حكاية أم كلثوم مع أهل الشام

سامي مروان مبيض

في صيف عام 1931، كان الجمهور الدمشقي على موعد مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم، القادمة من مصر عبر لبنان مع متعهد حفلاتها أحمد الجاك، لإحياء ثلاث حفلات في حديقة المشيّة.

حددت قيمة التذكرة الواحدة بليرة رشادية ذهـب، وكان هذا مبلغ كبير جداً بالنسبة لمحبيها الكثر، فقام بعضهم ببيع سجّاد المنازل أو رهن مصاغ الزوجات، لحضور هذه الأمسية شخصياً، بعد سنوات من الاستماع إليها عبر المذياع.

تجمهر عدد من المعجبين والأعيان على مشارف دمشق، وكان على رأسهم زعيم المدينة فخري البارودي، أمين العاصمة، مدير الشرطة ونخبة من رجالات الصناعة والتجارة، إضافة لأصحاب الصحف اليومية وسيدات يمثلن الجمعيات النسائية.

في صيف 1931، كان الجمهور الدمشقي على موعد مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم. حُددت قيمة التذكرة الواحدة بليرة رشادية ذهـب، وكان هذا مبلغ كبير جداً بالنسبة لمحبيها، فقام بعضهم ببيع سجّاد المنازل أو رهن مصاغ الزوجات لحضور هذه الأمسية
انتقلت أم كلثوم وسط هذا الزحام البشري غير المألوف نحو فندق أمية، وهناك كانت على موعد مع مشهد مختلف تماماً، لا يمتّ إلى الحفاوة والترحيب بصلة.

كان بانتظارها مجموعة من الشباب المتشدّدين، قابلوها بالقدح والذم ورشقوها بنترات الفضة، محاولين إحراق وجهها، وأضرموا النار في طرف ثوبها. صاحوا أمامها: “احتشمي يا ست”، وبعضهم طالب بإلغاء الحفل. هذا مع العِلم أن أم كلثوم، البالغة من العمر ثلاثة وثلاثون عاماً حينها، كانت مُلتزمة دينياً، حافظة للقرآن ومحتشمة للغاية مقارنة بمطربات ذلك الزمان.

غضبت أم كلثوم كثيراً من هذا التصرّف، وقاطعت دمشق لسنوات طويلة، كما رفضت التبرع لجمعياتها تعبيراً عن غضبها. وظلت بعيدة عن دمشق حتى حزيران 1955، عندما جاءت بدعوة من جمعية “المبرة النسائية” لإحياء حفل على مسرح مدرسة اللاييك.

كان في استقبالها رئيس مجلس النواب في حينه، ناظم القدسي، الذي سألها عن طول غيابها، فروت أمامه ما حدث معها سنة 1932. عبس الرئيس القدسي وكرّر الاعتذار، وأكد لها أن هذه الزيارة ستكون مختلفة جداً عما سبقها.

أم كلثوم وأم كامل
أقيمت على شرفها حفلة عشاء كبيرة في منزل فخري البارودي بحيّ القنوات، حضرها نخبة من السياسيين والفنانين. وكان بين الحضور النجم الشاب أنور البابا، صاحب شخصية “أم كامل” المعروفة جداً يومها في إذاعة دمشق.

انتقلت أم كلثوم نحو فندق أمية في دمشق، وهناك كانت على موعد مع مشهد مختلف تماماً، لا يمتّ إلى الحفاوة والترحيب بصلة. كان بانتظارها مجموعة من الشباب المتشدّدين، قابلوها بالقدح والذم ورشقوها بنترات الفضة، محاولين إحراق وجهها
حدّثها الحضور عن “أم كامل” وقصصها المعروفة، فطلبت أم كلثوم التعرف على هذه السيدة البسيطة ذائعة الصيت في الوسط الدمشقي. نهض أنور البابا لتلبية الطلب، ودخل إلى غرفة مجاورة لأرض الدير لكي “يتصل” بأم كامل، وكان ينوي طبعاً تغير ملابسه وارتداء الملاية السوداء الشهيرة التي كانت تلبسها أم كامل. اقترب البارودي من أم كلثوم وهمس في أذنها: “وصلت أم كامل يا ست، وهي في الغرفة دي”. دخلت أم كلثوم الغرفة فوجدت أنور البابا بنصف لباس “أم كامل”، مرتدياً الملاية من فوق والبنطال من تحت.

ضحكت “أم كامل” بلهجتها الدمشقية المعروفة وقالت: “يوه يوه تؤبريني… ما حلوة تفوتي عليّ هيك بلا إحم أو دستور، حتى لو كنت أم كلثوم!”، ردت أم كلثوم ممازحة: “مين الست دي؟ أم كامل أو أبو كامل؟”.

ثم خرجتا معاً من الحجرة، أم كلثوم وأم كامل، ليتم أخذ لهما صورة نادرة، حُفظت في دار البارودي لسنوات.

قولوا آمين
في اليوم التالي، أحيت أم كلثوم حفلتها الشهيرة على مسرح اللاييك في شارع بغداد، وكان على رأس الحضور رئيس المجلس النيابي ناظم القدسي، ورئيس الوزراء صبري العسلي، مع كامل أعضاء حكومته، وكان معهم وزير الأشغال في دولة الكويت، الشيخ فهد السالم الصباح، الذي حضر خصيصاً لمشاهدة أم كلثوم.

ولكونها موجودة في دمشق، أحيت حفلة إضافية على مسرح سينما دمشق بحضور فخري البارودي، الذي نهض من مقعده وهي في منتصف أغنية “جددت حبك ليه” وصاح بأعلى صوت: “الله الله الله… يخليلي ياك، قولوا آمين!”. ضحكت أم كلثوم وضحك الجمهور معها، وكان هذا حدث فريد في مسيرتها الفنية، لأن “صاحبة العصمة” كانت قلّما تضحك أو تبتسم على المسرح، ولا تسمح لأحد بمقاطعتها. ولكن قبلت كلام البارودي بود نظراً لاحترامها الشديد له والصداقة القديمة بينهما. وقد دخل تسجيل الحفل في تاريخ أم كلثوم، وصوت البارودي مسموع فيه بوضوح.

غابت أم كلثوم عن دمشق في فترة الانفصال، كيلا تغضب الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كانت تحبه كثيراً
أم كلثوم والمعرض
في الدورة الثالثة لمعرض دمشق الدولي، دُعيت أم كلثوم لإحياء حفل يوم 6 أيلول 1957. غنّت حتى ساعات الفجر الأولى “دليلي احتار” و”شمس الأصيل”. وخلال هذه الزيارة، قام الرئيس شكري القوتلي، بمنحها وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، قلّدها إياه أمين عام رئاسة الجمهورية عبد الله الخاني، بعدما تبرعت بريع حفلاتها للمجهود الحربي السوري.

وفي حفل التكريم الذي أقيم في منزل السفير المصري محمود رياض، كان معظم أعيان سورية يتزاحمون للقرب منها وسماع حديثها والنكات التي كانت تطلقها، فكانت مشهورة بظرفها وذكائها ومعرفتها الواسعة، إلى جانب الروح المرحة. يومها طالب وزير الصحة عبد الباقي نظام الدين، بأن تكون زيارة أم كلثوم إلى دمشق شرطاً من شروط ميثاق العمل العربي المشترك، الموقع حديثاً بين سورية ومصر والسعودية.

وبعدها بعام، عادت أم كلثوم إلى خشبة المعرض في 4 أيلول 1958، وكان ذلك بعد قيام الوحدة السورية المصرية، وغنّت “الذكريات” و”عودت عيني على رؤياك” و”أهل الهوى يا ليل”. وقد وضعت مكبرات الصوت على طول نهر بردى من جوار التكية السليمانية ومتحف دمشق الوطني، وصولاً إلى مطعم الشرق الملاصق للمسرح، والذي أصبح لاحقاً مطعم النبلاء. وصار حضور المعرض والتنزه على مشارفه عُرفاً دمشقياً، حتى نقل فعالياته من وسط المدينة إلى طريق مطار دمشق الدولي بعد أربعة عقود.

كانت أم كلثوم لا تخفي محبتها واعجابها الشديد بالمطرب السوري الكبير صباح فخري. قبل وفاتها عام 1975، كانت تطلب من أي صديق يزور دمشق: “والنبي، عايزة أسطوانات لصباح فخري”
أما عن أم كلثوم، فقد غابت عن دمشق في فترة الانفصال، لكيلا تغضب الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كانت تحبه كثيراً. وفي مصر، كان الموسيقار السوري فريد الأطرش يشتكي دوماً من أنها رفضت أن تغني شيئاً من ألحانه، بالرغم من أخذها لألحان من هم أقل شأناً في الموسيقى الشرقية، وكان ذلك بسبب شكوك الدولة المصرية في ولائه لوطنه الأم سورية في فترة الانفصال. ولكنها وفي عام 1968، غنت شعراً لشاعر الشام نزار قباني، وقدما معاً الأغنية الوطنية الشهيرة “أصبح عندي الآن بندقية”.

هذا وكانت لا تخفي محبتها واعجابها الشديد بالمطرب السوري الكبير صباح فخري. قبل وفاتها عام 1975، كانت أم كلثوم تطلب من أي صديق يزور دمشق: “والنبي، عايزة أسطوانات لصباح فخري”.
موقع رصيف 22

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.