حمى الشيكونغونيا وتضارب الأحاديث النبوية حول انتقال العدوى

بقلم بابكر فيصل/
انتشر مؤخرا في ولاية كسلا، شرق السودان، مرض “حمى الشيكونغونيا” بصورة وبائية أدت إلى إصابة آلاف الأشخاص ووفاة عشرات. وما زالت الولاية تعاني من آثار الداء الذي يسبب آلاما مبرحة في المفاصل إضافة للآلام العضلية والصداع والتقيؤ والتعب والطفح الجلدي.
وقد صادف أنني كنت أتحدث مع أحد أصدقائي حول طبيعة المرض وطريقة انتقاله، وكان في نية ذلك الصديق زيارة كسلا، فقلت، حسب معلوماتي لا يعدي المرض بطريقة مباشرة، بمعنى أن عامل المرض (الفيروس) لا ينتقل من الشخص المريض إلى المعافى (بالتماس) كما يحدث في مرض مثل الأنفلونزا على سبيل المثال، بل ينتقل بطريقة غير مباشرة عبر نوع معين من البعوض.
هنا تدخل شخص ثالث كان يجالس صديقي، وتبدو على مظهره علامات التدين الظاهري من لحية وزبيبة صلاة، فقال موجها حديثه لصديقي: توكل على الله وسافر، ألم تسمع قول الرسول (ص): “لا عدوى ولا صفر ولا هامة”، ثم نظر إليّ شذرا ولسان حاله يقول: حتى لو كان المرض معديا فلن يصيبه مكروه!


إن تلفيق شُرَّاح الأحاديث وتفسيرهم المتكلف يلخص أزمة غياب العقل المسلم بامتياز
لم يدر بخلد ذاك الشخص أنني قد سلخت أعواما كثيرة من عمري أبحث وأنقب في كتب الحديث، فباغته بالسؤال: وهل سمعت بالقول المنسوب للرسول “إذا سمعتم بالطاعون بأرض، فلا تدخلوها”؟ فارتبك من سؤالي، وبعد نقاش معه تكشف لي جهله بالأحاديث الواردة في هذا الخصوص في صحيحي البخاري ومسلم.
في واقع الأمر فإن الأحاديث الواردة في الصحيحين عن هذا الأمر تعكس تضاربا واضطرابا واضحا في متنها، كما أنها تبين مدى التهافت الذي حاول المشتغلون بالأحاديث أن يجمعوا به الروايتين المتناقضتين في هذا الخصوص بدلا عن تبني الرأي السليم المتمثل في رفض إحداهما، لا لشيء سوى الحرص على تقديس كل ما يرد في كتب الأحاديث حتى وإن اتسم بالتناقض البائن.
الأحاديث الواردة في الصحيحين، والتي تنفي إمكانية وقوع العدوى كثيرة، منها ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة؛ “قال رسول الله: لا عدوى ولا صفر ولا هامة. فقال إعرابي: يا رسول الله: فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب، فيدخل بينها فيجربها؟ فقال: فمن أعدى الأول؟”.
وكذلك أخرج الشيخان عن أنس بن مالك عن النبي؛ “لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل”. وأخرجا أيضا عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال “لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار”. كما أخرج مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري؛ “قال رسول الله: لا عدوى ولا طيرة ولا غول” وفي رواية أخرى “لا عدوى ولا صفر ولا غول”.
ومن ناحية أخرى، فقد وردت في الصحيحين أحاديث كثيرة على النقيض من الأحاديث أعلاه، إذ أنها تثبت إمكانية وقوع العدوى، منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة؛ “قال رسول الله: وفِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد”. وكذلك أخرج مسلم بسنده عن عمرو بن الشريد عن أبيه؛ “كان في وفد ثقيف رجل مجذوم. فأرسل إليه النبي: إنا قد بايعناك، فارجع”. وأخرج الشيخان بسندهما عن أسامة بن زيد عن النبي “إذا سمعتم بالطاعون بأرض، فلا تدخلوها”.
أما أكثر هذه الأحاديث غرابة وإثارة للعجب فهو ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة؛ “قال النبي: لا عدوى ولا صفر ولا هامة. فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال: فمن أعدى الأول؟” ثم قال البخاري: “وعن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة بعد يقول: قال النبي: لا يورَدَنَّ ممرضٌ على مصح، وأنكر أبو هريرة حديثه الأول. وقلنا: ألم تُحدِّث أنه لا عدوى؟ فرطن بالحبشية. قال أبو سلمة: فما رأيته نسي حديثا غيره”.
نفس القصة أخرجها مسلم في صحيحه بعبارات أوضح تبين اضطراب أبو هريرة في روايته حول “لا عدوى”، حيث روى بسنده عن أبي سلمة أن رسول الله قال: “لا عدوى. وقال: ‘لا يوردُ ممرضٌ على مصح’، ثم يقول مسلم إن أبو سلمة قال: ‘كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: لا عدوى، وأقام على أن ‘لا يورد ممرضٌ على مصح’ قال: فقال الحارث بن أبي ذباب: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه. كنت تقول: قال رسول الله: ‘لا عدوى’. فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: ‘لا يورد ممرضٌ على مصح’ فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة، فرطن بالحبشية. فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة: قلت: أبيت. قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله قال: “لا عدوى” فلا أدري أنسِىَ أبو هريرة؟ أو نسخ أحد القولين الآخر؟”.
تبين هذه القصة بجلاء التناقض في حديث أبو هريرة، فهو تارة ينسب للرسول القول بإمكانية انتقال العدوى وتارة أخرى عكس ذلك. وعندما انتبه الحارث بن أبي ذباب إلى ذلك التضارب وحاول تذكير أبو هريرة فإن الأخير غضب ورطن بلغة الأحباش منكرا “فأبى أن يعرف ذلك” أنه قد روى حديث نفي انتقال العدوى!
وعلى الرغم من إنكار أبو هريرة الواضح إلا أن علماء الحديث لم يتجرؤوا على استبعاد الرواية بل آثروا أن يجدوا لها تفسيرا متهافتا بعيدا كل البعد عن معناها المباشر الذي فهمه الصحابة (الحارث وأبو سلمة)، وذلك عن طريق جمع الروايتين على أساس قاعدة “نفي السببية” المعتمدة في المذهب الأشعري، والتي تنفي تأثير الأسباب بقوة أودعها الله فيها وتقول بأن المسببات تقع بخلق متجدد لله في كل مرة.
يتوجب رفض رواية نفي العدوى دون الشعور بأدنى حرج، ودون اللجوء لتفسيرات تلفيقية لا تصمد أمام النظرة العقلانية
بناء على تلك القاعدة جمع شرَّاح الحديث بين الروايتين، وقالوا إن نفي العدوى المقصود منه هو نفي تأثير المرض بمعزل عن إرادة الله لأنه لا ممرض إلا المولى جل وعلا. أما إثبات العدوى فقالوا عنه إن الله كثيرا ما يخلق المرض عند التماس مع المريض، وإن الإنسان أُمر بالابتعاد عن المريض ليس خوفا من العدوى إذ لا وجود لها من المريض بل من باب سد الذرائع فحسب، حتى لا يتوهم الشخص أن مرض الآخر قد أعداه دون الله!
لا شك أن تلفيق شُرَّاح الأحاديث وتفسيرهم المتكلف أعلاه يلخص أزمة غياب العقل المسلم بامتياز، كما أنه يؤكد إحكام سيطرة النقل على ذلك العقل، حيث تضخمت المنظومة الخبرية بصورة كبيرة وتحولت إلى سلطة طاغية لها قوة وإلزام الوحي (القرآن)، وبالتالي أضحى من الممنوع نقدها أو مناقشتها أو التشكيك في صحتها.
وذلك يمثل مخالفة صريحة للتقاليد التي أرساها الصحابة الأوائل، الذين حثوا على الإقلال من الرواية عن النبي، حيث قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب “أقلوا الرواية عن رسول الله (ص) إلا فيما يعمل به”؛ بل أن الرسول نفسه نسب إليه القول “لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه”.
قد أثبت العلم أن العدوى تسري من الشخص المريض إلى الشخص المعافى عبر الميكروبات (البكتريا والفيروسات والفطريات والطفيليات)، وأن ذلك يمكن أن يتم عبر التماس المباشر، وهو أمر ثبت عن طريق الحس والمشاهدة، وبات علما مقطوعا به لا يمكن نفيه عبر روايات مضطربة. بالتالي فإنه يتوجب رفض رواية نفي العدوى دون الشعور بأدنى حرج، ودون اللجوء لتفسيرات تلفيقية لا تصمد أمام النظرة العقلانية.
شبكة الشرق الأوسط للإرسال

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

One Response to حمى الشيكونغونيا وتضارب الأحاديث النبوية حول انتقال العدوى

  1. س . السندي says:

    ١: لم يطيح حظ محمد غير مسلم وبخاري وسكرتيره أبا هُريرة وبحيرة الراهب، كما لم يطح بصدام غير عدي وقصي وحسين كامل وَعَبَد حمود ؟

    ٢: العلة ليست في مسلم والبخاري بل في العقول التي تصدق أن القرأن منزل من عند الباري ، وتكفي الأغلاط والتناقضات والكفر والفسق الذي فيه أنه ليس من نهر جاري ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.