حين يتحدّث الأسد “الخليفة”

Rima Flihan
ريما فليحان
لم يصدمني كثيراً خطاب الأسد في جامع العثمان مع وزارة الأوقاف، بل ريما أضحكني قليلاً لأنّه كان مليئاً بالمفارقات والمغالطات الفكرية والتاريخية والاجتماعية والعلمية، لم أفاجأ لأنّني أصلاً أعلم أنّ بشار الأسد ونظامه أساساً ضد الليبرالية وضد العلمانية وضد حقوق الإنسان، وإلا لم يكن ليكون في مكانه حتى اللحظة، ولم تكن سوريا لتكون في هذه الكارثة، ولم يكن ليرتكب كل هذه المجازر والانتهاكات لحقوق الإنسان منذ بدَأ الحراك الشعبي في سوريا وحتى اللحظة، لو لم يكن فكره كما عبّر عنه في تلك الخطبة العصماء.. ولكنني أعتقد أنّ هذا الخطاب يجب الإضاءة عليه من أجل الشارع المخدوع فيه حتى اللحظة من جهة، ومن أجل من يفكر في إعادة تدويره عالمياً، ظناَ منهم أنّه قد يكون حماية للأقليات، وأنّه قريب للعلمانية التي هي منه براء، وهي البربوغندا التي تعمل عليها ماكينته الإعلامية. الخليفة
بشار الأسد في خطابه هذا اتّهم الليبرالية بأنّها تهدف لخراب المجتمعات والانحلال الأخلاقي، وهي كانت سبب الحرب على سوريا، وهي تهدف لهدم الأديان والعقائد، وصرّح من خلال تعليقاته عليها عن مواقفه الحقيقية ضد عدد من حقوق الإنسان، فهو مثلاً ضدّ تعزيز القيم الفردية التي تهدف الليبرالية إليها، هو مع القيم الجمعية فقط، بل مع الفكر القبلي، ومن المعروف أنّ المجتمعات لا تتطوّر إلا بنمو الأفراد وتعزيز قيم المدنية والمواطنة والحريات الفردية، أما العصبية القبلية فهي حالة تتناقض مع الهوية الإنسانية الأوسع من جهة، ومع الهوية الفردية وذاتية الإنسان التي تمكّنه من النضوج العقلي والإنساني والمعرفي.
بل إنّها تتناقض حتى مع فكرة المواطنة، الأسد اعتبر الليبرالية عدواً للمجتمع وضرب أمثلة على ذلك: الليبرالية ترى أنّ الطفل يحق له أن يختار دينه الذي يرغب به حين يكبر، ولكن ما يجب أن يكون وفقاً لما قاله الأسد إنه يجب أن يتبع دين عائلته وقبيلته حتماً، وهو يتناقض بشكل كامل مع مبدأ حرية الاعتقاد في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ، الأسد يرى أنّ العلمانية تعني حرية الأديان فقط، وبالتالي هي لا تعني فصل الدين عن الدولة، بل إنّه على العكس قال إنّ المؤسسة الدينية في سوريا هي رديف الجيش وجزء من الدولة. الخليفة


هو أيضاً اتّهم الليبرالية أنّها السبب في الانحلال الأخلاقي بالعالم، وذكر مثالاً على ذلك أنّها السبب في ترويج المخدرات وشرعنتها وإقرار زواج المثليين، وهذا يعني أنّه ضد حقوق المثليين من جهة، ويعتبر هويتهم جزءاً من الانحلال الأخلاقي الذي تحدّث عنه، وربط شرحه عنه بإقرار زواج المثليين، وهذا أيضاً انتهاك لحقوق الإنسان، كما أنّه يخلط بين فكرة جنس المولود بالمعنى الفيزيولوجي، وبين فكرة الهوية الجندرية التي ترتبط بالبعد النفسي والاجتماعي لإحساس الأفراد بذواتهم، الأسد أيضاً تكلم عن عروبة سوريا، وأنّها فكرة غير قابلة للنقاش، وربط العروبة بالإسلام باللغة في جزء من الحديث، ثم عاد ليناقض مع ما قاله في موقع آخر من الخطبة العصماء، ليقول إنّ اللغة والهوية شيئان مختلفان، خاصة حين أراد أن يهاجم فكرة سريانية سوريا القديمة قبل الإسلام، قال السريان كانوا يتكلمون السريانية لكنهم كانوا عرباً، وقد انتقد تلك الفكرة بشكل لاذع، كما أنّه رفض وجود أي حضارة في سوريا سوى الحضارة العربية، ضارباً بعرض الحائط حقيقة وجود قوميات أخرى غير عربية، لديها لغاتها الخاصة وحضاراتها ونظامها السياسي، ووجدت بالمنطقة تاريخياً وتمازجت فيما بعد، أو أنّها كانت مرتبطة بأصل مشترك “السامية” لكثير من الشعوب التاريخية التي سكنت في المنطقة العربية وبلاد الشام، بما فيها الآراميون والعرب وغيرهم، الأسد قلل من حقيقة وجود وكيان كل القوميات الموجودة في هذه البقعة من العالم، وهذا يعني وفقاً ما قاله أنّ السريانيين عرب، والآشوريين عرب وكل الناس في سوريا عرب، حتى لو تكلموا وكتبوا لغات أخرى، وحتى لو قال التاريخ غير ذلك,
بشار الأسد في خطبته تلك أقرّ من حيث لا يدري بأنّ من خرج من الجوامع في بداية الثورة لم يكن إسلامياً بالضرورة، فقد قال حرفياً بأنّ الكثير ممن خرجوا من الجوامع كانوا ملحدين، وأزيد عليه بل كانوا من كل الأديان والطوائفـ، لأنّ الحراك في البداية كان شعبياً شاملاً لكل مكونات الشعب السورية، ولم يكن هناك فرصة للتجمع إلا بالجوامع، وقد فشلت كل المحاولات للتجمع خارجها بسبب القمع الأمني لأي تجمع منذ بدايته، واعتقال كل من فيه، وهي تجارب شهدتها بنفسي في دمشق على الاقل، ولمن نسي بشار الأسد في تلك المرحلة كان يروًج أنّ الحراك منذ البدايات كان إسلامياً متطرفاً، فهل يتذكر هؤلاء الذين غسل النظام ادمغتهم في تلك الفترة ما قاله حينها وما قاله اليوم؟
الأسد في خطابه الأخير أوضح هوية نظامه بشكل لا يدع أي مجال للشك بأنّ هذا النظام غير علماني ديكتاتوري قائم على فكرة المركزية والشوفينية، ولا يحترم حقوق الإنسان ولا حقوق الأفراد، بل يحرّض ضد أي خارج عن الفكر الجمعي، وهو لا يحترم الثقافات المتنوعة في المجتمع السوري، وهو بخطابه هذا حرض على الليبراليين والملحدين والعلمانيين والمثليين وعلى مبدأ حرية الاعتقاد، وهو ما يوضح أن لا نية له حتى الآن بأن يقوم بتغيير أي من تلك الثوابت التي قام عليها هذا النظام القمعي منذ تأسيسه، فهو نظام لا يحترم هوية المكونات السورية غير العربية، ولا يحترم الحقوق الفردية للناس، ولا يحترم العلمانية ولا الليبرالية، بل إنًه يحرّض عليها الشارع الإسلامي، بوضعها وبوضع مفكريها ومن يتبعها في مكان العدو الذي يهدف لنسف الدين والعقائد وتكريس الانحلال الأخلاقي، وهو ما قاله حرفياً. الخليفة
هو ذات النظام الذي كان يسهل الإتجار بالبشر، عبر استغلال القاصرات في الملاهي الليلية التي يملكها أتباعه في ضواحي دمشق وغيرها، هو ذات النظام الذي عذّب واغتصب الكثير من النساء اللواتي تعرضن للاعتقال، هو ذات النظام الذي أفقر الناس وجوعهم وقتلهم، هو ذات النظام الذي استباح الناس وملكياتهم، ويأتي رئيسه ليتحدّث عن مكارم الأخلاق والعقائد والقيم، وها هو يتهم الليبرالية بالترويح للمخدرات في خطبته العصماء، ويعرف القاصي والداني أنّه ما يقوم به النظام داخل سوريا وخارجها، وهو تماماً يلتقي بهذا الخطاب مع خطاب التنظيمات المتطرّفة التي تقول عن الليبرالية نفس الكلام وتقف ضد الحريات الفردية وحقوق الإنسان والديموقراطية والعلمانية وترفض فكرة فصل الدين عن الدولة. الخليفة

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.