حرب الطحين طريق إلى الثورة

حرب الطحين طريق إلى الثورة

بقلم : عضيد جواد الخميسي

كان سعر الخبز ذا أهمية بالغة للفرنسيين وخصوصاً لدى الطبقات الدنيا من المجتمع . حيث كان يشكل ثلاثة أرباع النظام الغذائي لعامة الشعب . وفي الغالب كان العمّال ينفقون ما يصل إلى نصف أجورهم على الخبز وحده . وبالتالي فإن أية زيادة حتى ولو ضئيلة في سعره كانت تهدد باحتمال حصول أزمة غذاء ، مما جعل الارتفاع المفاجئ في الأسعار أخطر المواقف على النظام السياسي العام .

اندلعت حرب الطحين عندما ألغى المراقب العام الفرنسي ” آن ـ روبرت جاك تورگوت” (عام 1727-1781م) نظام تسعير الدولة للخبز ، ايماناً منه بالحرّية الاقتصادية ..

أدى هذا القرار إلى ارتفاع أسعار الخبز عام 1774 م ، وبأثره تسبب في اندلاع سلسلة من الاحتجاجات وصلت إلى أكثر من 300 تظاهرة اجتاحت مناطق باريس من نيسان/ أبريل إلى أيار/ مايو من عام 1775 م ، ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد نشر قوات كبيرة من العسكر لصّد المتظاهرين واعتقال المئات منهم . وقد كانت تلك واحدة من أولى الأزمات التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية (عام 1789-1799م).

على الرغم من استقرار إمدادات الخبز في أعقاب حرب الطحين ؛ إلاّ أنه ومن منطلق أحداث الثورة نفسها ؛أضحت مظاهرات الخبز نمطاً شائعاً في الاحتجاجات ، ومنها تنظيم مسيرة ضخمة للنساء إلى قصر فرساي في أكتوبر من عام 1789م .

ما قبل الثورة : حقّ الخبز غير قابل للتصرّف

بحلول القرن الثامن عشر الميلادي ، كان القمح هو المحصول الأكثر استهلاكاً في فرنسا . وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك أي شحّ في الإنتاج أو المخزون العام في جميع أنحاء البلاد قبل عام 1770 م، إلاّ أن الطلب المحلّي المتزايد كان يمثل مشكلة قائمة ، والخوف من تفاقمها كان كافياً لإثارة الهوس في زراعته .

الذرة والبطاطس باعتبارهما من المحاصيل العالية الغلّة واللتين يمكن أن تكونا جزءاً من عناصر الغذاء الرئيسي الفرنسي إضافة إلى القمح ، لكن هناك معوقات في زراعتهما ؛ بسبب أن هذين المحصولين يتطلبان كمية من السماد أعلى بكثير من القمح ؛الأمر الذي جعل من الصعب توفير الأسمدة الكافية لزراعتهما ؛ بالإضافة إلى أن مجاميع قطعان الماشية في عموم فرنسا ليست بأعداد كبيرة ، ولا تحصل على التغذية المناسبة لطرح كمية السماد المطلوب .

وبصرف النظر عن أراضي “الألزاس واللورين” ( مناطق خاضعة لفرنسا ولكن ألمانيا قد ضمّتها اليها بعد انتصارها في الحرب الفرنسية ـ الپروسية عام 1871 م ) ، التي كانت تُزرع فيها البطاطس على نطاق محدود ؛ لأن العديد من الفلاحين الفرنسيين يعتبرون البطاطس لا تصلح للاستهلاك البشري ولا حتى الحيواني ، وبالتالي امتنعوا عن زراعتها .

كان القمح يُشكل الجزء الأكبر في الوجبات اليومية من طعام الفقراء . أمّا فرصهم في الحصول على اللحوم والمنتجات الحيوانية الأخرى ؛ فهي غير واردة إلاّ ما ندر . كما أن الافتقار إلى التنويع في الزراعة الفرنسية ؛ ما يعني أن الوضع سيكون كارثياً فيما لو فشل محصول القمح في موسمه الزراعي .

على الرغم من أن فرنسا كانت تمتاز بسنوات المحاصيل الجيدة خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي ؛ إلاّ أنها وفي أواخر ستينيات القرن نفسه ومابعدها ؛أصبحت الكميات المنتجة من محصول القمح متذبذبة بشكل حاد بين عامي 1770 و 1789 م . حيث كان المحصول وفيراً فقط في ثلاثة مواسم حصاد في جميع حقول فرنسا. كما برزت مشكلة أخرى بحلول أواخر القرن الثامن عشر وهي ؛ أن الفلاحين أخذوا يقتطعون أراضي حقولهم الواسعة إلى حقول صغيرة وتوزيعها على أبنائهم وأحفادهم ، وبالتالي أسفرت عن جملة محاصيل غير ثابتة .

خلال فترة القرون الوسطى ، دعمت السلطات الفرنسية ثبات السعر الموّحد للقمح ،والذي أطلق عليه ” الاقتصاد الموجّه” ؛ وذلك من خلال سلسلة ضوابط كانت واجبة التطبيق في سوق الحبوب ، و بمتابعة دقيقة من المجالس الحكومية المحلية لضمان وصول القمح إلى المواطن بشكل سلس . تضمنت تلك اللوائح أو الضوابط ؛ مراقبة كميات القمح المباعة من قبل التجّار إلى المواطنين والمخابز من خلال دفاترهم التجارية . كما مُنع المزارعون من إقحام أنفسهم في سوق الحبوب في بيع محاصيلهم بأكثر من الكميات المقررة لهم ؛ وذلك خوفاً من أن تصبح بعض الجهات قوية للغاية و تحتكر التجارة في بعض المناطق . وللتوضيح نورد هذا المثال ؛ حيث كان بمقدور الخبازين شراء ما يكفي من القمح لإنتاج الخبز؛ لكنهم مُنعوا من إعادة بيعه كحبوب . وكان لا بدّ أيضاً من إجراء جميع التعاملات التجارية في ميدان عام . وبذلك ضمنت الضوابط المقررة بقاء أسعار الخبز ثابتة وعدم ارتفاعها أبداً .

تورگوت والنظرية الفيزيوقراطية ( الطبيعية )

تولى “لويس السادس عشر” ملك فرنسا العرش في أيّار/ مايو عام 1774م، متمنياً في أن يكون ملكاً محبوباً من قبل شعبه. ولكن حرب الطحين التي اندلعت قبل أقل من عام لبداية عهده وقبل أسابيع فقط من حفل تتويجه ، تُعد اختباراً صعباً للملك الشاب .

كانت الشرارة الأولى في اندلاع حرب الطحين هي ؛ تعيين الاقتصادي ” آن ـ روبرت جاك تورگوت” البالغ 47 عاماً ، بمرسوم ملكي كمراقب عام للملك .

تورگوت هو من دعاة النظرية الاقتصادية المعروفة باسم “الفيزيوقراطية “، والتي تدعو الى حرية الصناعة والتجارة ، باعتبار أنّ الأرض هي مصدر الثروات جميعها . كما أن أساس مبدأ الفيزوقراطيين هو ؛ الملكية الفردية والحرية الاقتصادية ، رافعين شعار “دعه يمّر دعه يعمل” .

يؤمن الفيزيوقراطيون ( الطبيعيون) ؛ في أن الفرد يكدح من أجل مصلحته الخاصة مقارنة بعمله مع الآخرين ، وأن العمّال عندما تكون انتاجيتهم أعلى فإن الأرباح التي تقابلها ستكون أكثر ، وهذا بطبيعة الحال سوف يخدم فئة المستهلكين من خلال توفير مقدار أكثر من العرض عند زيادة الطلب. كما أن فكرة المنظور الفيزيوقراطي تُعدّ الأساس في قانون الطبيعة ، والمقصود به هو” مشيئة الرّب ” حسب مفهومهم .

كانت اللوائح المعمول بها في سوق الحبوب ؛ تقف حائلاً أمام تلك النظرية الفيزيوقراطية ، وبالتالي كان عليها أن تمضي قدماً كي “يتنفس الاقتصاد الهواء النقي ، و المفعم بالحيوية في حركة السوق” ( شاما ، ص81).

أُتخذت التدابير الفيزيوقراطية في ستينيات القرن الثامن عشر الميلادي ؛ عندما أصدر مجلس وزراء الملك لويس الخامس عشر (عام 1715 ـ 1774) مرسوماً بإلغاء القيود وضوابط أسعار القمح . إلاّ أن ذلك القرار قوبل برفض شعبي عارم وبشكل فوري ، حيث اندلعت الاحتجاجات والاضطرابات في العديد من المدن الفرنسية بين عامي 1767 و 1768 . وفي أثر ذلك تم إعادة العمل في معظم بنود لوائح ضبط الأسعار بحلول عام 1770م .

تورگوت الذي واجه المهمة الصعبة في إصلاح الاقتصاد الفرنسي بعد أربع سنوات ؛ كان لا يزال مقتنعاً بأن الفيزيوقراطية يمكن أن تنجح في فرنسا . فهو يعتقد أن التجارة والصناعة لهما مستقبل واعد في ظل هذا النظام . وهكذا ، في 13 أيلول/ سبتمبر عام 1774 م؛ ألغى تورگوت لوائح ضبط الأسعار، وأعلن التجارة الحرّة للقمح .

اندلاع حرب الطحين

أجبر الخوف من المجاعة بعد رفع قيود أسعار الخبز العديد من الفرنسيين إلى توفير الحماية لأنفسهم من خلال خزن الحبوب ، وذلك حسب القدرة المعيشية لكل مواطن . وكان الإيمان القوي لدى الشعب في توفير الغذاء ؛ هو حقّ يجب أن تكفله الحكومة . لهذا السبب يُلقّب ملك فرنسا ومنذ فترة طويلة بـ “أول خباز في المملكة” ، وكان من المتوقع أن يضمن حصول جميع أفراد شعبه على الخبز.

فإذا لم يكن هذا الحق مكفولاً ، كما هو في حالة ارتفاع أسعار الخبز بما يتجاوز استطاعة معظم الناس تحمله ؛ قد جعل الكثير منهم أن كيفية التصرّف هو مسؤوليتهم الأخلاقية.

ما أن ارتفعت أسعار الخبز بشكل جنوني، أخذت الاحتجاجات تنتشر في أنحاء البلاد كالنار في الهشيم ، وبأعداد غفيرة جداً من المواطنين . حيث قام المحتجون باقتحام مخازن القمح والمخابز؛ فينالون منها على قدر حاجتهم ، ثم يتركون ثمناً لها نقداً بما يشعرهم أنه عادلاً. حيث نظر معظم الناس إلى هذا السلوك بشكل مختلف عن السرقة الصريحة . وقد عُدّ الاحتكار التجاري في الأزمات جريمة لا تغتفر، وعقوبته الإعدام خلال سنوات الثورة .

كان التوقيت غير مناسب لقرار تورگوت في إلغاء التسعيرة ، حيث جاء قبل موسم الحصاد السيئ للقمح في عام 1774م .

على الرغم من أن تورگوت كان على علم بمجمل ظروف الحصاد غير المواتية في وقت مبكر من آب / أغسطس عام 1774م ، إلا أنه لم يكن راغباً في تأجيل قراره سيء الصيت. إذ لم يكن الحصاد متدنياً بنفس القدر في جميع مناطق فرنسا . نتيجة لذلك ، بدأ العديد من التجّار الذين لم تعد تمنعهم لوائح ضبط الأسعار من شراء القمح في المناطق التي كان محصول القمح فيها وفيراً، وبيعه في المناطق الأكثر تضرراً وبأسعار مرتفعة.

لقد تمكن هؤلاء التجّار من احتكار القمح والتحكم في موازين العرض والطلب في سوق الحبوب .وبذلك فقد تحولت أزمة نقص الغذاء في ربيع عام 1775م ؛ من مشكلة اقتصادية في عدة مناطق فرنسية إلى حالة طوارئ شملت جميع أنحاء البلاد. لهذا السبب ؛ أصبحت حرب الطحين التي بدأت ؛ أكثر ضراوة من الاحتجاجات التي حصلت مابين عامي 1767 و 1768م، حيث أخذت المجاعة تصيب الناس وبسرعة .

في 15 آذار/ مارس 1775م ، شوهدت أولى مظاهر الاحتجاجات في مدينة “ريمس” التي كانت تستعد لاستضافة حفل تتويج الملك لويس السادس عشر في شهر يونيو من العام نفسه. ولكن بسبب القلق من نقص الغذاء ، تشكل حشد بنحو مائتا شخص خارج أحد الأديرة للمطالبة بتخفيض أسعار الخبز. إلاّ أن الدير كان يوزع أرغفة الخبز ويشتت الجموع دون استخدام العنف .

بعد شهر ومع استمرار ارتفاع الأسعار، اندلعت الاضطرابات في منطقة “بورغوندي” عندما قررت مجموعة من الغوغاء بنهب منزل مالك إحدى طواحين الحبوب ؛حيث أُتهم ببيع الدقيق الرديء، وعندما هرب ذلك الرجل للاختباء في منزل صديق له ؛قامت تلك المجموعة بنهب منزل الصديق أيضاً . وقد جرى ذلك الحدث قبل الاستيلاء على باخرة من قبل مجموعة من المحتجين كانت تحمل القمح وإجبار التجّار على بيع حمولتها للمواطنين .

حرب الطحين قد ابتدأت فعلاً في “بومونت ـ سور ـ وايز”، وهي قرية ليست بعيدة عن باريس . بتاريخ 22 نيسان/أبريل عام 1775 م تم بيع “سيتير” واحد ـ وهي وحدة فرنسية لقياس الحجوم والتي تساوي 4.43 بوشل ـ (والبوشل يعادل 27.2 كيلوغرام) من حبوب القمح والجاودار أو الشيلم (نبات عشبي حولي يشبه الشعير) بسعر مرتفع يبلغ 26 ليڤر( وحدة نقد تعادل جنيه فضي واحد) في سوق القرية. إلاّ أن القرويين تذمروا من زيادة الثمن ، والقلّة منهم قد استطاعوا الشراء مع الامتعاض .

بعد خمسة أيام ؛ أي في 27 نيسان/أبريل ، بدا السوق ممتلأً بمعروض الحبوب ، فاعتقد القرويون ما يعني أن الأسعار ستنخفض . لكنّهم صُدموا عندما عرفوا أن السيتير الواحد من الحبوب يُباع مقابل 32 ليڤر، فاندلعت الخلافات بين القرويين والتجّار ، وسرعان ما تحول النقاش إلى فوضى عارمة ؛ حيث قام المتسوقون بطرد التجّار من أكشاكهم ونهبوا بضاعتهم . بعض المتسوقين لم يكن هدفهم السرقة ، لذا تركوا مبلغاً من المال والذي ربما يكون مُستحق الدفع (12 ليڤر) عن كل سيتير بقدر حاجتهم . ثم تلاشت مظاهر الفوضى من تلقاء نفسها ، وعاد معظم الناس إلى منازلهم قبل أن تتاح للسلطات فرصة التدخل .

في وقت مبكر من صباح اليوم التالي ، توجّه 11 شخصاً من بومونت – سور – أويز إلى مدينة “ميرو” فنقلوا اخبار ماحصل في قريتهم إلى سكان المدينة. وعندما افتتح سوق حبوب ميرو أبوابه بعد بضع ساعات ، اتبع سكان المدينة سلوك جيرانهم القرويين في اقتحام السوق . حيث قامت مجموعات المتسوقين والتي معظمها من النساء بتمزيق أكياس القمح بالسكاكين، ومليء أكبر قدر ممكن من القمح في مآزرهُن لحملها إلى منازلهن . ثم انتشرت الفوضى وحوادث النهب والسرقة في أرجاء المدينة . وفي اليوم التالي وعند ضاحية “بونتواز” ؛ اعترض أكثر من مائة شخص عدة عربات للقمح ونهبها . ومن ثم أخذ بعض اللصوص سرقة ستة منازل تعود إلى تجّار الحبوب والدقيق المعروفين .

في الأيام التي أعقبت مظاهر الاستنكار الأولى في 27 نيسان/ أبريل عام 1775 م ؛ توسعت الانتفاضات والاحتجاجات إلى مدن أخرى وفي جميع أنحاء باريس ، وأخذت تتزايد في عددها وشدتها يوماً بعد يوم .

كتبت البروفيسورة “سينثيا بوتون” تعليقها المختصر عن الموقف الشعبي من الأحداث ؛”وما أن ومضَت ، حتى اشتعلت بسرعة باتجاهات مختلفة وفي وقت واحد” (بوتون ،ص 92).

في 3 أيار/مايو من العام نفسه ، اندلعت احتجاجات شديدة في مدن “فيرنون” و “نورماندي” ، حيث تمركز المحتّجون أمام المستودعات الرئيسية للحبوب والطحين في كلتا المدينتين . وكانت مطالبهم في تخفيض أسعار الحبوب ؛ إلاّ أن أمناء المخازن والتجّار أغلقوا أبواب مخازنهم رافضين البيع بأسعار أدنى .

في تلك اللحظة الحاسمة ؛ فقد بعض المحتجين رباط جأشهم وأخذوا بمهاجمة الأبواب المغلقة بالفؤوس والسكاكين وحتى المطارق الثقيلة. و رفضوا التوقف لما بعد وصول رجال الشرطة الذين ردّوا بإطلاق النار وإصابة ستة أشخاص منهم .

لقد أدى ذلك الحدث إلى إثارة الغضب والاستنكار؛ فرشقوا النوافذ بالحجارة ، وهاجموا ثلاث طواحين قبل أن يتفرقوا في النهاية .

بحلول 6 أيار/ مايو ، بلغت الإحتجاجات ذروتها ، حيث امتدت إلى 14 سوقاً و 42 قرية منفصلة في ذلك اليوم . وقد بدأ فتيل الاضطرابات بالاشتعال في الأرياف أيضاً ، إذ قام قطاّعو الطرق والسرّاق بالاستيلاء ونهب محاصيل الأراضي التي يتملكها مزارعون بسطاء . إلاّ أن تلك الاعتداءات كانت استثناءً من قاعدة الاحتجاج ؛ حيث ركزّت مجاميع المحتجين غضبها على المتنفذين من ملاّك المطاحن الأغنياء وأعضاء المجالس المحليّة والبرلمان . وكان معظمهم عند مختلف المناطق والضواحي الباريسية يلتزمون بترك الثمن النقدي وقدره 12 ليڤر عن كل سيتير يحصلون عليه من مواقع الاضطرابات وأعمال العنف .

أعمال العنف في فرساي ودور الملك

في 2 أيار/ مايو ، وقبل أربعة أيام من ذروة حرب الطحين ، أُبلغ الملك أن الآلاف من المتظاهرين سوف يتوجهون إلى قصر فرساي . على الرغم من انتشار قصة غير مؤكدة مفادها ؛ أن الملك لويس السادس عشر متحدياً ؛ قد فتح أبواب قصر فرساي أمام المتظاهرين ، واستقبلهم من على شرفة القصر، و طمأنهم بكلام مشحون بالعاطفة ، ثم قوبل بعبارات هتافية (يحيا الملك!) .

ذلك الحدث لم تذكره السجلات التاريخية الرسمية ؛ بيد أن سجلات الشرطة قد أشارت الى عكس ذلك تماماً ، في أن العائلة المالكة لم تقم فقط بإخلاء قصر فرساي من أجل سلامتهم فقط ؛ بل قامت بإخلاء “فونتينبلو” منطقة الأثرياء الموالين للملك أيضاً . وعلى الرغم من أن القصر لم يكن وجهة المتظاهرين في الأصل ، إلاّ أن الذي كان يعنيهم فقط هو مستودعات الطحين الملكية .

احتوت المستودعات الملكية على أكثر من 900 كيس طحين ، وكان المخطط في نقلها إلى أماكن بعيدة فيها مخازن خاصة . إلا أن حوالي خمسة آلاف من المحتجين تمكنوا من نهب نصف هذه الكمية قبل وصول الحرس الملكي لتفريقهم . ولحمل المحتجين في العودة إلى منازلهم دون عنف ، وخشية من مهاجمتهم للقصر نفسه ؛ تعهد الأمير “دي بويكس” الحاكم العسكري لفرساي ، بتخفيض فوري لسعر الطحين بمقدار 2 “سوـ سنت” (الليڤر يعادل 20 سو ) .

نجح هذا الأمر في تهدئة الأوضاع إلى حد ما ، وسرعان ما انتشرت أخبار الخصم الجديد للأسعار في جميع أنحاء باريس .

غضب تورگوت من الأمير دي بويكس ووبخّه بشدة ؛ لتقويض مرسومه حول الأسعار .

في الساعة الثامنة من صباح يوم 3 أيار/مايو ، دخل المحتجون من القرى المحيطة إلى مدينة باريس ، وداهموا مئات المخابز.

قبل ذلك اليوم ؛ كانت السلطات الباريسية تتبع القليل من إجراءات الردع . حيث كان القائد العام للشرطة “جان ـ تشارلز ـ بيير لينوار” قد نبّه لمراقبة الوضع بشكل عام ، وحتى أنه لم ينشر أي حرّاس أو قوات مسلحة في المدينة؛على الرغم من تعرض العديد من البلدات في محيط باريس لأعمال النهب والفوضى . غير أن الأحداث التي عمّت مدينة باريس في 3 أيار /مايو ، قد دعت السلطات الفرنسية إلى تحشيد قوات ضاربة من الجيش والشرطة بنحو 25 ألف جندي وشرطي ؛ أُرسل بعضهم للقيام بدوريات في الأرياف ، بينما حرس آخرون الأسواق وأبواب المخابز. وكان لتلك القوتين أوامر حرّة في اعتقال المشتبه بهم .

على أمل أن تهدأ الأمور في “ريمس” وجعل الوقت مناسب لتتويج الملك ، أمر تورگوت القيام بنشاطات خيرية في المدينة وعلى طول الطريق من ريمس إلى باريس لتوفير فرص عمل لعامة الناس الساخطين على الحكومة .

في 5 أيار/ مايو ، دعا الملك لويس السادس عشر رسمياً إلى قمع سريع وشديد للمظاهرات والاحتجاجات . وفي 9 أيار/ مايو ؛ منح الملك عفواً عامّاً لجميع الأشخاص الذين أعادوا الحبوب المسروقة عينياً أو نقداً ، باستثناء القادة أو المحرضين .

وبسبب المراسيم التي أصدرها الملك ؛ وفقدان الزخم العام للاحتجاجات ؛ انتهت حرب الطحين قبل تاريخ 11 حزيران /يونيو من عام 1775م ، الذي تمّ فيه تتويج الملك لويس السادس عشر ؛على الرغم من أن الاضطرابات استمرت متداعية طوال الصيف قبل استعادة الموقف الأمني لاحقاً .

نتائج حرب الطحين

لقد أوفى الملك بوعده ، حينما شنّت الحكومة حملتها القاسية في مواجهة المحتجين خلال حرب الطحين ؛ مقارنة مع التي قبلها من الاحتجاجات المتفرقة والصغيرة بسبب أزمة الخبز ؛ إذ كان عدد المُعتقلين يُقدّر بالعشرات ، مع قدر محدود من المحاكمات والعقوبات الخفيفة .

أمّا في الأيام التي أعقبت حرب الطحين ؛اعتقلت الشرطة نحو 548 شخصاً لدورهم في حدوث الاضطرابات ؛وكانت 92٪ من الاعتقالات حصلت في مدينة باريس وحدها . أمّا الحكومة الفرنسية ؛ فقد كان سعيها في المقام الأول ؛ القبض على القادة والمحرضين ، ولكن القليل منهم قد نفوا التهم الموجهّة إليهم . إذ حُكم على اثنين منهم بالإعدام ، و 15 في الخدمة كعبيد في السفن (خمسة منهم حكم عليهم بالسجن المؤبد) ، وتسعة صدرت أحكام عليهم بالسجن الملكي .

اعتبر تورگوت تلك الاحتجاجات بمثابة الهجوم على منصبه ومفهوم الفيزيوقراطية بحد ذاته . حيث وزعت المنشورات التي تعارض مراسيمه في جميع أنحاء المملكة بعد انتهاء الحرب ، مما جعل تورگوت يرى الأعداء في كل مكان . وقد أصبح مقتنعاً في أن حرب الطحين لم تكن أكثر من مؤامرة مدبرّة ضدّه ، كما خيّل إليه أن الناس يتظاهرون بالجوع لإحراجه وطعناً في سياساته .

تعرّض العديد من المعتقلين للاستجواب حول هذه المؤامرة المزعومة لتقويض التجارة الحرة ، لكن مثل هذه الاستجوابات لم تكشف شيئاً .

حاول تورگوت حفظ ماء وجهه عن طريق اتهام قائد الشرطة لينوار بالتقصير في أداء واجباته ، ودعا إلى استقالته ، ولكن كان من الواضح أن تجربته الفيزيوقراطية وآرائه الاقتصادية قد فشلتا فشلاً ذريعاً . وبعد مرور عام ، طُرد تورگوت من حكومة الملك ، ولكن لأسباب مختلفة غير معروفة .

على الرغم من أن الملك لويس السادس عشر حاول إظهار تضامنه وتعاطفه مع شعبه من خلال تناوله خبز الفقراء “الماسلين” ، والذي هو مزيج من القمح والجاودار ( يشبه حبوب الشعير) ، بدلاً من خبز الأغنياء الأبيض ؛إلا أن الكثيرين كانوا قد وجهوّا له انتقادات قاسية لفشله في إدارة الأزمة. حتى أن البعض قد تبنى نظرية المؤامرة التي زعمت أن الملك وأصحاب المال والنفوذ؛ كانوا قد تعمّدوا في إحداث أزمة الطحين من أجل احتكاره والتحكم بأسعاره . بينما الأغنياء وأصحاب المصالح من السياسيين اتهموا الفقراء من عامة الشعب بالغوغاء والانحطاط الأخلاقي ؛ ايماناً منهم بأن الفقراء يخلقون الفوضى من أجل الفوضى !. إلاّ أن التوترات الاجتماعية التي تفاقمت بسبب حرب الطحين أخذت تتزايد عمقاً على مدار العشر سنوات التي تلت .

أيّاً كان الأمر؛ لم تكن حرب الطحين أوّل وأهّم الاحتجاجات بسبب أزمة الطحين في القرن الثامن عشر. على الرغم من أنها لم تكن عنيفة نسبياً (بصرف النظر عن عمليتي الإعدام) ، والتي لم يكن تأثيرها كبير في تغيير الوضع الراهن . بيد أنها وبعد فترة وجيزة من تولي الملك لويس السادس عشر العرش ؛ بدت حرب الطحين وكأنها واحدة من أولى اشارات التحذير عن وجود صراعات طبقية عميقة لا تخصّ باريس وضواحيها فقط ؛ بل في عموم فرنسا .

في السنوات التالية ، ومع تكرار المواسم السيئة لمحاصيل الحبوب ؛أصبحت الاحتجاجات المتعلقة بالطحين أكثر زخماً وفاعلية ، حيث اندلعت تلك الاحتجاجات وبقوة في المقاطعات الجنوبية خلال عام 1778 م ، وكذلك في نورماندي في عام 1784 م ، ومرة ​​أخرى في عام 1785م ، وغيرها من المناطق العديدة .

أخيراً يمكن القول ؛ أن حرب الطحين كانت بداية الطريق الى بوابة الثورة الفرنسية القادمة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سينثيا بوتون ـ حرب الطحين : الجنس ، والطبقة ، والمجتمع الفرنسي في أواخر العصر القديم ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1993 .

وليم دويل ـ الثورة الفرنسية ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2018 .

أونا ماكلفينا ـ ( كيف ساعدت أزمة الغذاء بقيام الثورة الفرنسية ؟ ) مقال منشور في موقع “قناة التاريخ” في 30 / 9 / 2019 .

جرجيس ليڤيڤر ـ مجيء الثورة الفرنسية ـ مطبعة جامعة برينستون ـ 2015 .

سيمون شاما ـ المواطنون: تاريخ الثورة الفرنسية ـ ڤنتج للنشر ـ 1990.

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.