حافظ الأسد ما مات

أنيس حمدون
عملياً أفكر بالموضوع منذ خمس سنوات. فالمراقبة والتحليل جزء من عملي “كمسرحجي” وجزء من شخصيتي التي درست الكيمياء النظرية في الجامعة – مجرد هواية والله -. حاولت كثيراً عدم الكتابة عن الموضوع لأبعاده المزعجة ولكن تكرر “المحاكمات الميدانية الفيسبوكية”، والمصطلح مقتبس من المخرج السوري زياد كلثوم، والذي تعرّض لمثل هذه المحاكمات، دفعتني للكلام.

هنا أتحدث عن العقلية التي بناها حافظ الأسد وكرّسها في حياة البشر- واستخدم اسم حافظ الأسد كبديل لكلمة ديكتاتور شرق أوسطي-. كيف غيّر أو بالأحرى كيف أوقف طريقة التفكيرالطبيعية للبشر وغيّر مسار تطور التفكير المنطقي؟ ظهر لي الموضوع بوضوح في بداية رحلتي مع الثورة السورية، ثم رحلتي إلى مصر- أي أن حافظ الأسد لم يكن سوى الحالة الموحدة للبلدان ذات الحكم الديكتاتوري في الشرق الأوسط- واستمرت بالوضوح لي في رحلتي في ألمانيا بعد مقابلة عدد من مواطني دول الشرق الأوسط.

كيف تحقق عقلية الشرق الأوسط انجاز رحلة مسير، حفلة عيد ميلاد، تكريم لشاعر، إنتاج فيلم… إلخ؟ الجواب: بصعوبة.

مهما كان الهدف بسيطاً من اجتماع عدد من مواطني الشرق الأوسط- لا أقول عرب لأن ذلك ينسحب أيضاً على جميع القوميات والإثنيات من أبناء المنطقة – سنجد الطريق طويلًا ومتعباً ومليئاً بالقادة وكثيراً من الاعتراضات الوهمية وفوقها العظيم من الحرد والحردانين، أي أن الاجتماع الذي يريد تحقيق هدف ما لن يُحقق هذا الهدف، وفي حال حققه لن يكون هدفاً نظيفاً.

نختصر عادةً الوصف ونقول “هوشة عرب” ولكن في الحقيقة إنها هوشة حافظ الأسد. فما فعله خلال خمسين سنة من حكمه – حتى بعد مماته الله يغمقلُه – لم يكن سوى اللعب على تغيير طريقة التفكير المنطقي الخاصة بالشعب السوري- عبد الناصر هو المؤسس- وأعني باللعب هو أن المنهج الرياضي للتفكير قد أصبح لا يعني أن الوصول للحل هو أفضل الحلول. فمثلاً معادلة رياضية من الدرجة الأولى نحلها لنصل للجواب س=3 ، أما ما فعله الأسد فهو إقرار أن الحل غير الصحيح أو حتى عدم الوصول للحل أصلاً يجعلك في مكان أفضل. فمثلاً شعار الرجل الصحيح في المكان الصحيح يعني بالضرورة في عقلية الأسد أن نضع الشخص الخطأ في المكان الصحيح أو الشخص الصحيح في مكان الخطأ أو حتى الشخص الخطأ في المكان الأكثر خطاً- هنا نفي النفي لا يعني الجواب-.
هذه العقلية الما بعد أسدية تبدو أكثر وضوحاً عندما تعيش وتعمل في ألمانيا مثلاً. حيث أن الفروق في المعالجة المنطقية للوصول إلى الهدف هائلة جداً بين سكان المنطقتين. مرة، زرت ورشة عمل في عاصمة اسكندنافية من أحد أهدافها إيجاد أسباب تفرّق السوريين- اللاجئين بسبب النظام السوري- في هذه العاصمة. عدة مجموعات من منظمات متنوعة وتجمعات وأفراد كانوا يتناقشون ويحاولون إيجاد الأسباب والحلول حول: لماذا لم تنجح تلك الأمسية وتلك التظاهرة، إلخ… وما توصل إليه عدد كبير من الحضور أن السبب يكمن بعدم حب بعضنا بعضاً! أنا كنت صامتاً لأنني ضيف ولكن هذه الأجوبة وجدتها استفزازية، فالسبب الحقيقي لعدم نجاح حدث أو مشروع بسيط هو أننا لا نعرف التخطيط لأي حدث مهما كان صغيراً لأن عقلنا لم يتعلم الوصول للحل الرياضي الذي هو بالضرورة الأقصر والأسرع والأقل كلفة وجهداً بل عقليتنا مليئة بالانعطافات -غير المقصودة- لتطيل الوصول أو حتى تمنع الوصول للحل.

إن أخطر ما فعلته عقلية الأسد أنها جعلت الشعوب تظن العدو الإسرائيلي هو العدو الوحيد للشرق الأوسط، أي أن لا عدو آخر، بالأحرى لم يسمح بوجود عدو آخر، بل هذا البعبع هو المبرر لكل أفعال الأنظمة الديكتاتورية الشرق أوسطية-الفلسطينية أيضاً.

الموضوع ليس شخصياً مع أحد-ما تتضايق- بل هو نتيجة لعملية غسل دماغ طويلة أسسها عبد الناصر في مصر، والأسد في سوريا، وصدام حسين في العراق، والسلطة الفلسطينية، وملك الأردن، والطائف وحزب الله في لبنان….إلخ.

لم أتطرق لموضوع الاستعمار وتكريسه لتخلف المنطقة لأنه واضح ونعرفه ومع ذلك نسمح بحدوثه أيضاً كجزء من نتائج العقلية التي صنعها الأسد.

طبعاً أفكر بالموضوع لأني أؤمن بعملية النقد الذاتي وحتى جلد الذات وخصوصاً في ما أراه يجري في أحداث الثورة السورية التي تأثرت ويمكن أن أقول إنها مرسومة بمنهجية حافظ الأسد. أي أنه صنع وغيّر وأسس للعقلية الحالية الشعبية لمنع انتصار أي ثورة في سوريا، لأنه مدرك لحتمية عدم سكوت الشعوب عن القمع. فالملايين من التفاصيل والتحالفات التي جرت في الثورة السورية قائمة على عقلية لا تستطيع الوصول للحل. فمثلاً المجلس الوطني وبعدها الائتلاف الوطني قام على أساس أن يكون الممثل السياسي للثورة، ولكنه حقيقة ساحة معارك غبية بين تيارات لا تهدف لتحقيق الهدف العام بل تبحث عن أهداف فردية أو في أفضل الأحوال أهداف لتيارات وأحزاب-حقها فرنك- تفكر من أول يوم بأن زعيمها سيصبح حافظ الأسد الجديد.
بالأحرى إن الثورة السورية بمؤسساتها هي نسخة عن القضية الفلسطينية ومؤسساتها ولكن الثورة السورية قد ضغطت زمنياً لسبع سنوات بدل السبعين في فلسطين. القضيتان محقتّان ولكن لم تكونا موفقتين بأجسام سياسية ذات عقلية نظيفة. فأول عدو يجب التغلب عليه -قبل الأسد أو إسرائيل- هو عقليتنا نفسها.

إن أخطر ما فعلته عقلية الأسد أنها جعلت الشعوب تظن العدو الإسرائيلي هو العدو الوحيد للشرق الأوسط، أي أن لا عدو آخر، بالأحرى لم يسمح بوجود عدو آخر، بل هذا البعبع هو المبرر لكل أفعال الأنظمة الديكتاتورية الشرق أوسطية-الفلسطينية أيضاً- فممنوع الكلام عن الحريات لأننا في الخمسين سنة الماضية في حالة حرب مع العدو- دون أي معركة حقيقية – وممنوع الحديث عن التعليم مثلاً لأننا في حرب، إلخ… الغسيل الدماغي هذا لم ينج منه حتى المثقفون اليمينيون واليساريون، الفنانون والكتاب وحتى الوطنيون في الدول المجاورة لسورية فيما يتعلق بالثورة السورية. فهم مؤمنون بأن النظام السوري ممانع- غسيل دماغ نوع ممتاز- وبالتالي علينا أن ندعمه ونقف ضد الثورة السورية.

الأسوأ هو أن هذه العقلية تبرر قتل المدنيين، واستخدام الدين في التسيس، ووأد البنات، وقتل المثليين، ًًًواضطهاد المرأة، وسوء التعليم، وزواج القاصر وآلاف الجرائم الأخرى في سبيل الاصطفاف ضد العدو الوحيد الذي خلقه حافظ الأسد لتثبيت حكمه. فبالتالي بات من غير المقبول – حتى عند مواطني الشرق الأوسط المقيمين في أوروبا- أن تقول مرحباً لإسرائيلي معاد للصهيونية، ولكن طبيعي أن تدافع عن زياد الرحباني المؤيد للنظام السوري وحزب الله والموافق على قتل المدنيين في سبيل الممانعة، ومسموح أن تعمل مع فلسطيني معادٍ للثورة السورية والربيع العربي وموافق على قتل المدنيين السوريين فقط لأنه فلسطيني.

ما الرابط بين التحضير لحفلة صغيرة وبين القضية السورية الفلسطينية؟ ربما كل الارتباط وربما أنا فقط أهذي قليلاً، ولكن الأكيد أن حافظ الأسد ما مات.

المصدر: رصيف22.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.