حرب باردة بسلاح نظيف أخطر من ذلك الذي يصدر صوتا وينثر أشلاء وبقايا

اطفال سوريا ينامون بالشوارع جرمانا دمشق

أمل أبوسعد
يتجه باص النقل الداخلي إلى منطقة المهاجرين. يتهادى فوق جسر الرئيس وسط دمشق. وعلى ضفتي الجسر من اليمين يشمخ فندق “فور سيزن” بفصوله الأربعة بعد أن تم شراؤه لصالح مستثمر سوري! وعلى يساره الطريق المؤدية إلى “الشيراتون” و”الداما روز” بكل فخامتهما وأبهتهما. وساحة الأمويين، حيث “دار الأوبرا” ومقر الإذاعة والتلفزيون.
أمام الباص يقف قاسيون شامخاً، وقد حاولت البيوت المرمية على روابي ركن الدين.. وعش الورور وحي الأكرادا الصعود لاهثة إلى قممه. أحاول أن أتبين ملامح تلك البيوت المخبأة خلف الضباب الذي يحيط بها ليدثر فقرها ويرطب أجواءها المتوترة.
جالسة أنا في مقعد قريب من السائق أحاول أن أرصد شخصية هذا الكائن متسائلةً أي نوع من الحياة يحياها؟ وهل يتعاطى نوعاً من المخدر مثلاً كي يبقى متوازنا بهذه الطريقة ؟ كأس الشاي على يمينه وفيروز بصوتها الملائكي فوق رأسه، بينما يسوق ويراقب الناس الصاعدين إلى الحافلة وعددهم يفوق عدد المقاعد بخمسة أضعاف! لا مكان للوقوف أبداً، وهو يفتح الباب كل حين، ويقتطع التذاكر للصاعدين ويعيد لهم الفراطة دون تأفف. لا ينقصه إلا أن يمسك بيده سنارتي حياكة صوف.
ثمة نساء بلا وجوه صعدن الحافلة.. ثمة رجال بلا أيدٍ أيضاً.. وجوه بلا ملامح..عيون بلا أمل.. ملابس وأغطية وجلابيب طويلة ومعاطف وشتاء وشتاء ينزف لا يمطر! قطرات الماء على واجهة الحافلة تحاول غسل زجاجها المتسخ. وعلى جانبي الجسر “بردى” يلملم نفسه جارياً في مجرى صناعي وقد أنزحوه من ضفتيه المخضرتين. فالأنهار أيضا تغير خاناتها ترتدي ثياب العصر الجديد الذي تفتقد فيه إلى الأصالة!
أحد الركاب يصيح بأعلى. صوته قلتلك نزلني.
السائق بصوت أعلى: لن أفتح الأبواب إلا بعد الحاجز!
الراكب يصيح: قلتلك نزلني.. لماذا بعد الحاجز؟
السائق: عندما تنزل اسأل الحاجز لماذا لا يجوز الوقوف؟
يمر الباص من أمام الحاجز، والعسكري الواقف يشير له بالإسراع في مروره، ثم ليقف وينزل ذلك الشاب.
تذكرت الحواجز قبل سنوات أثناء سنوات الحرب المتوترة التي مضغتنتا على مهل ..ثم رمتنا معدومي النكهة والحضور كقطعة لبان بلا طعم!


الآن… لا أصوات… لا تراكض أمام القذائف… لا دخان في السماء… لا حرائق… لا صواريخ متفجرة.
حرب باردة بسلاح نظيف أخطر من ذلك الذي يصدر صوتا وينثر أشلاء وبقايا. هنا تتناثر أنت على أرض الواقع الصلب بلا رحمة من تلك الظروف التي تقول لك احمد الله أن الحرب انتهت وقد نجوت. لست أدري ما معنى النجاة وقد خرجنا مبتورين مقصوصي الجوانح منفصمي القلوب..نطارد بعضنا بالأسعار المتلاحقة والجري المتلاحق خلف اللقمة الهاربة أبداً من يد الحلال.
موظفو شؤون العاملين في مبنى مقابل فندق الشام، تدخل إليهم بأوراقك وكأنك تحمل لهم نعوة قريب! وجوه مصفرة تبدو وراء المكاتب المختبئة خلف دخان السجائر، يرمقونك بكراهية وكأنك جئت لتأخذ ٱخر ما يمتلكونه من الثروات.
إنها الحرب ثانية وثالثة ولزمن طويل.. غيرتنا جعلتنا لا نأمل خيراً. سلبتنا القدرة على الابتسام وحسن الظن بالآخرين. تركتنا آنية فارغة، لا طعم فيها.
لقد أفرغتنا من الشعور……
أمل أبوسعد

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.