خطاب “القائد” #بشار_الأسد

الشاعر السوري نديم محمد شاعر مبدع.. لكن نظرا لانتماءاته السياسية، ربما كيساري ومناوىء لحزب البعث (لا أعرف)،
ظل مغمورا، ولم يستطع أن يفرض تواجده بقوة على الساحة الأدبية. فلقد جهد زعران البعث في مدينته جبلة ليهمشوه،
ويقوضوا من إبداعه وأهمية ذلك الابداع.
يحكى أنه دعي مرة لإحياء أمسية شعرية في المركز الثقافي في جبلة. لبى الدعوة بحماس، ليكتشف فيما بعد أنها مؤامرة خسيسة هدفوا منها تحطيمه!
اعتلى المنبر وراح يغرد… لكنه، كلما قال بيتا من الشعر، ينبري زعران البعث، والذين ملأوا الصالة، ينبرون بالتصفير ولمدة دقائق، كما يفعل جمهور فيفي عبدو عادة، وبعد كل وصلة رقص.
استمر الوضع على حاله قرابة ربع ساعة أو ربما أكثر، حتى شعر بالإعياء! عندها مسك الميكرفون وصمت لمدة دقيقة او دقيقتين،
امتد خلالها الصمت ليشمل القاعة بأكملها.. بعد صمت مطبق وطويل، راح – وببرودة أعصاب – يرتجل:
لكل مدينة قبلة……وقبلة التعريص جبله
فشيخها ينكح طفله…..وبنتها في المهد حبلى
ثم غادر القاعة وسط سكون مهيب!
………..
تذكرت هذه القصة وأنا أصغي لخطاب “القائد” بشار الأسد. تعمق إيماني عندها بأن القادة الحقيقيين هم القادرون على مواجهة اللحظات الحاسمة، والتي تشكل منعطفا في حياتهم، وحياة الناس المعنين بقيادتهم. لم يكن الخطاب منعطفا بقدر ماكان سقوطا مريعا، هبط به من حفرة إلى حفرة أعمق منها.. لا أقصد هنا محتوى الخطاب الفكري والسياسي وحسب، وإنما أقصد السيناريو الهزيل الذي أحاط بذلك الخطاب أيضا. لقد مثلت فرقة المطبلين والزجالين من حوله، ثلت دورا سمجا، عتراني خلاله نفس الخجل الذي كان يعتريني وانا اصغي لياسر عرفات يتحدث الإنكليزية، وشفتاه ترتجفان… أو لمحمد مرسي، وهو يصلي على نبيه في موشح ديني يلتهم تسعة أعشار خطابه، والعشر الباقي يمارس به الإنكليزي، طبعا على طريقته. أو للملك الأردني عبد الله وهو – بعربيته الركيكة- يلفظ كلمة “قدس”، ويتغزل به (ا)! ناهيك عن ملك السعودية، وهو يشكر ربه على الاستخراء الذي أنعم به على شعبه! أما بخصوص القذافي، فلا يجوز على الميت إلا الرحمة… وسأعتبر الرئيس الجزائري بوتفليقة في عداد المفقودين، احتراما لنعوة نشرها صديق جزائري على صفحته، جاء فيها:
(انتقل المرض إلى رحمته تعالى بعد صراع طويل مع بوتفليقة)
رحمتك يارب، ماذا فعلت تلك الشعوب لتبتليها بهذه الجوقة من المهرجين؟
يبدو أن عظمتك (سبحانك وتعالى) تتجلى في نقمتك، كما هي في نعمتك!


……
في علم النفس وعندما تكون مستاءا من رئيسك في العمل، ولا تستطيع أن تفعل أمام بلطجيته شيئا، خوفا من أن تخسر لقمة عيشك،
قد تعود من العمل، وفور دخولك البيت تخبط المسكينة زوجتك كفا، يجعل الزوايا الأربعة للكرة الأرضية تدور حولها! يدعي هذا السلوك
displacement
ويعتبر آلية دفاعية يحاول من خلالها اللاوعي أن يخفف من ضغوطه، إذ يعطي صاحبه على مستوى الوعي شعوريا وهميا أنه، بشكل او بآخر، انتقم لنفسه! هذا تماما مافعله الموالون في سوريا على صفحات التواصل الاجتماعي، ردا على المسرحية الكوميدية لخطاب القائد!
نزلوا شتما وتجريحا بجوقة المطبلين، بحجة أنها أساءت بزعيقها إلى “سيادته”. على غرار أم حسين التي لم تستطع أن تنتف شعر كنتها الفاجرة، فهتكت عرض جارتها أم محمد، على مبدأ “اسمعي ياجاره افهمي ياكنه”! شعب يصارع الموت جوعا وبردا وقهرا، تعلق بقشة علها تنقذه، وحلم أن يجد في ذلك الخطاب تلك القشة، ليفاجىء بخيبة أمل مريرة قادته من انكسارات إلى انكسار آخر….
خطاب ضحل وهش بالكامل، لا يتعدى كونه ثرثرة لا تمت للواقع المأساوي المعاش بشيء! لذلك، فش الشعب خلقه بالطبال وجوقة الزجالين، أو (الدجالين)، إذ لافرق!
………….
السيادة، أيها المغفلون، هي القدرة على امتلاك ناصية اللحظة التي تشكل منعطفا! آلاف البراميل التي سقطت فوق رؤوس الشعب السوري، لم تستطع أن تجسد تلك السيادة، بينما وقفة عز على منبر، وسط جمهور يسمع صوت الابرة لو ارتطمت بالأرض، ليس خوفا من المحاضر، وإنما احتراما له وتقديرا وتصديقا لما يقول، تستطيع بلا شك أن تجسد تلك السيادة! لقد استطاع وينستون تشرتشل أن يخرج بريطانيا من دمارها الشامل، محققا لها النصر بعد الحرب العالمية الثانية، ليس لأنه كان قائدا عسكريا فذا، أو سياسيا بارعا، أو كاتبا مشهورا، أو ساخرا لازعا وحسب، بل لأنه كان أيضا – من وجهة نظري الشخصية- صاحب هيبة وحضور مميز، فرض وجوده في لحظات شكلت أقسى المنعطفات في تاريخ أمته! لذلك، يعتبره المؤرخون اليوم واحدا من أعظم شخصيات القرن العشرين!
…..
أعطيتُ عشرات المحاضرات في أمريكا وأوروبا، وعلى مختلف المستويات، ولَم أكن وحدي، بل مع محاضرين كثر آخرين…
عندما أعتلي المنبر كان صوتي وحضوري يطغى على القاعة، ويفرض وجودي، بغض النظر عما أقوله، ورغم أنهم كانوا يحضرون لي كرسي منخفض أقف عليه، كي يستطيع الجمهور أن يراني من وراء المنبر. فقامتي لم تكن يوما وفقا لطولي،
بل انعكاسا لهيبتي وقوة حضوري!
………
لروح شاعرنا السوري نديم محمد السلام….. فلقد جسد ـ سواء اتفقنا مع بيتيه من الشعر أم لم نتفق ـ جسد بردة فعله موقفا سياديا نعتز به، أما الشعب السوري فلم يبقَ له إلا الصبر والعزاء!!!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.