خبراء الطائفية والحرب


سناء العاجي/ كتبت في موقع الحرة
هل نحن على مشارف الحرب العالمية الثالثة؟
إيران تقصف. ترامب يضرب. التكتيك. الصواريخ. السنة. الشيعة…
… ثم فجأة، تكتشف أن كل أصدقائك على موقعي تويتر وفيسبوك، أصبحوا خبراء جيو ـ استراتيجيين يحللون ويعاودون التحليل ويكتشفون المؤامرات ويفسرون التطورات ويفضحون ألاعيب القوى العظمى.
تشعر للحظة أنك جاهل أمام قدراتهم التحليلية الرفيعة… ثم تتذكر أن هؤلاء الذين يحللون تطورات الأحداث بين إيران والولايات المتحدة والعراق، هم أنفسهم الذين يعطون النصائح لمدرب فريق برشلونة أو ريال مدريد حين يعتبرون أنه أخطأ في خطته خلال المباراة! وهم أنفسهم الذين يناقشون تداعيات طلاق أصالة والجريمة التي حدثت في بيت نانسي عجرم.
لنتذكر أن أكبر مؤامرة تحاك ضد المسلمين هي تلك التي يصممها وينفذها المسلمون أنفسهم
وهم الذي يعلقون على صور اللبنانيات خلال الانتفاضة اللبنانية. وهم الذين يناقشون تدخل تركيا في ليبيا والتظاهرات الجزائرية وقضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير في المغرب. هم الذين يشاهدون فيديوهات دنيا باطما ويدافعون عن سعد المجرد. هم الذين يتحدثون عن “القصور المعرفي والمنهجي لمحمد عابد الجابري” (هذه، للإشارة، جملة حقيقية على إحدى الصفحات) ويناقشون أطروحة دكتوراه في مجال لم يدرسوه أو خلافا بين كاتبين لم يقرؤوا لأحدهما أصلا.
هم أنفسهم الذين يعتبرون أن فاطمة المرنيسي ليست باحثة حقيقية وأن محمد عبد الوهاب لا يمكن أن يصنف كمجدد حقيقي في الموسيقى العربية. يناقشون النموذج التنموي الجديد ويشاهدون فيديوهات “روتيني اليومي…”.
هم تحديدا خبراء الكل شيء… ولا يمكنك أن تتفوق أمام عبقريتهم.
لكنك، مع ذلك، تصاب ببعض إحباط حين تتذكر أننا، مرة أخرى، نُفصل صراعا سياسيا على مقاس السنة والشيعة. نتهم ونخون بعضنا البعض باسم أشخاص… ماتوا منذ 15 قرنا!


نحن طبعا، كمسلمين، نحترم جميع الأديان! هذا ما يحثنا عليه ديننا الحنيف.
لكننا، في الأصل، وإلى جانب كوننا نرفض الترحم على غير المسلمين أو تهنئتهم بأعيادهم، وإلى جانب كوننا ندعو على اليهود والنصارى في معظم صلواتنا؛ نحن نكفر بعضنا، سنة وشيعة.
الحقيقة أن العراقي الشيعي الذي يخون السنة ويكفرهم، لو أنه ولد في مدينة أخرى وربما في حي يبعد عن حيهم بعشرة أمتار، لكان سنيا يُخَوِّن الشيعة. تماما كالإماراتي السني الذي كان يمكن أن يولد في إيران ويكون شيعيا…
أن تكون شيعيا أو سنيا، بل أن تكون مسلما أصلا، هو في الغالبية العظمى من حالاتنا، ليس اختيارا. زياد الرحباني كان قد قال ذات زمن إنك “خمس دقائق بعد ولادتك، سيحددون اسمك ودينك وطائفتك وجنسيتك… وستقضي عمرك كله تدافع عن أشياء لم تخترها”.
ما زلنا نحتاج لسنوات (أو لقرون) لكي نعي بأن ما يفترض أن يجمعنا هو قيم المواطنة المشتركة. أن تكون سنيا أو شيعيا هو في الغالب إرث عائلي قبائلي مجتمعي… بل أن تكون مسلما هو أصلا، وفي أغلب الحالات، وليد صدفة ولادتك في محيط معين.
لو ولد المغربي المسلم السني اليوم في أسرة كاثوليكية متدينة في لبنان أو تكساس، كان سيدافع عن المسيحية بنفس الحماس الذي يقول به “آمين” خلف الفقيه الذي يدعو على المسيحيين اليوم بتيتيم أبنائهم وترميل نسائهم.
نحتاج لسنوات ضوئية لكي نعي أن كون شخص مسلما، سنيا، شيعيا، حنبليا، مالكيا، كرديا، عربيا، أمازيغيا، يهوديا… هو انتماء ديني أو عرقي خاص به لا يفترض أن يحدد واجباته اتجاه الوطن والآخرين… ولا حقوقه. لا يعقل أن تتوفر لي حقوق أفضل من حقوق غيري، لمجرد أني، صدفة، ولدت في الطائفة المحظوظة في جغرافية ما!
أن تكون شيعيا أو سنيا، بل أن تكون مسلما أصلا، هو في الغالبية العظمى من حالاتنا، ليس اختيارا
دعونا نبني قيم المواطنة… دعونا نتفادى الحروب الطائفية التي نصنعها والتي قتلت الملايين منذ 15 قرنا… لقد قتل المسلمون السنة من الشيعة والمسلمون الشيعة من السنة خلال الخمسة عشر قرنا الماضية أكثر بكثير مما تقتل اليوم إسرائيل من الفلسطينيين. لا شيء يبرر جرائم سلطة الاحتلال الإسرائيلية… لكن، فقط، حين نندد بإسرائيل التي تتآمر ضد المسلمين، لنتذكر أن أكبر مؤامرة تحاك ضد المسلمين هي تلك التي يصممها وينفذها المسلمون أنفسهم… ويصرون على استنساخها منذ 15 قرنا، وهم يرفعون شعار احترام كل الأديان.
الذين يفترض يجعلنا نخاف اليوم، هو إمكانية وقوع حرب. حرب سيقتل فيها بشر لن تسألهم رصاصة أو قنبلة عن دينهم أو مذهبهم أو جنسيتهم.
حرب يكفي اسمها وحده كي نكتشف أننا لا زلنا بعيدين عن معنى… بشر!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.