حول آلحقيقيّ و آلمجازي:

الكاتب العراقي عزيز الخزرجي

بعد عرضنا لمقدمة مكثفة و مفيدة عن (ألحقيقي و المجازي) بعنوان [حدود الحقيقي و المجازي]؛ نعرض لكم دراسة مفصلة عن مفهوم و طبيعة و مدى (الحقيقيّ و المجازيّ) للّذين يريدون الغوص في أعماق المعرفة الكونيّة و دورها في إسعاد الناس .. كتبناها قبل أكثر من عقدين في ستة أجزاء و نُشرت ضمن الجزء الأول من كتاب : [همسات فكريّة كونيّة – الجزء الأول برقم(78)]*, و إليكم التفاصيل عن :
ألحقيقيّ و آلمَجازيّ :
من أهمّ خصوصيّات اللغات ألخمسة ألحيّة (1) بعد تصاريف الأفعال التي تصل لثمانية و أربعين تصريفاً؛ هي خصوصيّة (المجازيّة) التي تفوق خصوصية (الحقيقة) التي تُميّزها عن غيرها من اللغات الكثيرة في العالم و التي تتعدى آلخمسة آلاف لغة, بجانب آلأدوات اللغويّة و الأعرابيّة و آلبلاغيّة و علم العروض و آلبيان و البديع ألتي أضْفَتْ مجتمعةً المزيد من آلجّمال و القوّة و المتانة و الأبداع و البلاغة و العمق على تلك اللغات بحسب تصنيف (اليونسكو) التابعة لهئية الأمم المتحدة, و لعلّ آللغة العربيّة التي أختارها الله تعالى للأسباب المذكورة لتكون لغة القرآن آلمعجزة الخاتمة و هي تتقدّم و تفوق جميع اللغات التي يتحدث بها البشر على الأرض لسعة معانيها و تعدّد تصاريف أفعالها و قدرتها على التّعبير و آلبيان ألواضح الرّصين المحكم و بإسلوب مجازيّ تشبيهي لمعرفة القضايا و الوقائع و الظواهر و العلوم و العوالم التي يصعب على العقل الأنساني الوصول إليها و دركها على حقيقتها!

و لذلك فأنّ معجزة القرآن تتجسد بآلأضافة لذلك في محاور أخرى عبر بيان النّظريات العلميّة و الأسرار الكونيّة و آلأفاقيّة و آلنفسيّة التي إحتوتها بإسلوب جميل بجانب إستباق الزمن في كشف الظواهر العلميّة و الحقائق التأريخيّة لتشكّل بحقّ معجزة القرآن الخالدة كخاتم لجميع الكتب و الرّسالات السّماوية.

لذلك كان من الضّروري معرفة ماهية التعبير (الحقيقيّ) و (آلمجازيّ) بشكلٍ خاصّ, بإعتبارها الأساس الذي ترتكز عليه معجزة القرآن لفهم حقيقة الوجود و ما فيه من آلألغاز و الأسرار و آلغايات بشكل أدقّ و أوسع و أعمق.

التعبير (الحقيقيّ) ثمّ (المجازيّ) ألفاظ تُعبّر عن آلفكر الذي يُمثّل حقيقة و جوهر الأنسان لأنه يُحدّد مكانتهُ في الوجود لدرجة إكرامه و تفضيله من قبل الخالق على كثير من آلخلق، و يخضع للتّبدل و آلتّغير مع تطوّر العلوم و تقدم الزّمن و مدى سعي الأنسان في التعمق بتلك آلمعرفة التي تُحقّق اليقين في وجود الأنسان.

و تمتاز اللغة العربيّة عن لغات العالم بخصوصيات فريدة, تعطي للمتكلمين قدرات بلاغية يمكنهم معها الوصول إلى كامل و غاية المعنى المراد معرفته من خلال عبور آلألفاظ الحقيقيّة إلى إستعمالات اللغة المجازية .. التي بدونها يستحيل الوصول إلى معرفة آلحقيقة المطلقة و هي الله من خلال فلسفة الوجود, حتى و إن كانتْ الأثباتات العلميّة تؤكد تلك الحقيقة.

لأنّ طبيعة الرّوح الأنسانيّة و قلبه لا يطمئن و لا يرتاح كثيرأً للحقائق العلميّة المجرّدة بقدر إستئناسها و دركها للحقائق المجازيّة التي تتناغم أكثر مع الحواس الخمسة و مع عالم الرّوح الحساسة جدّاً .. بآلضبط كمآ هو الحال مع آلألوان الغير الصريحة المستخدمة في الرسم, حيث لا ترتاح الرّوح للألوان الصّريحة بينما تنجذب للألوان الغير الصّريحة لسحرها و لقوّة جاذبيتها و غرابتها, حيث يستأنس و يلتذ بها الناظر أكثر, لأنّ من طبيعة النفس الأنسانية سرعة اصابتها بالملل في حال تكرار المكرّرات التي يراها دائمأً في الموجودات المألوفة!

و كذلك لعدم وجود وسيلة أخرى – للبشر الذين يبلغون درجة الآدميّة – للتعبير عن آدميّتهم و كشف آلأسرار الغامضة و ماهيّة وجودهم الحقيقيّ و معرفة الخالق .. سوى آللغة لدرك و وعي و كشف تلك الحقائق التي أشارت لها الكتب السّماوية و على رأسها القرآن الكريم؛ لذلك حلّ (المجاز) بَدَلَ (التَّصريح) المُمّل كأمْثَل بديلٍ لتوضيح آلكثير من القضايا الأساسيّة التي طرحها القرآن الكريم بدءاً بصفات و عظمة الله تعالى و أبعاد و حقيقة الوجود و أسرار الكون و إنتهاءاً بمكانة و آفاق الأنسان و سبب وجوده, إلى غيرها من الموضوعات الكونيّة ألأساسيّة(2) التي لا تستيطع كلّ العلوم الطبيعيّة من بيانها!

لذلك حلّ (ألمجاز) لبيان تلك الموضوعات الأساسيّة التي تعطي للفكر الأنساني مساحات كبيرة و آفاقاً واسعة و بليغة للتدبّر و التّأمل و التّفكر و التّعقل الذي يستطيع إختصار المسافات و الأزمان لسبر أغوار هذا الوجود آلغامض .. اللامتناهي على ما يبدو!

إنّ الهدف الأساسيّ من وراء إستخدام اللفظ المجازي :

هو آلحصول على أوسع آلأبعاد و أقصى المديات ألمُمكنة لمعرفة ألحقيقة آلكامنة وراء الحقائق الكونيّة – الوجوديّة و أبعاد العلاقات الشخصيّة – آلأجتماعيّة و تأثير النُّظم عليها .. لرسم حياة أفضل لها معنى يتحقق بضلالهِ فلسفة الوجود و في مقدمتها سعادة آلأنسان.
فالحقيقة‏ اللّغوية:‏ هي ما أقرّ في الأستعمال على أصل وضعه في اللغة‏ و فَصَّلَ معناهُ آلمعاجم و آلقواميس اللغوية.

و المجاز‏ اللغويّ:‏ يتعدّى بيان آلأصل آلموضوعٍ في آللغة لمعرفة المخلوقات أو الخالق .. إلى آلتعابير المجازيّة, حيث يعدل إليه نيابة عن آلتعابير الحقيقية لتحقيق أهدافٍ ثلاثة هي‏:‏ — ألاتساع في الفهم, — آلتأكيد على مكانته و اهميته, — ألتّشبيه‏ ألذي يسعى لتقريب ألصّور التي تختلف سنخيتها عن سنخية الظواهر و الوقائع و آلأجسام كظاهر الأنسان(الجسد) ليدركها الذهن و آلقلب بشكلٍ أكمل. فإنْ عَدَمَ هذه آلأوصاف من اللفظ الذي هو (المجاز)؛ كانت (الحقيقة) البتة‏.‏

بإختصار أبلغ؛ (المجاز) تعبير عن (الجّوهر), بينما (الحقيقة) تعبير عن (العَرض). فآلّذي يبني لَكَ بيتاً في قلبهِ, هو تعبيرٌ مجازيّ عن شدّة و مدى و سعة عشق آلمفتون بكَ, بينما لا وجودَ لهذا آلبيت(الحقيقيّ) في آلواقع المرئي(المنظور) لتجرّده من الأسباب المنظورة و الملموسة(3). و عموماً فإنّ اللغة و ما تتميّز بها من جماليات و قدرات إعجازيّة يُمكن توضيفها من خلال ألمجاز لتُعبِّر عن إمكانيّة التواصل بين البشر بكلّ ما يحملون من أعباء و أفراح و أحزان من جهة؛ و بين البشر و الطبيعة من جهة أخرى؛ بآلأضافة إلى كشف العلاقة التي تربط تلك المخلوقات(البشر و الطبيعة) بآلله تعالى.

فدور المجاز في تلك العلاقات, هو تسهيل الفهم لتضيّق المسافة الإدراكية ثمّ العمليّة – كإنعكاس لذلك الأدراك والوعي القلبي – التي تفصل بين الخالق و المخلوق؛ بين الإنسان و أخيه الإنسان؛ بين الأنسان و الطبيعة؛ بين الواقع و الخيال. كما إنّ آللغة المجازية بوسعها آلأشارة إلى الوجود الإلهي المتجاوز,

و كذلك إلى الوجود الإنساني المركب الذي يُردْ إلى عالم المادة. و أنّ عَدَمَ أو ضَعَفَ فكرة المجاز في اللغة؛ فأنه يسبب إنعدام وجود .. أو ضعف في تلك (العلاقة) أو ربما تسبب إلتحام كامل كـ (وحدة الوجود) و (الحلولية), وتلك قضية معقدة تدخلنا في عالم العرفان الذي بيّنا سابقاً مساراته و محطاته السبعة المعروفة. و لكنّ اللغة المجازيّة حين تجسّدَتْ خلال الأفكار الفلسفية بشيئ من التطرف آلسّلبي لأهداف عنصرية, كانت مفتاحاً لتفسير و تحليل بعض آلأحداث و السّياسات لبعض الحقب التاريخية و الأنظمة الدّولية كما في آلحركة الصّهيونية و النازيّة و الوهابيّة و البهائيّة.

و عن الصّورة المجازيّة الإدراكيّة يعتقد اللغوييون، بكون لجوء الإنسان إلى إستخدام (المجاز) هو لزيادة التعبير قوّةً و تأثيراً و مساحةً كما أشرنا، فقد يكون مجرّد زخارف في بعض الأحيان و لكنه في أكثر الأحيان يكون جُزءاً أساسياٌ من التفكير الإنسانيّ الهادف. فالمجاز يقوم بعمليّة زيادة في نطاق اللغة الإنسانيّة و يجعلها أكثر مقدرة على آلتّعبير عن آلإنسانيّ المركب و اللامحدود عن طريق ربط المجهول بالمعلوم و الإنساني بالطبيعي و المعنوي بالمادي و اللامحدود بالمحدود!

أيّ أنّ الحركة العامّة للمجاز هي ربط عالم الشّهادة المحسوس بعالم الغيب الغير محسوس ليصبح غير المعروف وغير المحسوس أكثر دركاً و قُربا منّا نحن البشر الذي نعيش في عالم المادة و داخل حدوده، و إنْ كنّا دون الطموح للوصول إلى الحقيقة النهائيّة .. و دون السقوط في العدميّة المطلقة، فيصبح المجاز اللغويّ أداة الإنسان السّوي الهادف للتعبير عن أفكار و رؤى يُمكِن التعبير عنها لغوياً بتلك الطريقة.

تُشكّل آلصّورة المجازيّة كلّ أشكال و أبعاد المجاز، لتكون وسيلة إدراكيّة لا يمكن للمرء أن يدرك واقعه دونها، و يُمكن أيضاً إستخدامها كوسيلة لتمرير التحيزات و فرضِها بدقة بشكل خفيّ، فالمجاز يقوم بترتيب تفاصيل الواقع بنقل رؤية معيّنة. إنّ كلّ حضارة .. بل حتّى مشروع صغير؛ له صورتان مجازيّتان, هما :

الصّورة الأليّة؛ و هي التي تُصوّر العالم في حركة مرئية دائمة كالألة، الصّورة العضويّة: التي تُصوّرالعالم كائن حيّ و في حالة حركة دائمة، يعوِّل النموذج ألآليّ في آلأساس على آلفكر اليونانيّ القديم ألذي إكتسبَ مركزيّة خاصّة للثورة الصّناعية – التجاريّة – حتى عصر النّهضة الغربيّة الحديثة.

أمّا آلصّورة المجازيّة العضويّة، فيشغل مكان أكثر مركزيّةً و مصداقاً في عصر أفلاطون و أرسطو و لونجينوس، و لكنه إكتسب مركزيته في القرن التاسع عشر بعد آلنّهضة ألحديثة، و قد تُعبِّر أيضا تلك المجازية العضوية عن إزدياد الحلوليّة (الكمونيّة) و (العلمنة) معاً عبر تآلف غير منطقي أذلت الأنسانية بأبشع صورة بدت ظاهرها حضارية لكنها كانت تمثل جهنم الدنيا داخلياً,
و الحضارة الحديثة كما يعتقد المؤرخين بناء على (آلرّؤية المجازيّة) ؛ هي خليط من (العضويّة) و (آلآليّة) أو (تاريخ بينهما) بعيدأً عن الغيب، و يتمثل التشبيه في ذلك المعنى بأسطورة (بروميثيوس) التي يراها الكثيرين الصّورة المجازيّة العلمانيّة الأساسيّة، فهو يُعبّر عن رمز ألإنسان ألذي يتمرّد على القوى الغيبيّة التي تريد فرض هيمنتها عليها عن طريق تطوير ألعلم ليهزم الطبيعة، و يصبح بذلك هو ذاته إلهاً مكتفياً بذاته .. لكن بفضل الله و توفيقه و هذا هو سبيل العاشقين الحقيقيين.

ألعارف الحكيم : عزيز الخزرجي

About عزيز الخزرجي

ألسيرة الشخصيّة _ للفيلسوف الكوني عزيز حميد الخزرجي * ولد الفيلسوف عام 1955م في الأول من شهر تموز وسط العراق – محافظة واسط ثم إنتقل إلى بغداد لأكمال دراسته الأكاديمية و الحوزوية في نفس الوقت, حيث درس في عدة جامعات و حصل على عدّة شهادات عالية في مجموعة من الأختصاصات إلا أن تأريخه الحقيقي هو - إمتدادٌ لتأريخ آلحركة آلفكرية آلأنسانية - الكونية لأجل المحبة و آلعدالة و آلحرية و آلمساواة كوريث للتراث الفكري الأنساني - الكوني, لذلك تحَمّلتُ قيادة آلصراع ضد آلظلم و آلأفكار آلوضعية كأمين عام لحركة آلثورة الأسلامية بدأ حياته الفكرية - التغييرية في بداية آلسبعينات, بجانب تعاونه مع باقي الحركات الفكرية و السياسية و الأسلاميّة التي شاركتنا المحنة في نفس تلك الأهداف المقدسة ضد النظام البعثي الصدامي )المجرم و كل أنظمة الفساد في العالم بقيادة (المنظمة الأقتصادية العالمية, و مرّتْ آلسّنون علينا كالجّمر و لا زلنا نكابد الضيم و الظلم و الجشع بسبب فساد المفسدين في الأرض. * ولأّنّ والده(رحمه آلله) كان له نشاطاً سياسياً في بداية حياته ضد الأنظمة الظالمة و منها آلنظام البعثي الهمجي ألهجين, لذلك واجهت العائلة و الأصدقاء و الأقرباء الكثير من المحن و المواجهات مع الظالمين و تَطَبّعوا منذُ آلبداية على آلرفض المطلق لتلك آلأنظمة الجاهلية ألتي خنقت آلأنفاس و آلحرّيات و هدرت حقوق الناس و قتلت آلمفكرين و آلعلماء و آلمثقفين ليحلّ آلموت بَدَلَ آلحياة في كلّ حدبٍ و صوب في آلبلاد وآلعباد وآلعراء ليترك شعباً معوقاً جسدياً و نفسياً و روحياً و ستمدد المحن لأجيال أخرى .. و بذلك بيّضَت تلك الأنظمة و على رأسها نظام صدّام الجاهل بظلمه و جرائمهِ وجْهَ كل طغاة التأريخ بما فيهم آلحجاج بن يوسف ألثقفي و هتلر و موسيليني. * و لإنّ الفيلسوف الكوني الوحيد في هذا الوجود أمن بأنّ آلفكر هو وحده الذي يُمثّل حقيقة وجود آلأنسان؛ لذلك لم يترك كتاباً فكريّاً أو فلسفياً أو تأريخياً أو إجتماعياً..إلّا و طالعهُ بدقة و تأنٍ, كي لا يفوته شيئ من تأريخ الكون و الأنسان, لكونه إنسان إرتقى سلم الآدمية بعد ما كان مجرد أحد البشر .. فدرس إيبستيمولوجيا المعرفة من وصية أبينا آدم(ع) ألتي أتى بها إلى آلأرض ثم تنقل من يد لآخر, مروراً بنزول "إقرأ" في آلقرآن آلكريم كآخر كتاب سماوي في الأرض و إلى آخر نتاجٍ فكريّ مُعاصر .. سريعاً أو متأملاً؛ مُسْتطلعاً أو باحثاً - لكنّه و يا للحيرة كلّما كان يغوص في أعماق معارف آلآفاق و آلأنفس أكثر؛ كلّما كنتُ أحسّ بآلمزيد من آلجّهل و آلحيرة أمام عظمة آلحقائق و آلعلوم و الجمال و آلأسرار آللامتناهية في هذا الوجود كانت تؤرّقه و تشلّ إرادته حد التسليم مسبباً له الدوار في رأسه, و كاد أن يستسلم أمامها .. مِراراً .. لولا آلألطاف آلألهية ببركة أهل آلبيت(ع) المظلومين و عشقه الكبير لله تعالى آلذي أعانه في كلّ نجاح حقّقته حتى صار أميناً على رسالة الكون العظيمة التي تركها الناس الذين فقدوا الضمير و الوجدان و آلرحمة .. و وُفّق إلى حد كبير في آلرّبط و ليس – آلدّمج - بين آلأفكار و آلعقائد و آلعلوم الطبيعية و الأنسانية من خلال نتاجات عديدة كسلسلة ؛[أسفارٌ في أسرار آلوجود] و [ألسياسة و آلأخلاق ؛ من يحكم من؟] و [مستقبلنا بين الدين و الديمقراطية] و [محنة الفكر الأنساني] و [ألأزمنة البشرية المحروق] و [فلسفة الفلسفة الكونية] و غيرها, بجانب "آلمقالات" التي ملأت الآفاق - لأنّ الدّمج و آلخلط بين آلأفكار يُسبّب آلفوضى و آلتناقض و آلجنون في فكر آلأنسان المثقف الأكاديمي و الباحث و كل من يسلك طريق الثقافة و الادب, و بالتالي ألتّشتُتَ و آلضياع, و تلك لعمري هو حال معظم - إن لم أقل كل - ألمُتثقفين ألمعاصرين! لذلك كان الفيلسوف الكوني و ما زال يستقبل و يستمع لكلّ آلآراء كي يعرف مواقع الخطأ و آلشبهة للوصول إلى خفايا الحقيقة مهما كان الثمن لبيان آلحقّ للناس كما يستحق. * و يعتقد الفيلسوف الكوني بأن آلأنسان لا يمثل إلّا آلفكر بجانب المحبة, لأن [الدين و العلم تؤأمان؛ إن إفترقا إحترقا], و قوله أيضا: [الأشجار تتكأ على الأرض لتنمو و تثمر لكن الأنسان يتكأ على المحبة لينمو و يثمر]؟ و لا يتكامل الفكر إلا مع القلب الرؤوف في اجواء الأمن و الهدوء .. و آلأهم ما في آلفكر هو مرجعية ذلك آلفكر و قواعده, و إذا ما أردنا لذلك آلفكر أن ينتشر من قبل آلنخبة فلا بُدّ من تحديد آلمنهج ألأمثل و آلعمل آلفكري جنباً إلى جنب مع آلتواضع و آلأخلاق والسلوك السوي؟ لأنّ آلمجتمع ألذي لا يصنع أفكارهُ آلرئيسية بنفسه لنيل آلكمال؛ لا يُمكنه حتّى من صنع آلحاجات آلضرورية لأستهلاكه و معيشته,وهكذا المنتجات الضرورية لتصنعيه! كما لا يُمكن لمجتمعٍ في عصر آلنهضة و(المعلومات)أن يُحقّق آلبناء و آلإعمار والرّقي بآلأفكار آلمستوردةِ ألجاهزة التي قد يستطيع النطق بها وكتابتها؛ لكن من المستحيل وعيها و درك أبعادها, لأنها مُسلّطة عليه و تكمن فيها الأسرار من الداخل و آلخارج و لذلك بقيت حال الدول العربية و الأسلامية كما هي تُراوح في مكانها: إلأمة التي تريد أن تتطور تحتاج إلى آلأصالة آلفكرية و آلتوحيد آلعملي ألضّامن للنهضة و الأستقلال آلأقتصادي و آلسّياسي, و آلمفكر و فوقه الفيلسوف يتحمل مسؤولية ذلك لتحقيق آلعدل و آلخير, و كذا آلوقوف بوجه آلظلم قبل آلغير .. وفي أيّ بقعة ومكان من آلأرض. * و يعتقد باننا لو قدرنا على ربط آلأفكار و آلمفاهيم و آلقيم و آلعلوم و برمجتها منطقياً للتطبيق بدون آلدّمج؛ لتمكّنا من آلعيش أحراراً و لحقّقنا آلكثير لدُنيانا و آخرتنا, من غير أنْ يفرض آلآخرون آرائهم علينا أي إستعمارنا! فالمعرفة بجانب الأيمان هي القدرة و آلأستكمان لنشر آلعدالة وتقليل زوايا آلظلم و آلفساد و الفقر و آلأستغلال على آلأقلّ, و هذا هو فنّ آلسياسة اللأنسانية الكونية آلمشروعة في آلفكر آلأسلامي و نقطة آلأنطلاق آلصحيحة للبدء بآلأسفار الكونية للوصول إلى مدينة العشق! و لأجل تلك آلمقدمات, وآلجهل بسِرّ آلأسرار في آلكون و آلخلق بدأ الفيلسوف الكوني الخزرجي .. بالبحث عن فضاآت أرحب للمعرفة و لأطلاق عنان الفكر, لذلك لا بد من التوكل على الله و البدء بآلأسفار شرقاً و غرباً, خصوصا بعد ما عجزت حوزةآلنجف بكل ثقلها العلمي و تأريخها من إرواء ضمئه آلروحي و آلفكري .. حيث لم يجد ضالته فيها خصوصاً بعد إستشهاد أستاذه آلروحي ألعارف ألفيلسوف محمد باقر آلصدر(قدس), فقد بدأ يشعر من بعده بالموت آلبطيئ مع إستمرار البعث آلهجين بفسادهِ في آلحكم لتقرير مصير الشعب العراي الذي عاش و مازال يعيش في أعماق الجهل, فمضي باحثاً عن جواب شافي لقلبه و روحه ألمتلهفة لمعرفة الحقيقة و ما كان يدور حول العالم وفي هذا آلكون من آلألغاز و آلأسرار و آلرموز آلتي أحاطتْ بفكره وسط أمواجٍ و إعتراضات و أسئلةٍ عصيّةٍ على آلمقاومةأباحت حتى دمه! * كانتْ مدينتا (قمّ و طهران) بعد أوربا .. ألمحطة ألسابعة وآلثامنة بعد هجرته الأولى من آلعراق عام1979م, حيث لمس فيهما آلحقيقة كلها تقريباً لوجود أساطين العلم و الفلسفة أمثال المطهري والآملي! فعكف على مطالعة أفكار آلعلماء وآلعرفاء و إلتقاهم شخصيّاً و تباحث معهم لسنين منهم فيلسوف العصر جواد الآملي الذي طمأنني بأني مُؤهل لزعامة الفكر الأنسانيّ - الكوني وإن كان قد خسر عمراً مع أحكام المنطق و الاصول و التقليد الشخصية البالية التي لم تغن و لم تسمن من جوع والتي تعلّمها في النجف, و مؤكّداً بأن الحكمة العملية قد ينالها صاحب القلب السليم فجأة بإذن الله, و كما كان حال السهروردي و السلطان شاه آبادي و الملا صرا و (إبن سينا) الذي قال :[ لقد كان (أبو سعيد أبو الخير) سبباً في تقدّم إيماني 50 عاماً للأمام] كان هذا بعد لقائه و مرافقته للعارف أبو سعيد في نيشابور التي تسمى بخراسان ومدينة(مشهد اليوم)في قصة وحادثة معروفة عرضناها في مباحثنا, لكنّه - اي الفيلسوف الكوني - ترك تلك آلبلاد ألآمنة ألعامرة بآلعرفان و آلعشق و آلأسلام آلأصيل عام1995م بإذن شرعيّ, إلى أقصى آلدّنيا شمال أمريكا(كندا) لتكتمل غربته في هذا آلوجود(الروحية والمادية), حيث إنقطع عن آلأصل والفرع تباعاً, و إنْ إرتاح وإنتعش آلجسم - ببعده المادي قليلاً لكنه بآلمقابل عانى ألم الفراق والبعد عن معشوقي الأزلي وسط غربة مضاعفة أضيفت لغربته الأولى حين أنقطع عن الأصل يوم ولد في هذه الدنيا بكل معنى الكلمة, و رغم كل المعوقات والغربة فقد إنطلق آلفكر و في جولة أخرى وسط مجتمع يختلف كثيراً عن شرقنا, و ما إستقرّت روحه و ما إرتاحت حتى هذه اللحظة.. بل عانى آلكثير حين أدرك محنة حقيقة الأنسان في بلد "آلديمقراطية" بكلّ أبعادها, و أحسّتْ بتفاهة – بل خطورة - ألبعد آلمادي عندما يتجَرّد آلأنسان من بُعدهِ آلرّوحي و آلفكريّ في معركة الحياة مهما كانت تلك البلاد متطورة مادياً و تكنولوجيا, لأنّ آلمادّة لا تُمثّل حقيقتنا الأساسية, بل آلأصل هو قلب آلأنسان و ضميره آلباطن و وجدانهُ - بآلطبع يقصد الحكومات و الأنظمة و ليست الشعوب المغلوبة فيها بسببهم! و رغم هذه آلمأساة .. لكنه لم يستكين و لم يستسلم في آلبحث عن ضآلته! لهذا بقي غريباً بحقّ .. عن آلدّيار و آلآثار و آلأصول و الجذور .. فطباعه الشرقية بقيت هي الأصل الذي يحرّكه! *في تلك البلاد طالع بشغفٍ أسباب محنة آلأنسان و وجهته المعاصرة وسط زبرجة الحياة و صوت التحرر, و قارنها مع قصة آلفلسفة و آلوجود, و أصل آلأفكار و دواعيها, و آلصراع آلأزلي بين الخير و آلشر, و علّة تفنّنْ آلأنسان في آلأستغلال و آلتسلط, و نشأة آلكون و أصل آلوجود, و نظرية ألـ (ألبَك بَنك), و حقيقة المادة ونشأتها و مكونات الذرة و آلزمن .. و سبب "قَسَم" آلله تعالى بـ " آلعصر"؟ و هل يتقدم أم يتأخر مع آلحركــــة؟ يزيدُ أم ينقص مع إســتمرار آلحياة؟ ثم أسرار و مقياس آلجمال في آلوجود! و علاقة آلقلب مع آلعقل, و آلجسم مع آلروح, و رابطة تلك القوى آلمجهولة مع آلنفس! و آلكلّ مع منبع آلفيض آلألهي. و آلحكمة من كل تلك آلألغاز في آلوجود! وهل آلأنسان و كلّ تلك آلألغاز خُلقتْ لغاية عظمى؟ و هل حقاً لنا وجود في آلوجود؟ أم إننا قائمون بوجود أصل حقيقي نجهله؟ و هل نُفنى و يفنى كلّ هذا الوجود .. بعد "آلصّورَتَينْ" ليبقى فقط وجه ربك ذو آلجلال و آلأكرام؟ وإذا كان كذلك؛ فلماذا إذن كل تلك المحن و المكابدة و آلأسفار في آلآفاق و آلأنفس و آلملكوت؟ ماذا وراء تلك آلحِكَمِ ألمكنونة؟ و أين يكمن سرّ آلأسرار؟ و تأسف بل كثيرا ما بكى ولا زال لمحنة أخيه الأنسان و لمحنته و لمحنة"جبران خليل جبران" و"إيلياأبو ماضي" و "أبو سعيد أبو الخير".. لأنه عندما إلتقى بآلعارف أبو الخير .. كان من وراء حجاب في عالم آلبرزخ الذي يتوسط بين الدنيا و الآخرة .. لذلك لم يجديه جواب الفيلسوف على حِمَمِ أسئلتهِ آلكبيرة آلتي تركها بعد ما نثرها على آلعالمين قبل قرنٍ تقريباً.. معلناً "لستُ أدري" .. ومن أين أتيْت؟ و كيف أتيتْ؟ و إلى أين أتيتْ؟ و لِمَ أتيتْ؟ و مع من أتيتْ؟ و إلى أين أرجع؟ أمّا فيلسوفنا القدير فقد علم .. لكنه تأسف من تلك المعلومة و تمنى بان لم يكنْ قد علم!؟ لأنه علم أنه لا يعلم شيئاً من سرّ آلوجود و آلزمن و آلجمال و أصلّ آلشر في آلأنسان .. سوى حقيقة واحدة .. هي حبّه للأنسان رغم كل الذي لاقاه منه, فقد جبلت نفسه عليه مُذ كان صغيراً! ليعيش بين حقائق و تناقضات كثيرة! لأنّ ألصدق في آلحب مع آلناس يعني تدمير النفس, كماآلصدق مع آلذات يعني قتل الذات. و هل هناك أصعب من أن يعيش آلأنسان مُحمّلاً بأثقالٍ عجز عن حملها آلسمواتُ و آلأرض و أشفقن منها!؟ لذلك طالما كان يقول؛ شيّبتني تلك الأمانة آلتي إحتوتني بإختيار و بلا إختيار! فأكتملت محنتي و زاد تواضعي حين أدركتُ آلحقيقة آلكبرى و تلك آلأمانة آلثقيلة .. خصوصاً عندما طالع وصيّة العارف الكبير "إبو سعيد أبو الخير" للعارف آلفيلسوف " أبن سينا" حيث قال له عقب حادثة محيّرة: [عليك يا أبن سينا أن تخرج من آلأسلام آلمجازي و تدخل في آلكفر آلحقيقي], فأعقب آلفيلسوف آلهمام أبن سينا على تلك آلوصية بالقول: [ لقد سبّبتْ لي تلك الجملة تقدميّ في مدارج آلأيمان خمسين عاماً"! * بعد هذا السفر العظيم, بقي الفيلسوف الكوني مهموماً .. كئيباً .. مثقلاً .. أذاب آلصبر على آلمعشوق جسده النحيل وأثقل روحه حتى عاد لا يتحمّله, و ما يُدرينا .. لعله سيبقى لولا رحمتهِ حائراً وحيداً مكتئباً مكسور القلب مغترباً بقية العمر كقدر كونيّ حتى يلقى محبوبه الأولي في يومٍ موعود لا شكّ فيهِ!؟ * و رغم كونه فيلسوفاً كونيا وحيداً بعد ما كان مجرد مهندسا و مدرسا ثم مديراً و متخصصا و أستاذا جامعياً, و حائزاً على دبلوم إختصاص في تكنولوجيا آلتربية, و ماجستير في علم النفس, و متخصص في الفلسفة بالأضافة لدورات علمية عديدة – إلّا أنّ كل ذلك آلخزين آلعلمي و آلمعرفي و آلتجارب آلعملية لا تعادل دُروس آلعرفان و العشق و آلأخلاق ألتي تعلّمها و أخذها مباشرةً من أستاذه ألأنسان بل الآدميّ ألشهيد ألفيلسوف محمد باقر آلصدر(قدس)أثناء زياراته له في آلنجف آلأشرف خلال السبعينات نهاية كل شهر و مناسبة! و لم يترك في وجوده كل تلك الأختصاصات بجانب عشرات آلآلاف من آلأساتذه أثراً يذكر – لكون كل كتاب قرأهُ كان أستاذاً له – لكنها لم ترتقى للقدر الذي تركه ذلك آلأنسان الآدميّ ألشهيد ألكامل من حقائق علّمته كيف السبيل لمعرفة الحقيقة وسط الهرج وآلمرج والنقاق و الكذب الذي يعيشه العالم .. كل العالم! * ترك التنظيمات ألحزبية - آلحركيّةرغم تأسيسه لحركة آلثورة آلأسلامية 1975م, حين رأي بأن آلأطار آلحزبي يُقيّد حركته و حركة آلآخرين و تكاد آلصنمية تطغى على حياة الحزبي - آلحركيّ, رغم أهدافهم آلعالية بآلدعوة للأسلام لإنقاذ الأنسان من شر (المنظمة الأقتصادية العالمية) و تأسيس آلحكومة آلأسلامية العلوية بدلها, هذا على الرغم من مباركة كلّ آلمرجعيات آلدّينية للعمل الأسلامي, لأن الكوني لا يمكن أن يحصر نفسه ضمن تنظيم لمنفعة الرؤوساء و كما هو حال كل التنظيمات العاملة إسلامية و غير إسلامية, بلا جدوى ونتيجة, خصوصاً بعد ما لاحظ عملياًإنقطاع حبل الولاية في مسعاهم و بُعد المتحزب عن محبة الله و الأنسان و التكور حول ذاته ونفسه الأمارة بآلسوء, بسبب دورانهم في حلقات و مدارات آلتنظيم و العمل آلحزبيّ آلمحدود الذي يحجم فكر و روح الأنسان, حيث لم تعد تُناسب حجم و قوة آلأفكار وآلأهداف وآلموضوعات التي كان بصددها خصوصا بعد إنتصار ثورة آلحقّ في آلشرق! * كتب الفيلسوف الكوني مئات آلبحوث و آلاف آلمقالات آلمختلفة و البيانات العامة في آلسياسة و آلفكر و آلأعلام و آلمنهج و آلفلسفة و آلعلوم و آلمناهج, و شارك في ألتمهيد لتأسيس آلمجلس آلأعلى آلعراقي عام1981م, و تأسيس أوّل صحيفة لها بإسم(آلشهادة), وقبلها تأسيس صحيفة آلجهاد بعد ما كانت مجلة شهرية بإسم الجهاد ثم (بيام دعوت) بآلفارسية, و أسّس ألمراكز و آلمواقع و آلمنتديات آلأعلامية و آلفكرية و آلمنابر الثقافية العديدة تباعاً, كان ولا زال تربطه علاقات و صداقة مع الفيلسوف سروش الذي يُعد من أبرز الفلاسفة العشر المعاصرين في العالم, حيث عمل معه لأصدار مجلة سروش ولأعوام و عمل مع كبار المثقفين و السياسيين العراقيين منهم عزّ الدين سليم و أبو محمد العامري حيث كان مستشاراً و منظمماً و مخرجاً لصحيفة(الشهادة)المعروفة و قبلها (الجهاد) و قبل ذلك مجلة (الجهاد) و (رسالة الدعوة) و النشرة الخاصة المحدودة التداول (العيون) والتي كانت توزع على خمسة أشخاص فقط هم: السيد محمد باقر الحكيم و آلشيخ سالك ممثل الأمام الراحل و رئيس قسم المعلومات في المجلس,و كذلك موقع (المنهج الأمثل)وغيره و قصته تطول و تطول نكتفي بهذا ولا حول ولا قوة إلا بالله آلعلي آلعظيم ألسيد الموسوي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.