حكاية #كورونا #السورية

كوليت بهنا

في الوقت الذي تتنافس فيه الدول لإثبات فعّالية لقاحاتها التي طرحت في الآونة الأخيرة لمواجهة فايروس كورونا المستجدّ، ومن بينها اللقاح الروسي سبوتنيك والصيني سينوفاك، إضافة إلى لقاحي أوكسفورد البريطاني والأميركي مودرنا، تتركز أنظار العالم منذ الأسبوع الفائت على بريطانيا التي بدأ مواطنوها تلقي لقاح فايزر، الأكثر اهتماماً عالمياً، لرصد آثاره والتأكد من جدواه.

الرأي العام العربي الذي انقسم مع بدء انتشار جائحة كورونا في الربع الأول من هذا العام، بين غير مصدق لوجود الفايروس وإحالته إلى نظرية المؤامرة، أو أقرّ بحقيقة وجوده بصفته جزءاً لا يتجزأ من نظرية مؤامرة امبريالية متوحشة مستمرة، يعود اليوم مع الموجة العنيفة الثانية لانتشار الوباء عالمياً، وينقسم مجدداً في التعاطي مع أخبار هذه اللقاحات، واعتبار طرحها في الأسواق العالمية، متعجلاً ومثيراً للريبة، ومؤكداً لنظرية المؤامرة التي تتابع مهمتها المتغطرسة، وستقضي باللقاح وليس بالفايروس، على بعض الشعوب المختارة.

السوريون الذين أنهكت حرب السنوات العشر بلادهم واقتصادهم ومشافيهم، وهجّرت آلاف الأطباء والكوادر الطبية المتخصصة، وكانوا منذ بدء انتشار الوباء محط اهتمام دولي ومدعاة للقلق من قبل منظمة الصحة والأمم المتحدة، لم يبتعدوا كثيراً عن آليات التفكير وردود الفعل هذه فيما يخص الانقسامات حول مؤامرات الفايروس عند بدء انتشاره، أو لاحقاً مع الاعلان عن لقاحاته.

حيث تعاطوا منذ بدء انتشار الجائحة بكثير من اللاجدية في تقبل حقيقة وجود الفايروس، وحين تلمسوا جديته المفرطة بعد عودة انتشاره بينهم في موجته الضارية هذه الأيام، لوحظ أن الاستهتار أو عدم الاكتراث في التعاطي مع هذا الوباء مازال سائداً بينهم بشكل عام، رغم تسجيل ما يقارب تسعة آلاف إصابة بحسب الأرقام الرسمية تتركز معظمها ومنذ البداية في العاصمة وضواحيها، وتبادل أخبار خاصة عن وجود عشرات الآلاف من الاصابات المكتومة غير الموثقة التي لا يجهر بها أصحابها، وارتفاع ملحوظ لعدد الوفيات في الأشهر الأخيرة، والتي لا يمكن الجزم بشأنها، ومان كان أصحابها قد قضوا نتيجة للوباء أو لأسباب أخرى.

تعود أسباب هذا التكتم في الاعلان عن الاصابة بالفايروس أو الوفاة كنتيجة له، إلى البدايات الأولى للانتشار، حيث تعاطى السوريون، شأنهم شأن معظم الشعوب العربية، بسلوكيات خاطئة خالية من الوعي، وبصفته وصمة تتسبب لأصحابها بالنبذ والتمييز والعزل الاجتماعي، ومتسبب به هذه الوصمة من تداعيات نفسية ومعنوية لجميع أفراد عائلة المصاب، والتخوف من التكاليف المادية وانعدام الثقة والوعي في فكرة اللجوء إلى المشافي، فضلاً عن إحساسهم العام بالعبثية والاستهزاء بمخاطره، واعتباره قضية هزلية مقارنة بأهوال الحرب التي عاشوها.

ما أصاب السوريين حقيقة بمقتل ليس انتشار الفايروس وتداعياته، بل التراكم المستمر لآثار الحرب

تبدلت هذه الرؤي الخاطئة لاحقاً بشكل نسبي، دون أن تتغير كثيراً سلوكيات مواجهة الفايروس وتفادي انتشاره، حيث مازال الكثيرون بينهم يستخفون أو لا يكترثون حتى اليوم بالإجراءات الاحترازية من أهمية التباعد الاجتماعي أو ارتداء الكمامة أو غيرها، ومن حيث انعدام ثقافة المواطنة في مواجهة الأوبئة الخطيرة، وبخاصة في دول لا تتوفر فيها المقومات الرئيسة والاستعدادات الكافية، والتي تقتضي بتكاتف الجهود الحكومية مع الجهود الفردية وتحمل المسؤوليات بشكل مشترك.

بتتبع الأداء الحكومي السوري لمواجهة هذا الوباء، لوحظ أن الجهات المختصة تعاطت مع الجائحة بمسؤولية وجدية وبقدر الامكانيات المتاحة، من حيث تسخير الاعلام الرسمي لنشر التوعية بشكل مكثف، واتخاذ الاجراءات الاحترازية من حيث فرض حظر التجول في الأشهر الأولى، أو توفير أماكن خاصة للعزل أو التعقيم العام، أو إلزامية ارتداء الكمامات في بعض الأماكن العامة، أو توفير أقسام خاصة في المشافي لاستقبال الحالات المشتبه بإصابتها.

لكن ما أصاب السوريين حقيقة بمقتل ليس انتشار الفايروس وتداعياته، بل التراكم المستمر لآثار الحرب وانهيار الأوضاع المعيشية بشكل متسارع في الأشهر القليلة الماضية، كنتيجة حتمية للآثار الاقتصادية التي تسبب بها انتشار الوباء محلياً وعالمياً، وكنتيجة للحصار والعقوبات التي فرضت تباعاً على الحكومة السورية.

أمام هذه الانهيارات المتلاحقة وصعوبة توفير القوت اليومي بشكل كارثي ومتصاعد، لم يعد الفرد السوري يكترث لفايروس بطبيعة الحال، أو يتأمل بمعقم أو كمامة، تنجيانه بحسب رأيه من مصيره المحتوم جراء إصابته بوباء أكثر تغولاً وهو الفقر، وكأن لسان حال السوريين يقول:” لا وقت للاكتراث بكورونا، لدينا ما هو الأكثر أهمية وإلحاحاً”.

مصير السوريين يبدو أكثر قتامة في السنوات القليلة القادمة

حيث تؤكد الأخبار الخاصة الواردة من داخل العاصمة أن الحياة مستمرة بوتيرة عادية وطبيعية، من حيث استمرار العمل الرسمي والخاص والمدارس والأسواق المفتوحة والمطاعم والفنادق ودور العبادة وصالات العزاء أو الأفراح وغيرها، دون أن يلوح في الأفق القريب احتمالية لإعادة تفعيل قرارات الاغلاق أو إعادة الحظر في ظل التردي المستمر للأوضاع المعيشية، والتي يمكن أن تتسبب بكوارث مضافة لا يتحملها الوضع الاقتصادي السوري جملةً وتفصيلاً.

إن كان عدم الاكتراث بمخاطر الفايروس هو الظاهر لدى السوريين، فمن الطبيعي أن تكون ردود الفعل اتجاه الأخبار الخاصة باللقاحات ضد الفايروس مشابهة، حيث لا يتأمل غالبيتهم، ولا حتى في الأحلام، إمكانية الحصول على أفضل اللقاحات العالمية ومن بينها لقاح فايزر، وجلّ ما بات يتأمله غالبيتهم اليائسة، حقن فعّالة ليست لغرض الشفاء، بل تسرع في إنهاء حياتهم الشقية، مسدودة الأفق ومعدومة الأمل، بحسب ما عبر الكثيرون في تعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

أكثر الأمور خطورة التي تلوح في الأفق القريب مثل ظلال سوداء، هو أن مصير السوريين يبدو أكثر قتامة في السنوات القليلة القادمة، وهي توقعات منطقية ستظهر للعلن كنتائج وآثار حتمية لانعدام الأمن الغذائي والصحي الحالي وبشكل أكثر وضوحاً، مما يعني أجيال جديدة قادمة، هشّة وضعيفة البنية، تدفع ثمن كل ما تقدم من فاتورة الشقاء السوري.

This entry was posted in ربيع سوريا, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.