملك ألمانيا أو بروسيا والذي إحتضنه ، وغادر ديكارت فرنسا إلى هولندا التي كانت تتمتع في ذلك الوقت بتنوع سمح لها أن تكون قبلة المبدعين والفلاسفة ، الدرس الثاني أن القوى الأصولية لم ولن تسلم رايتها بسهولة ، ودائماً هم محرضون ، وكلما زادت هشاشة أفكارهم تضخمت غدة العنف والقسوة لديهم ، لايمكن أن تنسى فرنسا تحريض رجال الدين على طرد مليون بروتستانتي بعد التعذيب الوحشي ،والتصفيق للويس الرابع عشر على إستجابته لهذا النفي !، ومازالت عبارة رجل الدين الأصولي الكاثوليكي الشهير “بوسويه” ترن في أذن كل فرنسي وهو يشكر الملك قائلاً” لقد ثبت أركان الإيمان جلالة الملك واستأصلت الهراطقة ،وهذا هو أكبر عمل جليل يحصل في عهدك ،فبك زالوا واندثروا ، ووحده الله سبحانه أتاح لك إنجاز هذه المعجزة”!!، فرحة عارمة بالدماء ، ويقين راسخ بأن السماء في صف الذابح الناجي المختار ، وليس في صف المذبوح المقهور المحتار !، كل هذا الدماء التي أريقت في كل حروب أوروبا الأهلية والطائفية ،كان الجميع يرفع فيها راية الرب، هناك دروس أخرى كثيرة ،منها أن معظم من زرع بذور التنوير لم ير بعينيه حصاد مجهوده وكتاباته ومعاناته ، وهذه رسالة إلى مثقفينا بأن قطف الثمار الآن ليس هو الغرض والهدف، إزرع شتلتك واروها واترك تفاعلات الزمن وشروط التاريخ تقلب الأرض وتحفر القنوات والترع وتأتي بالثمار ، ومن تلك الدروس أيضاً أن البناء القوي المنير لابد أن يكون بعد هدم البناء المترهل المظلم الذي تسكنه الخفافيش ، وأن التواصل القوي مع الحداثة يستدعي القطيعة التامة مع الخرافة ، ومن ضمن دروس التنوير أيضاً أن معظم رواد الإستنارة في أوروبا لم يكونوا ملحدين ، ولم يكونوا في عداء سافر مع الدين على الإطلاق ، بل كانوا في عداء مع تسلط رجال الدين ،ومحاولاتهم للوصاية على البشر ، وهذا يرد على كل أكاذيب الأصولية عندنا التي تدعي أن التنوير بالضرورة مرتبط بالقضاء على الدين ، التنوير يستوعب الجميع ، المتدين والملحد ، الإبراهيمي والبوذي ، الكل بدون تمييز، والجميع بدون إنحياز.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.