حين عادت أمي طفلة

الرجال الكبار في السن والنساء أيضا.
تشعر أحيانا وكأنهم مثل الأطفال.
هذا الكلام ليس عن الظواهر البيولوجية,كأن تقول ينتهي بهم المطاف للمشي على 3 ثلاثة أرجل أو زحفا.
لا.
المسألة أعمق من هذا كله.
اليوم مثلا جلست أجتر أو أشتر الذكريات مع أمي في سنتها الأخيرة من مماتها أو قبل وفاتها بعام.
كانت مثلا تفرح إذا قلتُ لها : بدي آخذك مشوار معي بالسياره.
كانت تسألني بعد أن أرى علامات الدهشة على وجهها وهي مفنجرة عيونها كفناجين القهوة ومنقطعة الأنفاس, تسألني: وين؟
فأقول: على طريق المنتزه, عندها كانت تفرح جدا وتدبُ فيها الروح وكأنها شربت من ماء الخلود.

كانت في سنتها الأخيرة مثل الأطفال: تغضب لو خرجت بأطفالي إلى مكانٍ ما مثلا ولم آخذها, فكنتُ أعود اليها وأقول: شو يا حجه بتفكريني بدي أتركك؟

كانت هواية أمي المفضلة الصوم والوضوء والصلاة على وقتها وكثرة التطهر والاغتسال, ولكن في عامها الأخير صارت هوايتها تروح مشوار بالسيارة, أنا مثلا لو واحد يجرني جر من داري ويقلي تعال بدي آخذك مشوار ما بقبلش أروح معه, يمكن لأني بعدني ما اكبرتش.
أو ما إكبرتش كفاية حتى أعود طفلا.
هذه الظاهرة نقلتها لأحد أصدقائي اليوم وقال لي عن أمه نفس الكلام الذي أقوله عن أمي.

كبار السن يحتاجون إلى الدلال أكثر من الصغار, كانت في عامها الأخير تفرح بقطعة حلوى أو كسرة بسكويت أو خبزة أو قطعة لحم ملفوفة بقطعة من الخبز.
كانت تحتاج لمن يسمع لها, كانت في عامها الأخير تتحدث عن طفولتها كثيرا وعن كل من أساء إليها وهي طفلة وتتذكر كل من أحسن إليها وهي طفلة, مرة من ذات المرات بكت بصوت عالي وهي تتحدث عن كف صفعها إياه أبيها وهي طفلة, وكانت وهي تتحدث وتبكي تتحسس برؤوس أصابع يديها أطراف وجهها وكأن الكف ما زال ساخنا أو أكلته منذ ساعة.
المشكلة هي:

أن الحنان الذي تعطينا إياه الأم ونحن أطفال لا نعلم أنه دين في رقبتنا حينما تكبر الأم, الأم أو الأب حين يتقدم بهم العمر يحتاجون للتدليل, فمثلا هنالك هواية أخرى ظهرت على سلوك أمي في عاميها الأخيرين من حياتها, وهي حب دخول المستشفيات والذهاب إلى الأطباء, كنت كل أسبوع أو شهر أذهب بها فجرا إلى الطوارئ في المستشفى, كانت تقيس الطريق ونعود كما ذهبنا, كانت مثلا تعلم ما هو التشخيص الذي سيقوله لها الأطباء ولكن كانت تحب أن تذهب ذاك المشوار, وكنت أنا أعلم ما سيقوله الطبيب لها ومع ذلك لم أكن أكسر بخاطرها وكنتُ غالبا ما أستدين بنزين السيارة من محطة وقود أحد الأصدقاء لأن منزلنا يبعد مسافة نصف ساعة بالسيارة عن المستشفى, وكان على قلبي مثل العسل وكان الله يقضي ديني عني.

وصارت أيضا تخاف أن تغلق خلفها باب (التواليت) وتخاف أن تنام في غرفتها وحدها, وكنتُ أنا أشعر بها وإذا نام أولادي عند أخوالهم لا أتركها تنام وحدها بل آتي لأنام إلى جانبها, والمشكلة ليست هنا بل المشكلة أنني أنا من كنت غالبا ما أحتاج للإحساس بأحد يحنُ عليّ أو يعطف عليّ ولم أكن أجد غير أمي, وهي كانت تعتقد أنني جئتُ لأوانسها.

الإنسان لما يكبر بجد نشعر وكأنه عاد طفلا صغيرا , كلمة واحدة تؤثر به وكلمة أخرى تغضبه وأخرى ترضيه, ومثل الطفل الذي تقول له (تروح باي باي؟) بصير يحلم بكلمة تروح مشوار؟, وبصير بحاجة لمن يمسح له دمعته, ولمن يضحكه!!… بصراحة يشعر بالضعف وبالاستكانة وبالاستسلام .

الآن أشعر بالندم, ليش مثلا ما كنتش أشتريلها حبة بوظا آيس كريم وآخذها على المراجيح أو مغارة الأشباح؟.
أو أحكيلها قصة علي بابا والأربعين حرامي!!.

ليش وأنا أعلم ذلك ما كنتش آخذها على النطيطه .

الآن بستخطي حالي زي ما بقولوا :

أو ليش ما أخذتهاش تلعب سيسي سيسي, أو أحضر لها كومة من التراب تصنع منها تمثالا أو لعبة عروس صغيرة تمشط لها شعر رأسها.
أنا كنت عارف كل هذا الحكي بس كنت أستحي أحكيلها إنك الآن صغرت وصار لازم نجيبلك عُلبة ألوان أو مكعب أرقام.
كان لازم تغلبت على خجلي وحيائي.
حتى آخر 4 ساعات من حياتها قصت عليّ بعض الذكريات عن طفولتها المريرة, كنتُ أنا أكبر كل يوم على حساب مشاعر أمي الطفولية, كان يزداد وزني وينقص وزنها.

About جهاد علاونة

جهاد علاونه ,كاتب أردني

This entry was posted in الأدب والفن, كاريكاتور. Bookmark the permalink.

Leave a Reply