جواسيس وأئمة ودبلوماسيون .. جيش #إردوغان السري لتخريب #أوروبا


في الوقت الذي يستميت فيه الرئيس التركي، رجب إردوغان، في سبيل ضم بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، ويقدم الولاءات، ويقبل الشروط سرًّا، إلا أنه يصر على أن يبدو في العلن على غير هذا، فهو لا يكاد يفوّت مناسبة إلا واستغلها للهجوم على “الغرب” وأوروبا، في معادلة تكشف ازدواجية في الشخصية السياسية لديه.

خلال افتتاحه مسجدًا في إسطنبول قبل نحو 10 أيام، شنّ إردوغان هجومًا على ما سماه “الغرب المتشدد”، كما كرر الهجوم في مأدبة إفطار في إسطنبول السبت الماضي، قائلًا :إن “الغرب يرجح مصالحه على القيم الإنسانية، وخياراته دائما ما كانت تتجه نحو النفط والدولار”.

الهجوم على الغرب وعداء إردوغان له، دفع مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية إلى تسليط الضوء على الوسائل التي يعتمد عليها ديكتاتور تركيا للانتشار في أوروبا والتجسس على الأتراك والمسلمين المقيمين في دول القارة.

حجة المساجد
المساجد حجر زاوية يركز عليه إردوغان من أجل نشر أفكاره المتطرفة في أوروبا، وقد كتب قبل 3 أيام عبر حسابه بموقع “تويتر” ليؤكد أهمية تحويل المساجد من مجرد مكان للعبادة إلى “عصب للحياة والمناطق المحيطة بها”.

هذه القناعة التي يؤمن بها إردوغان جعلته لا يجد حرجًا في تحويل المساجد إلى مقرات للتجسس على الأتراك المقيمين في الخارج، كما حولها إلى منابر لنشر الإرهاب والأفكار المتطرفة، ومول في سبيل ذلك الأئمة والخطباء القائمين على هذه المساجد خصوصًا في ألمانيا.

“فورين بوليسي” تقول إن الحكومات الأوروبية تفطنت إلى ألاعيب إردوغان، وبالتالي رفضت السياسة الخارجية والداخلية التركية فيما يتعلق ببعض القضايا بما في ذلك تعامل أنقرة مع تنظيم “داعش” وأزمة الهجرة والمعاملة التعسفية للصحافيين والمعارضين السياسيين والأقليات.

الحكومات الأوروبية لم تسلم من سموم رجل أنقرة الموهوم بالخلافة، فلم يتوقف عن خطابه العدواني ضدهم، بل وجه رجال حزبه وحكومته لتهديد شعوب أوروبا بـ”الغزو الإسلامي”، وإجبارهم على ترك معتقداتهم.

كبار السياسيين الأتراك يستغلون أي جدل لإلقاء التهم على أوروبا بكراهيتها للإسلام ويحثون الأتراك وغيرهم من المسلمين الذين يعيشون في أوروبا على رفض القيم الغربية، ومن بين هؤلاء ألب أرسلان كافاكلو أوغلو، رئيس لجنة الأمن والاستخبارات بالبرلمان التركي، الذي صرح في مارس 2018 أن “أوروبا ستكون مسلمة” في المستقبل.

في يناير الماضي وخلال تواجده في ولاية إزمير، عبر إردوغان عن أحلامه في السيطرة على أكبر مساحة جغرافية ممكنة وضمها إلى تركيا، فقال: “إن حدود تركيا تمتد من فيينا إلى شواطئ البحر الأدرياتيكي ومن تركستان الشرقية إلى البحر الأسود”.

تدخل استخباراتي
مجلة “فورين بوليسي” نبهت إلى ما هو أخطر من الخطاب العدواني الذي يقوده إردوغان ضد أوروبا، ويتمثل هذا الخطر في تعيينه جواسيس تابعين له داخل دول القارة، وهو ما بدأ باستثمار مبالغ كبيرة في توغل المنظمات الحكومية وغير الحكومية التركية لتعزيز أجندتها السياسية في جميع أنحاء أوروبا.

المنظمات التركية سعت إلى “بناء النفوذ من خلال الضغط والنشاط والتعليم”، في حين كان لدى البعض الآخر منها أهداف أكثر خطورة، إذ كشفت الأجهزة الأمنية في مختلف الدول الأوروبية باستمرار عن زيادة هائلة في أنشطة وكالات الاستخبارات التركية على أراضيها.

مسرحية الانقلاب في يوليو 2016 التي اتهم فيها إردوغان فتح الله جولن، حليفه الذي تحول لعدو ورجل الدين المنفي والمقيم بالولايات المتحدة، كان نقطة الانطلاق لزيادة عمليات المراقبة على الأتراك واستهدافهم بشكل مباشر واختطاف أنصار جولن والمعارضين من العلمانيين والأكراد الذين يعيشون في أوروبا.

لم يتوقف إردوغان عند هذا الحد، فأساء استغلال الإشعار الأحمر الخاص بالشرطة الدولية “الإنتربول” عن طريق إضافة عدد كبير من أسماء معارضي النظام ومن بينهم لاعب كرة السلة المحترف في الولايات المتحدة أنيس كانتر إلى قاعدة البيانات الخاصة بـ”الإنتربول”.

وثائق بيلز
في عام 2017 كشف بيتر بيلز، وهو سياسي نمساوي بارز، حصل على وثائق مسربة من مصادر لم يعلن عنها، فضائح التجسس لنظام إردوغان، وقال بيلز :”لقد فوجئنا عندما رأينا أن تركيا إردوغان قد بنيت شبكة تجسس قوية من اليابان إلى هولندا ومن كينيا إلى المملكة المتحدة”.

أضاف: “داخل كل دولة، توجد شبكة تجسس ضخمة تتكون من مؤسسات وأندية ومساجد يتم استغلالها من قبل السفارة والملحق الديني وضابط المخابرات المحلي من أجل التجسس على منتقدي إردوغان على مدار الساعة”.

بعد ذلك، بدأت تتحدث السلطات في العديد من الدول الأوروبية علنًا أو سرًا عن خطط مماثلة، وقد اكتشفت مؤامرات لاختطاف معارضي النظام على أراضيها.

أنشطة حكومة إردوغان على الأراضي الأوروبية -سواء كانت تهدف إلى التجسس أو ممارسة النفوذ- اتضح أنها تدار بواسطة السفارات، التي تعمل بموجب الحصانة الدبلوماسية، وتشرف هذه على شبكة واسعة من الكيانات غير الحكومية، بداية من المنظمات الدينية وانتهاء عند الشركات الخاصة، بحسب السياسي النمساوي.

مللي جوروش
من بين المنظمات التي تستخدم لأغراض خبيثة حركة مللي جوروش أو (الرؤية الوطنية) والتي أنشِئت أواخر ستينيات القرن الماضي من قبل نجم الدين أربكان، معلِم إردوغان، وهي منظمة إسلامية تعمل في الغرب وتتبنى العديد من مواقف وأهداف وتكتيكات جماعة الإخوان المسلمين المصنفة “إرهابية” وتضيف لمسة عثمانية جديدة لها.

تعمل الحركة منذ فترة طويلة في أوروبا ، حيث تضم ما يقدر بنحو 300 ألف عضو ومتعاطف معها وتتحكم في مئات المساجد، معظمها داخل ألمانيا. وتعبر السلطات في شتى أنحاء أوروبا عن قلقها باستمرار حيال تلك المنظمة وتحديدا ألمانيا.

برلين ترى أن أهداف “مللي جوروش” مثيرة للقلق، كما أنها تسلط الضوء على آرائها القوية المعادية للغرب والديمقراطية والسامية. كما ترى أنها تمثل تهديدا مباشرا لجهود الحكومة في دمج المهاجرين الوافدين والألمان من أصول تركية.

تهديد برلين
التقرير السنوي الصادر عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا عام 2005 كشف أن تلك الجماعات الإسلامية تمثل تهديدا للتناغم الداخلي بالمجتمع الألماني، وتتعارض مع الجهود التي تبذلها الإدارة الفيدرالية والولايات لدمج المهاجرين.

دعم نظام إردوغان للحركة المتطرفة ليس مفاجئا، لكنه يعكس سياسة تنتهجها أنقرة لفترة طويلة، لأنه تاريخيًا، كانت الدولة التركية داعمًا رئيسا للمنظمات الإخوانية التي تعمل في مختلف الدول الغربية حيث يوجد الشتات التركي، وفق “فورين بوليسي”.

حكومة العدالة والتنمية منذ وصولها إلى السلطة في عام 2002، عملت على زرع تابعين لها في جميع المنظمات ذات الطابع الديني (حكومية وغير حكومية)، ومنها رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت) والمناصب الدينية، والتي أصبحت ملغمة بمنتمين لإردوغان وموالين له بشكل كبير.

المنظمات الموجهة من نظام إردوغان في داخل تركيا وبأذرعها في أوروبا، مثل “ديانت” التي لها فروع في عدد من الدول الأوروبية، عملت على تحقيق أهداف إردوغان، منها إقناع قطاع كبير من الأتراك في أوروبا بالتصويت لصالح الحزب الحاكم. ففي انتخابات الرئاسة الأخيرة في يونيو 2018، حصل إردوغان على أكثر من 60% من أصوات الناخبين في جميع أنحاء أوروبا، ونجحت هذه الاستراتيجية إلى حد كبير ورجحت كفة الحزب في النتيجة النهائية للانتخابات.

في الآونة الأخيرة، فإن محاولات حزب العدالة والتنمية لممارسة نفوذه على المجتمعات الإسلامية الأوروبية قد تجاوزت السيطرة على منظمات الشتات التركية وامتدت لتكوين شراكة وثيقة مع المنظمات الأوروبية المسلمة والأفراد الذين لهم علاقات بجماعة الإخوان.

نتيجة لهذه التغييرات، بدأت الحكومة التركية أو المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المالية المقربة من الحكومة وحزب العدالة والتنمية في توفير الدعم المتزايد للشبكات المرتبطة بالإخوان، والتي بدورها تعمل على الترويج لحكومة حزب العدالة والتنمية.

شبكة الزيات
في البلدان ذات الجاليات التركية الكبيرة مثل ألمانيا والنمسا وهولندا يبرز دور أنقرة وأذرعها الخبيثة، مثل الناشط البارز إبراهيم الزيات الذي شغل عدة مناصب عليا في الجماعات المرتبطة بالإخوان في ألمانيا وأوروبا حتى إن رئيس إحدى وكالات الاستخبارات الأكثر قوة في ألمانيا ، وصفه بـ “عنكبوت في شبكة المنظمات الإسلامية”، وهو أيضًا مدير تنفيذي لشركة EMUG، وهي شركة مقرها ألمانيا تدير أكثر من 300 مسجد ضمن شبكة “ميللي جوروش”، كما أنه متزوج من ابنة شقيق نجم الدين أربكان.

العلاقات المالية الوطيدة بين إردوغان وعناصر الإخوان في أوروبا واسعة، وتتمدد، وهي قائمة منذ عقود، فالأحزاب الإسلامية التركية وجماعة الإخوان في الشرق الأوسط تشبه “ميللي جورش” وبينهما تقارب قائم على الإطار الفكري الطامح لوهم ما يسمى بـ”الخلافة الإسلامية”، وهو ما يدعمه إردوغان بشدة، إذ يرى في نفسه قائد دولة الخلافة المزعومة.

منذ اندلاع الانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية منذ عام 2011 وعزل الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان محمد مرسي من مصر، تعززت العلاقة بين إردوغان والإخوان المنتشرين في أوروبا. واتخذت فروع الإخوان من جميع أنحاء العالم العربي مقرات لها في إسطنبول كما تحصل الجماعة على الدعم السياسي والمالي من أنقرة، التي وفرت لها مساحة يديرون من خلالها أعمالهم ومحطات تلفزيونية ومواقع إخبارية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.

تحالف إردوغان مع الإخوان في أوروبا عمل على تنفيذ خططه الشيطانية مرتديا قناع الخير، فاستثمرت تركيا ملايين الدولارات سنويًا على مشروعات تحت بند “المساعدة الإنسانية” في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، أو في الدول الغربية ذات الأقليات المسلمة الكبيرة.

وبحسب “فورين بوليسي”، فإنه في ظل سعيه لأن يصبح زعيما للعالم الإسلامي، يستفيد إردوغان من المنظمات الدينية الخاضعة لسيطرة حزبه والجماعات الإسلامية التركية مثل “ميللي جوروش”، والمنظمات ذات المصالح المشتركة مثل الإخوان.

ياسين أقطاي المستشار السياسي لإردوغان عبر صراحة عن علاقة نظام العدالة والتنمية بجماعة الإخوان، قائلا: “الإخوان المسلمين تمثل القوة الناعمة لتركيا”، فيما يتعين على الحكومات الأوروبية أن تواجه هذا السرطان الذي يستغل اسم الدين لزرع الفتن ونشر الطائفية ومن ثم حدوث عنف ودمار يهدد وحدة القارة، بعد عجز من أن يكون جزءًا من هذه الوحدة.

المصدر موقع عثمانلي

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.